|
الثمانينيون في شهادة متأخرة
11/05/2007
ليس هنالك من ريب في أن الثمانينات كانت المرحلة الأكثر تأثيرا في الأدب العراقي بصورة ملفتة للنظر ذلك أنها كانت مرحلة قد أُمِمت فيها الثقافة بمعطياتها المختلفة لصالح سلطة كلية الطابع تضخمت على حساب المجتمع بتمثيلاته الثقافية المتنوعة حتى ابتلعته وصارت رديفا للدولة الراعية وصار المجتمع بهذا المعنى مرعيا من لدنها ،فالمثقف العراقي ولا سيما الشاعر الذي كان يرث ثقافة تلهمه نوعا من النرجسية في التربع على عرش ملوكية هذه الثقافة كان مجروحا في الصميم ؛ جرحا نرجسيا هبط به من عليائه إلى موظف يلمّع السلطة وينتفع منها وهكذا صارت المؤسسات الثقافية للسلطة –الدولة على مختلف أشكالها راعية لقطيع من المثقفين ؛ شعراء وقصاصين ونقادا وإعلاميين ، وفقد المثقف منذ ذلك الحين نوعا من استقلاله ففقد حيويته في تكوين رأسماله الرمزي الذي ما برحت الحرب ما بعد الكولونيالية تفرض بعض مساراته على الجماعات المتصارعة على جبهة اسمها العالم ، أقول فقد هذا المثقف العراقي وهم حريته في تشكيل الرأسمال الرمزي وفقد بذلك وظيفته الممكنة في الدولة الحديثة ، فإذا به ينتكس إلى وظيفة قبل حديثة من حيث انه صار بوقا إعلامية للسلطة وقوّالا لها .
ومع عسكرة المجتمع وبنائه بصورة قائمة على التوريط في بناء مؤسسة الدولة الكلية والدفاع عنها كانت المؤسسة الثقافية جزءا من هذه العسكرة ونوعا من التوريط فكان الشعراء الشباب يتسابقون زرافات ووحدانا على الخلاص من التصفية الجسدية في محرقة بشرية اسمها الجبهة وذلك بشتى الطرق وهي شهادة انتصار حقيقية للسلطة تتمثل بفرض رأسمال رمزي جديد كلي الطابع على جماعة المثقفين الذين كان عليهم تمثله تماما والاستجابة لمعطياته وكانت هذه الشهادة مزدوجة الدلالة فهي في الوقت نفسه شهادة وفاة لمثقف ما بعد الكولونيالية الذي تشكل سريعا ومات سريعا في مدة استغرقت نهاية الأربعينات إلى منتصف السبعينات وأنجز فيها حركة الشعر الحر والقصة العراقية بمفهومها الفني من الجانب الأدبي كما أنجز الحركة الفنية العراقية التشكيلية ممثلة بجماعة الفن الحديث وكذلك طلائع المسرح العراقي ،فضلا عن مثقفين أمثال الدكتور علي الوردي وعبد الفتاح إبراهيم ومحمد باقر الصدر وياسين خليل .
لقد أممت هذه السلطة بعسكرتها المجتمع كليا، الثقافة تلك ،واستجابت زمر المثقفين لهذا التأميم بنمطين من الهرب ؛ نمط الهرب من مواجهة فعل السلطة بالهجرة المتوالية من لدن المثقفين خارج العراق فتكاد تكون الطلائع الأولى لهذا الهرب قد بدأت منذ العام 1979 وهو عام نكبة الشيوعيين والإسلاميين بمواجهة شرسة من السلطة واستمر الهرب متواصلا حتى العام 1991 بعد الانتفاضة إذ اصبح الهرب جماعيا ، تلته موجات من الهرب المتواصل طيلة التسعينات من مختلف شرائح المثقفين وانماطهم المتنوعة . أما النمط الثاني فهو هرب من نوع آخر يتمثل بتكوين رأسمال ثقافي آخر مجابه للثقافة الرسمية ، وافضل منذ الآن أن اسمي كل إنتاج ثقافي ترعاه السلطة : ثقافة رسمية ، على أن اسمي هذا النمط الثقافي المعارض : ثقافة هامشية .
ومنذ بداية الثمانينات انبرى الجدل بين الثقافتين الرسمية والهامشية الذي اخذ في بعض الأحيان صورة مجابهة تسقيطية تتعلق بالاعتراف بمشروعية هذه الثقافة وصدق تمثيلها الواقع الثقافي ، ولاشك في أن الجانبين كانا يتوسلان طرائق تعبيرية متباينة إلى حد التناقض .
ففي العام 1983 نشر زاهر الجيزاني مطولته (كآبة الملك ):
((مروا كرادلة وراحوا
مروا انتظرتهم طويلا حينما وصلوا أشاحوا
اشكوا إليك شقائقا في الكف تذوي
أشكو إليك أنا مجزأة تغيث ولا تغاث
أشكو سخام الورد إذ لا ورد يفترش الظهيرة وجه منديلي
هنا زمن اله كلما انتصف النهار يجيئنا بالذبح والحيوان …))
من البين أن طابع هذه القصيدة الغنائية ينحو منحى القصيدة الملحمية لا من حيث الطول المفرط فحسب بل من جهة تعدد الأصوات المتداخلة من جهة والطابع السردي الذي يسم القصيدة بمجملها والتعبير عن مصير جماعي يتداخل فيه الفيزيقي والأسطوري ، كل ذلك جعلني انعتها بالملحمية وهي تستبطن الطابع الفنطازي، أيضا، بما يحمله مصطلح فنطازي من غرائبية وعجائبية في التعبير، وسيكون اثر هذه القصيدة فضلا عن قصائد أخرى مثل (مرثية الإله مردوخ ) لزاهر الجيزاني و(خزائيل) لخزعل الماجدي و( الملوك العزل) لسلام كاظم موجها لتيار نقلة الفرس كما يحلو لي أن أطلق عليه مستعيرا مصطلح الشكلانيين الروس في وصف طابع التطور الأدبي الذي يشبه نقلة الفرس في رقعة الشطرنج إذ يبدو ما هو هامشي في مرحلة ما متسيدا في مرحلة لاحقة .
لقد بدا اتجاه ثانوي في تاريخ الشعر العراقي المعاصر متمثلا بجماعة كركوك التي عبّرت عن الهامش الثقافي في مرحلة صراع ايديولوجي إبان حقبة الستينات نموذجا جذابا في الشعر الثمانيني إبان محنة الحرب ، فهو أشبه بالملاذ الممكن الأخير ،بل كان تكوّن الجماعات الثقافية يستجيب للغة التهميش تلك ويعززها وآية ذلك الرفض المطلق لثقافة السلطة فأصبحت ممكنات التهميش والياته هدفا أيديولوجيا بامتياز يعبر عن عدمية الممكن الثقافي في مساحة لا تتسع لغير ثقافة السلطة الهادفة .
وهكذا بدأ نموذج جديد من الشعراء الذين لا يفقهون اللغة الشعرية المعيارية المعهودة ببلاغتها وأسسها البنيوية المتنوعة ولا سيما العروضية فكانت مجموعة من الشعراء الذين لا يتحسسون الوزن ولا يعرفونه لاول مرة في تاريخ الشعر العراقي ، نعم قد نسمع عن شعراء كذلك في جماعة كركوك غير أننا ذكرنا أن النموذج الجديد استعار ثقافة جماعة كركوك ووسعها ؛ أقول لقد وضع نموذج جماعة كركوك العدمي أيديولوجيا في سياق عدمي وجوديا وحياتيا ، فصار نصيف الناصري بمشاكساته وسرقاته وكتابته ذات الطابع السريالي اقرب الى نماذج غربية مترجمة هنا وهناك ولاتمت بصلة إلى النموذج العربي في كتابة القصيدة ، انه النموذج نفسه الذي عمل عليه الكركوكيون ولا سيما صلاح فائق إذ إن صلتهم وثيقة تماما بجماعة (الجماعة) في الشعر الإنجليزي المعاصر ولاسيما أن بعض أعضاء جماعة كركوك يمتلكون الإنجليزية.
إن النموذج الهامشي لا يكتمل إلا بتكوين مستلزمات المجال الرمزي الذي يمكن أن تعمل به الجماعة الثقافية الهامشية ، ومن المؤكد أن هذا المجال الرمزي ينبغي ان يكون معارضا للمجال الرمزي للثقافة الرسمية ؛ وهكذا صار لكل مجال تكويناته الخاصة المتعارضة : فمنتدى الأدباء الشباب الممثل للثقافة الرسمية يقابله منتدى اخترعه الهامشيون في المكتب الشبابي لاتحاد الطلبة القريب من الجامعة المستنصرية واطلقوا عليه منتدى الثلاثاء والبعض منهم يسميه إيغالا في النزعة الهامشية ( منتدى نعمة ) وكان نعمة الراعي لهذا المنتدى بجهود الشاعر العراقي محمد جاسم مظلوم الذي آزره صديقاه الشاعران محمد تركي النصار وباسم المرعبي ومقابل الصفحات الثقافية في الصحف الحكومية (الجمهورية والثورة والقادسية ) التي تمثل نافذة ثابتة لنشر الثقافة الرسمية ، كان المجال الرمزي الممكن لنشر الثقافة الهامشية الجلسات الشعرية والتداول الشفاهي ، ايغالا في الهامشية وعدم تثبيت المنجز الشعري ، فضلا عن تكوين تجمعات معلنة او غير معلنة تتمثل بثقافة المقهى وتداول هذه الثقافة شفاها ، والصالونات الادبية المهمة على الرغم من بساطة طابعها كمنزل القاص محمد إسماعيل الذي كان يضم حلقة يومية مستمرة تتألف من الشاعر احمد عبد الحسين والشاعر فاضل الخياط والشاعر يوسف اسكندر والتشكيلي وحيد ابو الجول والقاص كاظم عبد الزهرة والشاعر محمود العبادي والمسرحي وليد غنية (فيما بعد الشيخ وليد عبد الله ) والشاعر كاظم الفياض والتشكيلي ستار كاووش وقد يكون في ضيافة الصالون الادبي هذا آخرون لا يسعني ذكرهم هنا .
لم يكن صالون محمد إسماعيل الثقافي الهامشي وحيدا ، بل كانت الى جانبه صالونات متعددة ، قد تكون شقة الثلاثي محمد جاسم مظلوم ومحمد تركي النصار وباسم المرعبي في مدينة الشعب صالونا أدبيا آخر غير أنني لم اسمع أحدا يتحدث عنه ، غير أن تجمعات أخرى ستظهر بعد نهاية محنة الحرب أبرزها شقة التشكيلي محمد الدعمي في حي القاهرة وكان يسكنها الى جانبه مجموعة من طلبة أكاديمية الفنون الجميلة من تشكيليين وموسيقيين وكنت ارتادها مع الشاعر حازم لعيبي شقيق الشاعر شاكر لعيبي الذي ارتبطت معه بعلاقة متينة وكان صاحب فضل بتعرّفي الى عدد من وجوه الثقافة الهامشية البعيدين الذين يعملون في الخفاء ولاسيما زميله في الخدمة العسكرية علي بدر وكذلك ابن خالته محمد غازي ، ولاشك في ان الاثنين سيكون لهما فيما بعد شان في الثقافة الهامشية فالشاعر وعاشق الموسيقى ومتعلم الانجليزية في وحدته العسكرية العصامي علي بدر سيبقى بعيدا غائبا في أقصى الهامش حتى مجيء لحظة يعاد فيها توزيع الهامش والسلطة الثقافيين بعد عام 1992 بصورة تشوّه ثورية هذا الهامش تماما وتحاول سحبه الى منطقة المصالحة بعد ان عاش طيلة عقد في جبهة الجدل والتعارض . أما محمد غازي فسيكون الصوت الأكثر نضجا ورشدا في الجيل التالي الذي فضل أن يسمي نفسه ، كمن سبقه ، بالجيل التسعيني ، وكان سبب نضجه المبكر الذي بزّ به أقرانه مزاملته وصداقته الوثيقة لبعض من متحركي نقلة الفرس من الثمانينيين أمثال يوسف اسكندر وخالد جابر يوسف وحازم لعيبي .
لم يكتمل المشهد تماما فهناك الى جانب هذه الصالونات الادبية تجمعات الجامعة التي كانت تظهر مثقفي المحافظات العراقية يوم كانوا طلبة جامعيين ، فسعد جاسم وباسم المرعبي القادمان من الديوانية كانا من طلبة اكاديمية الفنون الجميلة ، تلك الاكاديمية التي كانت موئلا للمثقفين الطليعيين والمتميزة بمناخها الحداثي العام بما توفره من تحرر فني اسهم في تحرير الذاكرة الثقافية من قواعد الالتزام الفني التقليدي وفتح الباب على مصراعيها لرياح التجديد وكان الى جانبهم وسام هاشم واحمد عبد الحسين الذي فصل مبكرا وفضّل عدم الالتحاق بمحرقة الحرب ، وكان في الجامعة المستنصرية محفل ثقاقي يمثله فضل خلف جبر وشعلان شريف القادم من اهوار الناصرية وعبد الله الخاقاني القادم من النجف وفلاح الصوفي وعلي حسين علي وارادة الجبوري ورعد رحمة السيفي وصادق شيال زورة وعقيل زززززز فضلا عن فاضل الخياط ، كما ان آداب بغداد كانت الاغنى بفرسان القصيدة الثمانينية بأطيافها كافة ؛ محمد تركي النصار ابن الناصرية في قسم اللغة الانجليزية الى جانب دنيا ميخائيل وأمل الجبوري وفي قسم اللغة العربية كان عبد الرزاق الربيعي وسهام جبار وعلي فاضل الشلاه وحسن عبد راضي ويوسف اسكندر وحسن ناظم وناظم عودة وغريب اسكندر أما قسم الفلسفة فقد انفرد بكاظم الفياض .
والى جانب ذلك كانت الأندية الاجتماعية والثقافية للطلبة العرب تشكل صالونات ثقافية دائمة الانعقاد ولاسيما في منطقة الوزيرية ذات الموقع الجغرافي المناسب بين الجامعات (الآداب ، التربية ، الأكاديمية ، الجامعة المستنصرية ) واهمها نادي الطلبة السودانيين ونادي الطلبة العرب ، ويمكن أن نضيف أليهما نادي أكاديمية الفنون الجميلة أيضا .
لا أريد هنا أن أكون وثائقيا تماما فقد غفلت هذه الشهادة مجموعات أخرى ولكنني هنا أحاول تكوين المشهد العام للثمانينات من خلال التعارض القائم بين المجال الرمزي الذي عملت فيه الثقافة الرسمية والثقافة الهامشية فمما لاشك فيه أن هنالك أسماء أخرى أمثال صلاح حسن والطبيب البيطري علي عبد الأمير الذي كان ذا ثقافة موسيقية متميزة ومتمكنا من اللغة الإنجليزية اكثر من تمكن شاعر كمحمد تركي النصار من طلاب قسم اللغة الإنجليزية .
كما ان نهاية الحرب عرفتني الى نائب ضابط منتدب الى العالم الفجائعي في التصنيع العسكري هو كاظم هليل النصار الذي أحببت شعره وروحه الوهاجة ، اصبح فيما بعد مسرحيا مرموقا .
ولم يكتمل المشهد الممكن : فالى جانب شعراء آخرين أمثال كريم شغيدل وزعيم عبد السادة النصار وعلي الحربي (الممثل فيما بعد) ، كان للثقافة الهامشية نقادها الهامشيون أيضا، والمشهد ، هنا ، ليس واسعا جدا ، يمكن ذكر اسماء علي الفواز وخضير ميري وسعيد عبد الهادي واحمد هاشم وعبد المحسن صالح .ولاريب في ان هذا النقد كان منسجما مع الثقافة الهامشية تماما فكان نقدا هامشيا ، هو الاخر ، يتوسل الشفاهية في التحليل ويعتمد مصادر معرفية مغايرة لمصادر النقد الرسمي وكان مستفيدا من نشرتي مطاع صفدي (الفكر العربي المعاصر) و(العرب والفكر العالمي)فضلا عن انقطاع هذا النقد الشفاهي عن المصادر العربية التراثية وارتمائه في أحضان المصطلحات الحديثة من دون مراجعة معرفية نقدية ولا أدوات تحليلية حقيقية ، فكانت أسماء فوكو ودريدا وسوسير وغيرهم من رموز الفكر الأوربي الحديث مفاتيح رمزية لأقفال النص الثمانيني الجديد الهامشي والموضوع في سياق عدمي وجوديا وحياتيا .
كان نقاد الثقافة الهامشية يعملون في المجال الرمزي نفسه لهذه الثقافة ويقدمون نموذجا ناشزا يعارض الثقافة الرسمية بجدل ثرثار كان قد أرسى معالمه فيلسوف الثقافة الهامشية خضير ميري صاحب الفلسفة الاشكالوية الذي كان يدوّخ رؤوس سامعيه الرسميين بتفكر لا منطقي يخرج عن معالم السرد التقليدي للحقيقة ويشوّش بؤرة النظر بلسان ذرب ثرثار لا يقف عند نقطة أو حد ، وكان محفزا كبيرا لنقاد ثلاثة كانوا ابرز وجوه النقد الهامشي هم : عبد المحسن صالح وسعيد عبد الهادي واحمد هاشم . كان هؤلاء الثلاثة منظوين تحت شروط المجال الرمزي الهامشي فكان نتاجهم شفويا من جهة ، ومستغرقا بالغاز الفلسفة الحديثة التي لم تعد ، هنا بحثا عن الحقيقة ، بل تهكّم بليغ على عدمية مفاهيم الحقيقة والوجود والمعنى والتراث .
وكانت العدمية الأخلاقية مئزرا آخر يرتديه المثقف الهامشي ليقيه بؤس الثقافة الرسمية ، ومن بين الحوادث التي كنت شاهدا أصيلا فيها سؤال الشاعر نصيف الناصري في نادي اتحاد الأدباء ، شاعرا تقليديا يكتب الشعر العمودي وينحدر من أسرة ميسورة فقد كان أبوه ضابطا في الجيش العراقي ،واسمه زياد طارق قال نصيف الذي كان مفلسا معي ، لزياد : ألا تدخن ؟ فاجاب زياد : لا ، وبعد هنيهة أعاد عليه سؤالا : ألا تشرب ؟ فاجاب : لا ، فما كان من نصيف إلا التعليق الساخر: كيف ستكون شاعرا إذن . ولاشك في أن نصيف الناصري المفلس ، هنا ، عبّر عن فلسفة الغنى الروحي للشعر الهامشي بازاء الفقر الروحي للشعر الرسمي من خلال تلازم المجال الرمزي للثقافة الهامشية مع العدمية الأخلاقية القاضية بضرورة ضرب المعايير المجتمعية وتقويضها ، كما يمكن أن نقرأ الرسالة التالية لهذه الحادثة قيل أن زياد قام بدعوة بعض الشعراء الثمانينيين إلى جلسة شراب وبدأ التدخين كمقدمات لدخول المجال الرمزي للثقافة الهامشية فكانت أولى قصائده المنشورة بعد ذلك تبدأ بالمطلع :
(( هكذا حدث أن خرجت من كارثة مخروطية ..))
ومن بين اشد النماذج تطرفا في العدمية الأخلاقية للثقافة الهامشية الرافضة ، نموذج صادق شيال زورة الذي كان يطلق عليه البعض صادق الوسخ ( مع الاعتذار للصديق الشاعر وللقارئ الكريم ) لاطلاقه لحيته وعدم اهتمامه بمظهره وارتدائه المستمر معطفا طويلا ولسكره المتواصل فقد كان يعمد مع شلة من أصدقائه بعد السكر، ليلا، إلى تهشيم المرايا الجانبية للسيارات الفارهة المركونة على طول شارع أبي نواس إمعانا في إظهار التعارض مع مجتمع السلطة وتعبيرا عن نزعة ثورية عدمية تدين المجتمع .
ولعل في نموذج المثقف المجنون جزءا حيويا من المجال الرمزي الذي يعبر من خلاله المثقف الهامشي فعبد الحميد الموسوي اصبح بطل قصيدة طويلة لمحمد تركي النصار ومحمد جاسم مظلوم ، أما صباح العزاوي فهو المألوف في المشهد الثمانيني الهامشي .
إن الفرق الرئيس بين شعر الثقافة الرسمية كما اصطلحنا وشعر الثقافة الهامشية يتمثل بامتثال الأول الى القواعد العامة للتأليف الشعري ؛ أي أن السكت الشعري1(وهو بأبسط تعريفاته وضع مكونات معيارية في سياقات احرافية )في القصيدة الرسمية يأخذ شكلا معياريا ، فهنالك حقلان مميزان دائما حقل معياري يتالف من مكونات معهودة تتشكل عبر علاقات تناصية متعددة وحقل احرافي يتالف من مكونات تبعّد وتغّرب وتخرق المكونات المعيارية فيحدث جدل بين الحقلين مما يولد عددا من الأوجه الخطابية التي يغلب عليها الوجه الخطابي : الظاهر ، تستدعي هي الأخرى عددا من الرتب الهيرمنيوطيقية التي تغلب عليها رتبة التفسير الملائمة للوجه الخطابي الظاهر وهو الأمر الذي يفسر بساطة القصيدة الرسمية ووضوح معانيها فهي قصيدة تهدف إلى التعبئة لصالح أيديولوجيا السلطة ،على أن القصيدة الهامشية كانت لا تمتثل إلى القواعد العامة للتأليف الشعري فكان السكت في اغلب نماذجها منقوصا وهو الأمر الذي جعل النقاد والقراء لا يتفاعلون معها ، أما نماذجها الجيدة فكان الغالب على أوجهها الخطابية : المحتمل ، الذي يستدعي ، من ثم ، رتبة التأويل ، مما يجعلها قصيدة غامضة بها حاجة إلى قراءة مركزة تطلق إبداع القارئ وتجعله فعّالا في صناعة معاني القصيدة .
يقول صلاح حسن :
((الشمعدان لا الكركدن
المخطوطة لا الكنز
أهبك أيها الكائن..
أهبك الخرائط والحبال
أهبك البروج والفلزات
أيها الكائن..يا كائنا
لا ينابيع في قلبه
لكنه اخضر
لا يقبل القسمة
ولا يتراجع
سادر وطليق
كأنه لا أحد .))
من البين أن الشاعر ، هنا ، لا يخلق سكتا شعريا ، ومن ثم ، فهو لا يخلق قصيدة وانما ركام لغوي لا يمكن أن يخلق في ذهن القارئ أي مجرى محتمل للدلالة ؛ إذ ليس ثمة جدل بين حقلين معياري واحرافي وهو جوهر العملية الشعرية .كما ان الحقل المعياري المتالف من حديث مع الزوجة بخصوص الحمل ومكوناته الطبيبة ،واللولب ، والأولاد الاربعة ، وكلمة تجديف غير معلنة ، لا يرتقي الى تأليف شعري ممكن لانه لم يحقق حقلا معياريا يعيد توزيع مكونات الحقل المعياري في سياقات احرافية يقول صلاح حسن :
((- ماذا تقولين ؟
-الطبيبة …
-اللولب …
-أربعة ..
-خرا .بالل. ….القواد .))
ليسمح القارئ الكريم لي بتكثير الأمثلة، يقول عبد الحميد كاظم الصائح :
((ان لي زوجة لا تنام معي ولهبا هو أبنائي ولغة هي آخر الأخطاء ، نقضي وأول ذنوبي . ولسانا ينام في الوحل ويغرق الرعاة في رؤوسهم واما هي طيني وسوري ومذاق دموعي ))3 .
ولاشك في أن هذا النموذج كسابقه يفتقر إلى جدل لازم في العملية الشعرية بين الحقلين المعياري والاحرافي .
كثيرة هي النماذج الثمانينية التي تفتقر الى مقومات السكت الشعري ، اذ باتت هذه النماذج تكتفي بما أطلقت عليه السكت الأيديولوجي الذي يتضمن المروق الثوري على الشرعية الشعرية للثقافة الرسمية ويحاول تسجيل إدانة تاريخية كاملة للغة الثقافة الرسمية ومعاييرها ؛ تلكم اللغة التي فكرت بها السلطة وعبرت عن أيديولوجيتها فكانت محرقة الثقافة في الثمانينات توازي المحرقة البشرية للحرب ، فالفرار من المحرقة يعادله ، تماما ، وبصورة رمزية بليغة ، الفرار من الثقافة الرسمية باتجاهات عدمية للكتابة تشبه عدمية الخروج من الأسوار الفنطازية – ولا أقول الطينية – لظل السلطة المبسوط بالاتجاهات التي تضرب فيها الريح .
كتابات
|