الحافة . كاظم حسوني : النص المفتوح الالتباس والمغامرة الواعية
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
النص المفتوح الالتباس والمغامرة الواعية
10/05/2007
  
بغداد -
لعل النص المفتوح احد اكثر انماط الكتابة اثارة للجدل، واغواءً للبعض في التعاطي مع هذا الشكل الكتابي غير المجنس، ربما فضاءاته المفتوحة محط اجتذاب ودعوة للكتابة، لمايمتزج فيها من مستويات متعددة من التقنيات والاساليب والبنى الفنية.
 
 وما تسمح به من التماهي الواعي للألوان الادبية والتنافذ الخلاق بين عوالمها، لكن اشكالات الاشتغال على هذا الضرب من الفن دون التمكن وتوفر الوعي اللازم لانتاجه، يجعله محض مغامرة تعوزها الصنعة والابداع، ولا تعدو في النهاية سوى لعبة يغلب عليها طابع الالتباس والغموض والارتباك لدى البعض الذي اتخذها ذريعة للهروب من الضوابط الفنية لاشكال الكتابة الادبية، وللوقوف والتعرف على مدى اهمية وخطورة هذه الظاهرة عبر عدد من الادباء ممن التقت”الصباح “، ادب وثقافة، عن وجهات نظر متباينة بخصوصها حيث الفت عدداً منهم بتحول النص المفتوح الى ستار لاخفاء ضعف الموهبة وعدم التمكن من امتلاك ادوات الكتابة.
قلة الحيلة ولعبة
الشبابيك المفتوحة
الناقد علي الفواز يعتقد ان ازمة المفاهيم قد انعكست على الواقع الثقافي بشكل مريع اذ كان الخلط المفاهيمي باعثا على انتاج معطيات ثقافية غائمة، ولا شك ان مفهوم”النص المفتوح “ كنص واجراء، واحد من اكثر مفاهيم الكتابة اثارة للالتباس لاسباب معرفية وتعريفية، فالنص المفتوح فضاء غربي له تعقيداته النظرية والبنائية والنقدية وهذا ما اوقع الكثير من مبدعينا في لزوجته واغواءاته، اذ بدى الفهم له وكأنه ككتابة في التنافذ ما بين الاجناس فقط بعيدا عن التوافد على قدرات ناجزة في الاداء الثقافي خاصة في مجال الشعريات حيث كمظهر التأسيس المفهومي والاجرائي للنص المفتوح في الشعر اكثر من غيره ولكن هذا النمط المفاهيمي الذي هو بالاساس خلط معرفي وتعليمي لا يعني ان المغامرة في سوانحها تنعكس على جدية الشاعر العراقي في اقتراح نمط كتابي جديد او التبشير به، خاصة وان الفضاء الابداعي لم يعد محكوما بقيود او حدود او ضواغط بما فيها ضواغط التاريخ.
وازاء هذا نجد ان اغلب الكتابات التي نقرأها هنا او هناك تحت مسمى النص المفتوح تعوزها الدقة والبنائية الواضحة، وتعوزها التقنيات التي تجعل منها قريبة من الاطار المفهومي والاجرائي للنص المفتوح، وهي طبعا تعكس ضعفا في الموهبة الادبية، وقلة الحيلة في التعرف على الفضاء المعرفي والاسلوبي الذي تشكل فيه النص المفتوح وغيره من المصطلحات.
ان كتابة النص المفتوح لا تعني نهاية الاشكال كما يرى البعض ان النص المفتوح ليس نصا طاردا لغيره.
جزء من اشكالية التثاقف الذي تجاوز عقدة التلقي التقليدي، وجعل انماط الكتابة امام لعبة الشبابيك المفتوحة.
ان ما نقرأه حقا تحت ايقاع هذه المسميات يخلو من الوعي النقدي اللازم لشرط الكتابة، واعتقد ان النقاد بحاجة الى مراجعة واسعة ودقيقة وعلمية لهذا المصطلح وغيره، لنكون امام فضاء ثقافي يتسع للتجريب والمغامرة الواعية.
من هنا اجد ان اية مقابلة ما بين تاريخ المنجز الشعري وما بين النص المفتوح كما طرحه الباحث والشاعر خزعل الماجدي مؤخرا في بيانه الشعري الخامس، يعكس ازمة في وعي الكتابة وفي التعاطي مع اشكالها، خاصة وان النقد العربي لم ينته حتى الان من اشكالات التسمية لقصيدة النثر التي تصورها الكثيرون من المحدثين بانها الشكل الذهبي للكتابة الشعرية.
ولعل هذا يضعنا حقيقة امام ازمة التعريف بالمصطلحات وتقديم النموذج الشعري الذي يتمثل بهذه المصطلحات، اذ وجد البعض ان قصيدة” انا باز “ لسان جون بيرس تمثل عتبة التعرف على هذا النمط الكتابي رغم ان هذه القصيدة سبق وان وقعت تحت تعريفات شتى منها تسمية”الشكل النثري المتقدم “ للكتابة الشعرية، فضلا عن ان قصائد ادونيس في الثمانينيات وجدت في هذا الفضاء (البيرسوي) مجالا للكتابة المفتوحة التي تتنافذ فيها مستويات صوتية وبنائية باتجاه تخليق مزاج متمرد للكتابة ومزاج مفتوح على عوالم لا نهائية للكتابة ايضا، ولكن للاسف وجدت هذه المغامرات نوعا من التماهي الناقص الذي جعل الكتابة الشعرية امام فوضى والتباسات لم يجدالنقد”الادبي “ التقليدي وحتى الفضاء الاكاديمي المفترض بلعميته اي اشتغال جاد لفك التباسات الكتابة وتورماتها الغريبة في ثقافتنا العربية التي لم تستوعب للاسف الحداثة ومنهجها.
التذوق من زاوية معرفية شاملة
ويقول الناقد زهير الجبوري: للنص المفتوح مزايا فنية ربما تخرج عن حدود الكتابة الاجناسية، فالكتابة الاجناسية تنطوي على قوانين شاملة، اخذت من انفتاح هذا المجال على الاشتغالات الادبية المعروفة او المطروقة في كتابة الشعر وكتابة السرد، فهو كما ارى غير ظاهرة، بل هو فن اخذ عليه او ادخل خانة” مابعد الحداثة “ ولكن حين نكرس العمل عليه او الاشتغال فيه، يعني اننا نفتح رؤى واسعة للتعامل مع الاشياء بوصفها ادوات قابلة للطرح وفق ما يعمل عليها.
وحين يقف النص المفتوح امام باقي العلوم الاخرى، فاننا نلمس تداخلا يحمل ايقونات جديدة لكشف مكامن ربما لا نجدها في الاشتغالات المطروحة سابقا”في مجال الادب حصرا “ ذلك لانه يتعامل بادوات متعالية” ان صح التعبير “ اذا احسن الاشتغال فيه، ففي مجال الشعر مثلا وقف الكثير من الشعراء للعمل على هذا الاشتغال فاكتشفوا ان النص المفتوح اوصلهم الى كشف اشكال جديدة في بناء القصيدة، وكذلك اللعب باللغة، وايضا الاشتغال على ما يسمى بـ”البياض والسواد “ و”المتن والهامش “ .. الخ الحقت بالذائقة القرائية اضافات انطوت على فلسفة جديدة او قراءة ضمن فلسفة شعرية جديدة، هذه الاشارات وغيرها ادخلت القصيدة الحديثة في مجال التنافس مع السرد” مع ان الشعر هو ضمن اشتغالات السرد “.
كل ذلك يجعلنا نتذوق النصوص المفتوحة من زاوية معرفية شاملة لا من زاوية ادبية بحتة، فلا اجد انه يسيء للون الادبي بالقدر الذي يدعو لمكاشفة الاوراق الادبية السابقة التي مللنا من قراءتها، وقد نجح د. خزعل الماجدي قبل وبعد بيانه للنص الشعري الذي نشره في جريدة الاديب العراقية الى سحب مجموعة من الشعراء والقصاصين لطرح كتابة جديدة واذكر منهم الشاعر جبار الكواز في اشتغالاته الحديثة والمميزة والقاص فيصل ابراهيم وكذلك الشاعر مازن المعموري وغيرهم.
ملء البياض
واوضح القاص شوقي كريم حسن جانبا من الالتباس مؤكدا انه ليس كل ما ينشر تحت هذا الباب هو من الضعف والارتباك، فثمة ما يؤسس لحقيقة ادبية قد تؤكد استمرارها وتجد لها ارضية في البناءات الادبية في المشهد الثقافي العراقي والعربي وتوكيد الاساءة انما هو ناتج عن الفوضى التي تشهدها المشهدية الثقافية بكاملها، وسهولة النشر الذي اتاحته هذه الفوضى ولا يمكن ان يحدث مثل هذا التماهي بين ماهو مرتبك وما هو قائم على القوة والارتكاز ووضوح التجربة وعلى المحرر المضي بالشأن الادبي ان يفهم الخط الفاصل وان لا تأخذه حمى ملء البياض على حساب المنتج الدقيق الوضوح والذي يسهم في جعل المتلقي يوقن بان الادب العراقي ادب انساني راق.
بعض الفوضى في الكتابة
وكان للشاعرة نجاة عبد الله رأي تقول فيه: النص المفتوح يختلف تماما عما يطرحه البعض في ساحة الكتابة، يختلف تماما عن هذا اللبس اللغوي تارة وتمازج الفكرة مع نقيضها كما يقدمها لنا البعض بطبيعة الحال وهي ليست كتابة سريالية او فنطازية تتمركز على رؤى ذكية وروح محلقة ولو كانت هكذا لطمسنا عظمتها وغرقنا في صدقها وروحها البارعة.
بعض النصوص المفتوحة تفتح الابواب على نفسها وتشهر بزيفها والقارئ الذكي يستطيع الوقوف على تلك الثغرات بسهولة ويبقى الصدق والروح الذكية واللغة العالية هم الابطال الاكثر وسامة على الورقة.
لا احد يستطيع ان يوقف بعض الفوضى في الكتابة او تحديد هوية ما يكتب الاخرون ولا يدين او يعترض طريق فكرة او وجهة نظر، او انك تقدم لمن لا يستطيع ان يقدم ادبا رفيعا، رجاء تحت اي مسمى بان يبدع وحسبي ان هذا الامر ما هو الا تعسف على من لا يستطيع الا ان يرتدي ثوبه الذي يظنه الاجمل.
معرفة واعية
اما الشاعر علي حنون العقابي فقد عبر عن رؤيته في هذا الصدد قائلا: لقد كان التوصل الى اكتشاف النص المفتوح في الشعر العربي يعود الى عمق التجارب الشعرية والغوص في مناطق لم تكن مكتشفة في عالم اللغة، ولو ذهبنا الى كتابات” النفري “ في المخاطبات والمطابقات لوجدنا نصا مفتوحا في الدرجة التي انتجها الحس المعرفي من خلال اللغة الصوفية، وما كتبه الشاعر ادونيس في المفرد بصيغة الجمع او سليم بركات في الجمهرات او خزعل الماجدي في خزائيل وغيرها من التجارب المهمة التي اشتغل عليها اصحابها بتأن وصبر، فلا شك ان هذا النوع من الكتابة يحتاج الى معرفة واعية في مختلف الاشكال الفنية، حيث تتماهى تلك الاشكال بداخل(النص المفتوح) فتجد السينما والفن التشكيلي مثلما تجد الشعر مع السرد يجتمعان بطريقة مذهلة لتشكيل هذا النقاء الكوني اما الحديث عن ظاهرة الغموض في(النص المفتوح) فيمكن ايعازها الى حالة من حالتين اولهما: بالنسبة للذي يكون غامضا لهذا القارئ قد يكون واضحا بالنسبة الى القارئ الاخر، فالمسألة نسبية تعتمد على ثقافة المتلقي اما الحالة الثانية وهي في غاية الاهمية حيث ترتكز على فهم (الشعر) ليس الشعر من حيث هو موزون، فهذا  يدخل في باب النظم بينما الشعر الحقيقي هو من يرسم(فضاءات) اخرى في عالم المخيلة، ويبني(عوالم) جديدة من خلال الرؤية الشعرية للاشياء ومن هنا يكون (الرسم والبناء) لتلك العوالم الجديدة غير واضح بالنسبة للكثيرين ممن يخوضون تجارب المغامرة في كتابة(النص المفتوح) الذي هو من اهم الاكتشافات التي توصلت اليها الشعرية العربية.
خواطر تفرزها الذاكرة
فيما قال القاص جمال المظفر: لجأ الكثيرمن الادباء الى اعتماد النص المفتوح والذي يخفي خلفه الكثير من الاخفاقات والغموض المتعمد بدعوى التجديد في الكتابة الادبية والتي لا تعدو في الكثير من الاحيان جانب الخاطرة الشعرية او النثرية فنجد احيانا جملا غير مترابطة او غير مفهومة ومؤدلجة على اساس رؤى الكاتب ولا وعيه الكثير من النصوص المفتوحة لا تنتمي الى جنس ادبي محدد سوى الخاطرة التي تفرزها الذاكرة، لكل جنس او نص مقوماته واساسياته وثيماته المتحركة وعلى الكاتب ان يتلاعب في لغته ومفرداته باسلوب محدد كأن يكون في جانب القصة القصيرة او المقالة الادبية او السرد، هناك نصوص مفتوحة ولكن ضمن جنس ادبي محدد وباستخدام لغوي محكم         يعطي للنص قوة وميكانيكية غير مرتبكة وهناك نصوص تفلت من يد كاتبها فتتحول الى خواطر تفقد خصائصها التي تكفل لها استقلاليتها.
 يجب ان يكون النص خاليا من الغموض والفرائض الاحتمالية خاليا من الاحالات وتقليدية الاداء.
النص المفتوح نتاج حضاري
اما الناقد والشاعر علوان السلمان فأكد قائلا: الثقافة الانسانية تتحصل من التجارب الخاصة ومن التأمل والمعاناة تحت وطأة الوجود ومن المعلومات السايكولوجية والفلسفية والحضارية والتاريخية التي تتفاعل وتتكامل فتشكل موقفا عند المبدع الذي يحيطه الحلم والرؤية مع اتساع التجربة التي تعانق التجارب الانسانية، وبذلك تكون الثقافة باعث الشمول والكلية ويصبح موضوع المبدع قضية، كون الابداع الفني يعبر عن الوجود الشعوري والروحي للاشياء.
يقول غاستون باشلار في كتابه”شعلة قنديل “: ان حركة الروح هي مثل حركة النار تضع نفسها وهي صاعدة، والشاعر يحاول ان يجسد كل ما يراه ويحسه بمنتهى الصدق مع استيعاب لتفاصيل الصور الحياتية وجزئياتها لغرض اثارة القارئ عبر تماسه بها كما تحمله على الاحساس والتفكير معا.
ومع اطلالة العصر الحديث ومعطياته الحداثوية والانفتاح عليها اخذ الشعر يتحول باطراد حيث ان التحول هذا طال الرؤية والموقف ازاء العالم والاشياء والعلاقة التي تربط بين اللغة والمعاصرة فاخذت القصيدة اتجاهات متنوعة من حيث الدلالة والموقف، وبهذا سار الشعر باتجاه المرحلة التاريخية والمركز الحضاري، والنص المفتوح تطور حضاري في بناء القصيدة اذ ان كاتب النص المفتوح هو شاعر له معرفة بالقصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة والنثر، لذا فهو نوع من الشعر الذي يحمل موسيقاه في داخله، وغرضه المعاصر لغة ومضمونا.
الفعل الابداعي
الى ذلك اشار الشاعر عامرعبد الامير الى ان قصيدة النثر بالعراق قد تأثرت بالاسلوب الغربي، هناك قصائد كثيرة لجيل الستينيات منها لفاضل العزاوي يعتمد فيها الشاعر على الايقاع الداخلي والنفسي الذي يكتب به النص او القصيدة ويختلف ذلك من شاعر لاخر، وحسب ثقافة وموهبة الشاعر حين يجعل المتلقي متفاعلا مع هذا النص.
وقد كتبت شخصيا عدة نصوص تحت هذه التسمية واحيانا اجد ان هذا اللون يتطلب اللغة الشعرية والمعرفية العالية، الا ان البعض يعتقد ان هذا اللون قد اختفى ولابد من تطويره اذ ان الحداثة الشعرية في تقدم مستمر ولابد للشاعر ان يغوص في اغوار اخرى خدمة للفعل الابداعي.
الوقوع في فخ اللامعرفة
وأكد الشاعر عبد الجبار ابو ريشة ان النص الادبي في جميع اشكاله وانواعه اذا لم يحمل صفة البداية والوسط والنهاية على حساب تعابير مؤلفة يكون اذ ذاك عبئا على القارئ والمتلقي وحتى على الكاتب نفسه فالابهام لا يحل بالابهام، بل لابد له من ركيزة معرفية تسمح لمتلقيها باضافة شيء من المعلومات التي ربما لم تصله من قبل، الا اللهم الفلسفة تنفرد وحدها دون العلوم الاخرى بطرح النص المفتوح كون الفلسفة رؤى رياضية بحتة تتلاعب بالحروف دون الكلمات، واعتقد ان الكثير ممن يستخدم النص المفتوح يسقط في فخ اللامعرفة.
اخفـاء الخلل
من جانبها قالت القاصة ولاء العطاء: يعد النص المفتوح نوعا من انواع الاجناس الادبية على شرط ان تتوفر فيه كل الشروط للنص المتكامل دون نقص في اي من مكوناته الادبية، ولكن هناك من يتخذ هذا الشكل لتغطية الخلل او عدم امكانية الخلق والصناعة الفنية والابداع وبالتالي ينتج نصا ضعيفا متهاويا لا يفهم القارئ منه اي شيء لانه يدخل في دوامة من المصطلحات والمفردات التي لا يفهمها المتلقي بغض النظر عن مستواه.
ان البعض ممن يلجأون الى هذا النوع من الكتابة قد لا يمتلكون الادوات الفنية والقدرات لتوصيل افكارهم.

الحافة : .. 2006