الحافة . محمد علوان جبر : نجمة
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
نجمة
15/05/2007
  
 
قصة قصيرة   
-        الحقيقة كالعاهرة ، الجميع يراها ويعرفها ويشتهيها ، لكن لايمكن الاقتراب منها الا في الظلام ..بعيدا عن ضوء النهار .. خلف الابواب الموصدة .. وبعد الانتهاء منها .. تبقى وحيدة ومحاصرة بالعتمة  -
بورشت
 
 
                                               1
 
 
في الزقاق المقفر ،  سار الثلاثة يتقدمهم الرجل  البدين المتكور في رداء رصاصي احكمه على جسده ليتقي برد الصباح ، كانت المرأة  تمسك بيد ابنها ، والرجل يراقب حركة ابنته وحفيده الذي كان يتعثر كثيرا في سيره ..."  -  حالما نهضْت اتجهتْ نحو فراشي .. صاحت حينما تعثرت في قائمة السرير الخشبي الذي كنت انام فيه وكدت اسقط .. تسميني  ياولدي ..واحيانا تسميني حبيبي . لمْ اكنْ اعرف ماذا تعني بهاتين الكلمتين او حتى الكلمات التي اسمعها من جدي وهو يصرخ بها انه لايعرف  كيف يتكلم .. هناك الكثير من الفرق بينه وبين امي .. ولااعرف لماذا هما متعلقان ببعضهما بهذا الشكل اذ لايفترقان..كنت كلما انهض احس بالبرد الشديد فتقترب مني وحينما اشير الى فمي تصيح .. ايها الشره وهي تدس قرص الخبز في يدي..و تسحبني  بخطوات سريعة في محاولة للحاق بجدي الذي يسبقنا دائما  في الخروج .. "
 
2
 
يسموني نجمة ،  لم أكن نجمة أبداً ،  قبل وفاة امي ايقنت ان ثمة امورا كثيرة تحدث حولي .. تجري بايقاعات لم اكن اعرف مداها ابدا .. بدأت بالحرب وانتهت بالحرب ايضا ،  كان زواجي يشبه الصدمة اوصدفة اسرع من نيزك ، اخترق ايامي برهة واختفى ،  اذ ودعته وانا مذهولة  من الغارات التي كانت  تشنها الطائرات على المدينة ، حمل حقيبته وهو يرتدي الكاكي ،  ولم اعد اتذكر من شكله سوى وداعه لي امام الباب الذي اوصدته عنوة بعد ان ابتلعه صمت الشارع فجرا .
 
 
3
 
لااعلم لماذا تتبعني كظلي هي وابنها الذي يتعثر كثيرا .. تتبعني .. تتبعني .. انها دائما خلفي ،  لاتترك لي ايما فرصة حتى لكي اتكلم .. انها تقدم الطعام لي وتبعد كل الاشياء الحادة التي تسبب لي الرعشة في اصابعي وفي اعلى بطني .. انها تمنعني من الكلام او الصراخ .. لكني  انقاد اليها – لااعلم لماذا -  اتذكر انها ابنتي نجمة .. ولااعلم اين ذهب زوجها حميد .. - العريف حميد -.. اين ذهب وتركها تلاحقني .. هي وابنها المتعثر  في سيره والذي يخرج لي لسانه .. انه يضحك مني ..حتى وانا اشد ازرار حذائي  ..  وكلما تطلعت  في وجهه ،   كان يغمض عين ويفتح اخرى  وهو يشير بأصبعه القذر نحو وجهي .. لااعلم ربما يريد ان يقول ، ان لي عينا واحدة ،  انه يسخر مني ،  دائما  احسه يسخر مني ، سواء بتعمده السير البطيء لكي  اضطر الى انتظارهما هو وامه..او بتعمده التحديق المباشر في وجهي ..
-          أين حميـــــد .... ؟
اسأل نجمة لمرات ، واضطر ازاء صمتها ولامبالاتها الى ان اصرخ .. واعيد السؤال لمرات واراها تكتفي بالبكاء .. انها تبكي .. واحسها تسخر مني مثل ابنها الهمجي ..
-          عودي الى البيت اذن .. الان !
لكنها تتجاهل دعواتي .. وصراخي ،  وتحث خطاها تتبعني هي وابنها اينما اذهب .. اراقبها وعيني السليمة تذرف ماءا .. وان شيئا ما يعتصر صدري الذي يعلو ويهبط .. وتبدأ نجمة نواحها اذ تقترب مني وتمسح وجهي بمنديل ازرق وتمرراصابعها في شعري وصدرها يعلو ويهبط .. انها تفعل مثلي .. تربت على كتفي كما تربت على كتف ابنها – المنغولي -  هكذا يسميه كل من يشاهده  ولااعرف مامعنى هذه الكلمة .. كان حينما يرى نجمة تقترب مني يتنحى جانبا ويشيرباصبعه الضخم الى اتجاهات في الافق لااعرف لماذا يفعل ذلك . ونمضي انا ونجمه وهي تجر الولد نحو طرقات تؤدي الى طرق اخرى .. ندور في دوامات المدينة ،  ونعود ليلا  الى البيت .. حيث اهمد في فراشي ويبدأ الولد اللعين بالشخير  وفمه مفتوح .
 
4
هل نواصل العواء ياابي  في شوارع نعرفها وتعرفنا ،  طرق نمر بها كل يوم .. ونبدأ بالدوران فيها  .. نطرق اسفلتها .. وانت تشق  الافق بعين واحدة ،  وعين اخرى اطفأتها الحرب ..  تسير بسرعة ولاتترك لنا فرصة التقاط انفاسنا انا والصبي .. تتقطع انفاسنا ونحن نجري خلفك .. وتبدأ بالدوران في تلك الدوائر المغلقة على فهمي وفهمك .. اذ تصب  اللعنات منهمكا تماما في الهذيان المتواصل  .. وتلقي في اوج دورانك المعهود اسئلتك الغريبة .. تسألني من اكون .. اذ تنساني  وتسئل عن حميد .. اه كم اتمنى ان يعود حميد .. لااعلم هل يحق لي ان اتسائل عن عودة حميد الذي قيل لي انه مات في الجبهة .. هكذا بهذا المعنى المغلق .. مات حميد في الجبهة ولم يتسنى لنا ان نوصل جثته اليكم .. هكذا بهذه البساطة .. اتمنى .. وهذا شيء لايعني احدا سواى والصبي الذي ولد بعد رحيل حميد بشهرين .. اتمنى ان يجيبك احد ما على اسئلتك ياابي فانا لااملك اجابات .. علك تقتنع بشيء ..اجابات لاسئلة عني وعن عينك التي فقدتها في الحرب الاولى .. او الوسطى او الاخيرة .. لم اعد اعرف  لكنك تسأل دائما لماذا انا بعين واحدة .. واتجاهل صراخك  الذي يعلو ويجذب المارة حولنا .. من يعرفك يكتفي بالالتفات الى مصدر الصراخ ويمضي  دون اهتمام . اما من لايعرفك فيبقى متسمرا في مكان قريب .. وربما تتشكل حلقة منهم حولنا وانت تواصل الصراخ دون ان تلتفت الى توسلاتي او امتعاضي .. تواصل القاء الكلمات التي يضحك لها الجميع  الا انا .. تقول انك لم تنهل من المدينة شيئا ما وانك لم تزل كما انت منذ دخولك اليها اول مرة تمتصك كالاسفنجة تمتص وتمتص دون ان تعرف موقع خطاك ، وحينما لاتجد من يصغي اليك تعود  الى طوافك وانت تصرخ .. كان للبارود روائح اقسى من صباحات المدن التي لاتتوقف عن الانهماك باشيائها .. وكان لسع النار يشبه موجة تتصاعد على كتف موجة .. كان هذا منذ زمن طويل .. لااعلم لماذا انسى ، وقد تتساقط الصور كالمطر الذي اسمعه ينقر سقف المنزل حينما ندخله انا وانت والصبي .. الصبي يفزع من صوت المطر وانا احاول ان اميز بين مايحدث الان ونحن وسط الغرفة المعتمة متقابلين لايكلم احدنا الاخر ، والريح تصفر وهي تضرب السقف الذي يئن .. وكذلك الصبي يئن .. وانت تئن .. حتى نهمد بالتدريج .
 
5
 
لم يبقى لي الا نجمة و ( سلام ) ابنها المنغولي .. لااعلم من اسماه .. ربما حميد الذي اختفى منذ زمن طويل .. كان يلبي كل حاجاتها اما اليوم فلا احد سواي -  لقد كبر سلام ولم يزل كما ولد .. لايتكلم .. بل يطلق اصواتا يعلن فيها عن حاجاته .. ونجمة المسكينة التي لاتستطيع التخلي عنه وعني .. انها تتبعني اينما اذهب  في رحلتي الشاقة بحثا عن شيء ما ضاعت ملامحه في ثنايا تلك الاشياء التي سقطت مع السقوط الاول للضمادات والاجسام الغريبة من رأسي -  هأ .. هأ .. .. اجسام غريبة تغزو رأسي وتحاصر مخيلتي وذاكرتي التي تشظت وبات حضورها باهتا  احيانا .. بل دائما .. تقول لي نجمة اني في لحظة انسى اسمها واسألها عمن يكون هذا الطفل الكبير الذي لايفارقها .. وتقول اني حالما يغادرني الوهن الذي سببته الاجسام الغريبة اخرج كالمجنون ابحث عن شخص ما لااعرف اسمه .. واسير صامتا وعيناي تجوبان في الزوايا ، والشوارع التي  اظنها تؤدي اليه .. اصرخ ( لاتفزع .. لاتهرب .. سأجدك اذا ماامتدت تلك الومضات في رأسي الذي تسكنه – اجسام غريبة -  اقصد اذا ماتركت تلك الاجسام فسحة أي فسحة مهما كان حجمها او شكلها على سطح جرح بحجم الكف في اعلى رأسي .. سأجدك حتى وانا على هذه الحال .. اقصد .. بعيني الواحدة )  اعلم انها خلفي اينما اذهب تراقب هشاشة وجودي .
 
6
 
-هوبي عبد الرزاق .. معوق حرب من الدرجة الاولى – جثة - تسير .. قدم واحدة وعكازة واحدة .. عين واحدة وزجاجة تشبه العين محشورة في تجويف والام مبرحة من فتحة بحجم الكف في قرن رأسه الايمن .. بمعنى رأس بلا فروة .. شعر مزروع على عجينة تنخسف  وتعتدل مع تنفسه .. صعودا او هبوطا .. سيره متعرج .. يعلن حضوره اليومي في الشوارع من خلال عكازة - هذا ماكتبه شخص ما في بطاقة تعريف تخص ابي، بعد خروجه من المستشفى الذي رقد فيه قرابة العام. وفي ورقة اخرى عثرت عليها في جيبه . -اصابة في الرأس نتيجة جرح غائر في الجمجمة مما ادى الى دخول اجسام غريبة في رأسه ولااحد يستطيع ان يتكهن بما حدث في عقله من تلف او موت . ربما يصاب بنوبات تؤدي به الى الجنون المطبق .. اوالانفصال التام عما حوله لكنه سرعان مايعاود حالته الطبيعية حالما يصاب بالارهاق الكامل- . وفي احيان كثيرة كنت اتذكر اهتمام حميد به بعد ان اصيب كنت وامي اكثر الاخرين قلقا عليه لاننا نعلم انه في مكان تحول الى مرجل .. وكانت الانباء تؤكد سخونة المكان اعلمنا حميد ان ابي بعيد عن الخطر .. لكن الاشارات كانت تصلنا قوية يؤكدها المذياع وهو يبث المارشات العسكرية وكذلك مرور التوابيت وطوابيرالسيارات التي تشق الافق محملة بالجنود وهم يلوحون للمارة المتحلقين حول مداخل ومخارج المدينة .. ولم يكن وجود حميد الا منقذا لنا وحينما طال غياب ابي كنت ابثه قلقي لكنه كان يربت على كتفي " - نامي صغيرتي سيصل اباك .. سيظهر .. "  وكان ظهوره اكثر صدماتنا سخونة حينما وصلنا الخبر انه يرقد في مستشفى .
 
                                      
                                        7
 
                                    
 
انظر الى هؤلاء الناس المتحلقين حولنا .. انهم ينظرون الينا بجمود  يشبه وجه جدي حينما يصمت .. احيانا تسميه امي -  بابا -  واحيانا تصرخ في وجهه – اسكت هوبي -  حينما يسمع كلمة – هوبي – يصمت ،  ويبقى جامدا كوجوه من يتحلقون حولنا ،  ولكنه يدير وجهه كلما التقت عيناه بعيني ،  ويبقى يردد كلمات  اسمعها بوضوح مثل " معتوه ابن معتوه"  انه لايبالي باحد ،  ويأخذ اقراص الخبز من يد امي  ويلتهمها .. حينما يتحرك فكه وهو يزدرد الطعام تتحرك كل اجزاء رأسه بدأً من الحفرة في فروة شعره  وصولا الى العين الزجاجية التي تبقى جامدة تحدق في مكان واحد .. بحركة رتيبة صعودا وهبوطا  .. وتجلس امي في ركن قرب الجدار الذي يفصل المقهى حيث يبقى هو يحوم حولها ..وهي تراقبه ويقول انه لم يعد يفهم لماذا تمنعه من الجلوس في المقهى او تتركه على الاقل يتسكع امام واجهات المتاجر الكبيرة التي تبيع كل شيء . يبحلق في الزجاج  يبحث عن انعكاس صورته فيها ..واقترب منه وافعل مثله .. اطالع صورتي واراقبه اراه يمسد شعره باصابعه ويبتسم وافعل مثله وامد يدي لاتأكد من وجود الزجاج  امامي واخرج لساني له ولامي ولبقية من ضوء اراه يطل من بعيد . لكني كلما اتطلع في وجه جدي وهو يطالع اشياء كثيرة .. ربما هو الوحيد الذي يراها .. اراه منهمكا بالحديث معها لم اكن اعرف هل كان يحدثني ام يحدث امي او يحدث الضوء الذي نراه يلوح من بعيد لكن في اعماق السطح اللامرئي للزجاج، وكلما حاولت ان اعرف  اعجز عن ذلك فانهمك في محاولة لمعرفة السبب الذي يجعله يهتز بعنف .. اهتزازات تشبه الارتعاشات التي تنتابني حينما اتطلع في اعماق الليل نحو السقف وهو يئن من السقوط القوي للمطر ، اذ ابقى ارتعش طوال الليل كما يفعل هو كلما يقف امام الزجاج حيث ارى مياه كثيره تنحدر من عينه الوحيدة .
 
الحافة : .. 2006