الحافة . تأليف :دومينيك كومب : آرثر رامبو
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
آرثر رامبو
16/05/2007
  
 
   
  مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الفرنسية دومينيك كومب أستاذة النقد الحديث في جامعة السوربون وهي مختصة بالشعر الحديث أساساً، وكانت قد نشرت سابقاً عدة دراسات عن شعر مالارميه وإيف بونغوا وآخرين عديدين، ويتركز اهتمامها على الشكل الشعري أو اللغة الشعرية والمتغيرات التي طرأت عليها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بمعنى آخر فإنها مهتمة بدراسة ما ندعوه بثورة الحداثة الشعرية،
ولهذا السبب فهي تقدم هنا كتاباً كاملاً عن أهم علم من أعلام هذه الثورة التي غيرت مصير الشعر شكلاً ومضموناً: آرثر رامبو، وهي تتبع كل آثاره وأعماله منذ أشعاره الأولى وحتى«فصل في الجحيم » و«الإشراقات» وتحاول أن تشرحها وتعلق عليها وتموضعها ضمن الحركة العامة للتجديد الشعري ككل. ومعلوم أن رامبو كان في أشعاره الأولى كلاسيكياً، أي يتقيد بالنظم والوزن والقوافي. وهذا ظاهر في قصيدته الشهيرة «القارب السكران» ولكنه تخلى عن كل ذلك عندما كسر الأوزان والقوافي في رائعتيه النثريتين: فصل في الجحيم، و«الإشراقات».
والمؤلفة تقول إن رامبو لو ترك الشعر أو لو مات بعد كتابته لقصائده الأولى الكلاسيكية لربما نسيه الناس ولما احتل أي مكانة مهمة في تاريخ الشعر. وهذا كلام غريب الشكل ومرفوض قطعاً. لماذا؟ لأن أشعاره الأولى من أجمل الأشعار وأروعها حتى ولو كانت متقيدة بالأوزان والقوافي، فمن اطلع عليها مرة واحدة لن ينساها. صحيح انه قطع معها في مرحلته الشعرية الثانية ذات الطابع النثري الخالص، ولكنه لم ينكرها ولم يتخل عنها، أو قل أنه أنكر كل شعره فيما بعد ولم يعد يهتم به.
مهما يكن من أمر فإن المؤلفة تفتتح كتابها بهذه العبارات الواردة في رسالة الرائي الثانية التي وجهها رامبو يوم 15 مايو من عام 1871 إلى صديقه بول دومني، وهي الرسالة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس ولا تزال تحظى بالتعليقات والشروحات حتى الآن بالإضافة إلى رسالته الأولى التي سبقتها بوقت قصير.
يقول رامبو: «ينبغي أن نعثر على لغة شعرية جديدة.. ينبغي أن نطالب الشعراء بأن يأتوا بشيء آخر جديد، شكلاً ومضموناً، ذلك أن اختراع المجاهيل أو (اكتشاف المجاهيل بالأحرى) يتطلب منا استخدام أشكال لغوية جديدة» بمعنى آخر فلا مضمون جديداً من دون شكل جديد.
من يصدق أن رامبو كتب هذا النص وعمره سبعة عشر عاماً فقط وربما أقل؟ ومع ذلك فلا تزال هذه العبارات وغيرها الواردة في الرسالة تشكل البرنامج الأساسي للحداثة الشعرية سواء داخل فرنسا أم خارجها. وأكبر دليل على ذلك شهادات كبار الشعراء والكتاب بآرثر رامبو والتأثير العظيم الذي مارسه على الشعر والشعراء منذ وقت وحتى يومنا هذا. ولحسن الحظ فإن الناقدة الفرنسية تكرس لهذه المسألة ملفاً خاصاً في نهاية الكتاب.
لكن قبل أن نصل إليه يفضل أن نتوقف ولو للحظة عند الهيكلية العامة لكتابها وكيف تدرس رامبو وأعماله بطريقة منهجية علمية. هناك أولاً مقدمة عامة للكتاب تتحدث فيها عن المكانة التي يحتلها صاحب «القارب السكران» في تاريخ الشعر الفرنسي وربما العالمي، ثم تردف المؤلفة في مقدمتها اللطيفة قائلة: هناك مزحة تعزى إلى رامبو وتقول بأن الشعر لا يصنع بالأفكار وإنما بالكلمات. وسواء أقال رامبو هذه العبارة أم لا فإنها صحيحة إلى حد كبير. وتنطبق عليه وعلى مالارميه وكل فرسان الحداثة الشعرية.
وهذا لا يعني أن المضمون ليس مهما في الشعر، وإنما يعني أن الشكل الجديد الذي يخترعه الشاعر هو الذي يأتي بالمضمون الجديد بشكل شبه أوتوماتيكي، فالأفكار يمكن أن نجدها على قارعة الطريق عند كل الناس ولكن الصياغات الشعرية الجديدة هي الصعبة وهي العسيرة على المنال. والواقع أن رامبو مارس الكتابة الاتوماتيكية قبل أن يكتشفها السورياليون وينظروا لها بزمن طويل ويكفي ان نلقي نظرة على« فصل في الجحيم» أو «الاشراقات» حيث تسود اللغة الهذيانية وشبه الجنونية لكي نتأكد من ذلك.
هنا تتجلى عبقرية رامبو الشعرية وعظمته. وبهذا المعنى فإن كل شعراء الحداثة خرجوا من معطفه لاحقاً. رامبو كان الرائي الرائد والمبتكر للصياغات الجديدة التي لا تزال تهمين علينا حتى اليوم، ولهذا السبب فإن الناقدة الفرنسية تؤكد قائلة: شعر رامبو هو قبل كل شيء صياغة، لغة، تراكيب غير معهودة سابقا في الشعر الفرنسي.
لقد كسر اللغة، حطمها، ثم بنى على أنقاضها لغة أخرى جديدة هي ما ندعوه: بالحداثة الشعرية، ولو أنه استمر في كتابة الشعر على طريقة فيكتور هيغو أو على طريقة بودلير لما كان هناك شيء اسمه حداثة شعرية. هذا شيء واضح لكل ذي عينين. رامبو هو المقتحم الأول للمجاهيل الشعرية، هو المفجر الأكبر للغة الشعر.
بعد هذه المقدمة النظرية الهامة تنتقل المؤلفة للتحدث عن أزمة الشعر الغنائي الفرنسي عندما ظهر رامبو في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فرامبو أنقذ الشعر من الغنائية الكلاسيكية أو الرومانطيقية عن طريق اختراع لغة شعرية جديدة، هي لغة النثر أو قصيدة النثر ذات الغنائية الموضوعية إذا جاز التعبير: والغنائية الضمنية غير الصارخة وغير المائعة.
من هنا أهمية انتقاله من «القارب السكران »إلى «فصل في الجحيم» و«الاشراقات»، كان الشعر الفرنسي قد وصل إلى باب مسدود بعد أن استنفد فيكتور هيغو كل الإمكانيات الغنائية المطربة للشعر الفرنسي. وبالتالي فلم يعد أمام رامبو الا خياران: إما أن يستمر في تقليد فيكتور هيغو، وإما أن ينحرف بالشعر الفرنسي مئة وثمانين درجة عن فيكتور هيغو لكي يكتشف أرضا جديدة بكراً: أي لغة شعرية لم تعرف من قبل.
وبعد تردد المحاولات الأولى اختار رامبو الحل الثاني بالطبع وضمن لنفسه الأبدية والخلود. فمن يستطيع أن يضاهي المتنبي وأحمد شوقي أو بدوي الجبل في الغنائية الكلاسيكية التي تشبع الأذن العربية إشباعاً؟ من يستطيع أن يضاهي فيكتور هيغو في الغنائية الكلاسيكية الفرنسية التي تفعل الشيء نفسه بالنسبة للفرنسيين؟ لا أحد وبالتالي ينبغي أن نقتل المتنبي ونقتل فيكتور هيغو وأحمد شوقي لكي نستطيع أن نكتب شعرا آخر.
وبالتالي فينبغي نسيانهم أو الانحراف عنهم كليا إذا ما أردنا أن نأتي بشيء جديد. وهذا ما فعله رامبو وهذا ما فعله على إثره كبار شعراء الحداثة العربية. ثم تقدم المؤلفة بعدئذ شرحا معمقاً لديوان «فصل في الجحيم» ثم لديوان «الاشراقات» وذلك قبل أن تقدم ملفاً كاملاً عن آراء كبار النقاد والشعراء فيه كما ذكرنا أنفاً.
فيما يخص «فصل في الجحيم» تطرح المؤلفة السؤال الوجيه التالي: هل هو سيرة ذاتية للشاعر، ثم تجيب هذا الجواب الرائع والموفق: إنه عبارة عن ملحمة داخلية وسيرة ذاتية أسطورية لرامبو. ولكي نشرح ذلك تلزمنا مجلدات! لكن لنقل باختيار شديد ما يلي: رامبو كتب هذا الديوان على إثر قطيعته الشهيرة مع فيدلين في بروكسل.
وكان هذا الأخير قد أطلق عليه النار من مسدس وأصابه في معصمه وجرحه كما هو معروف. وبعد المستشفى والعلاج عاد رامبو إلى مزرعة العائلة، إلى بيت أمه. ثم اختلى مع نفسه في سقيفة البيت حيث توجد الغلال. وافترش الأرض! وباعتراف أخته «ايزابيل» فإن صراخه كان يسمع على مسافة خارج الدار وهو يكتب «فصل في الجحيم». كان في حالة هذيانية لا توصف. كان ألم القطيعة مع صديقه فيولين لا يزال طرياً. وكانت ذكريات حياته البوهيمية معه في لندن لا تزال طازجة. وكانت الذكريات المرة تتفاعل في وعيه الداخلي.
ضمن هذه الظروف المرعبة نتج فصل في الجحيم. كان يخبط على الأرض وتسمع كل العائلة أنينه وعويله دون أن تتجرأ على إزعاجه أو الصعود إلى السقيفة مساءلته عن الموضوع. لقد تركوه وحده يحل مشكلته ويصفي حساباته. وقد حلها بعد أن تمخضت عذاباته وهيجانه عن هذا الديوان الخالد الذي أسس الحداثة الشعرية الفرنسية وربما العالمية. وأثبتت صحة مقولة التحليل النفسي بأن الفن يشفي من العصاب أو الجنون.
فلولا أن رامبو استطاع أن يخرج كل تراكماته الداخلية إلى السطح عن طريق كتابة هذا النص العبقري لربما قد جُن أو انتحر. ولذلك أنهاه بهذه العبارة: «الآن انتهى الكابوس. الآن أستطيع أن أحيي الجمال»! بعد أن فرغ كل الشحنات الداخلية التي تضغط على قلبه استطاع أن يتصالح مع نفسه، أن يتجاوز محنته التي عصفت به وخلخلته.. لقد انتصر رامبو على نفسه بعد معاناة هائلة واحتقانات مرعبة كادت أن تودي به. وكان أن نتج عن كل ذلك هذه الرائعة الأدبية: «فصل في الجحيم».
إذا لم نوضح الأمور على هذا المستوى فإننا لن نفهم شيئاً من شيء ولن نعرف سبب عظمة هذا الديوان الصغير الحجم ولا يزال يهزنا حتى الآن. ولن أتوقف عن «الاشراقات »لأنه أصعب دواوين رامبو وأكثرها غموضاً وعسراً على الفهم. ولكن سأكتفي بهذه المزحة الرائعة: أرسل أحد الملاعين الباريسيين «اشراقات» رامبو كمخطوطة إلى دور النشر لكي تنشرها بحجة أنه شاعر جديد، فرفضتها كلها قائلة بأنها لا تستحق النشر!.. والواقع أن تودوروف، وهو من هو في مجال النقد يعتقد بأن اشراقات رامبو تستعصي على الفهم بكل بساطة.
وبالتالي فكان الأجدر به أن يدعوها «غموضات» لا إشراقات.. ولكن هناك متعصبين كثيرين لهذه القصائد العبقرية، ومن بينهم فيليب سوليرز. والبعض يعتبرها أدباً آخر أو أدباً يعلو على كل أدب!

الكتاب: آرثر رامبو
شرح وتعليق على أشعاره
وعلى فصل في الجحيم، والإشراقات
الناشر: غاليمار ـ باريس 2005
الصفحات: 250 من القطع الصغير
ARTHUR RIMBAUD
POESIES, UNE SAISON EN ENFER
ILLUMINATIONS
DOMINIQUE COMBE
GALLIMARD - PARIS 2005
 
 البيان
الحافة : .. 2006