|
الغذامي وكتابه عن تاريخ حركة الحداثة في السعودية .. هل هما: مورفولوجيا لحكاية خرافية؟!
9/05/2007
إن الطريق الموغلة في الذاتية والتي عرض فيها عبد الله الغذامي لأفكاره في كتابه «حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية»، تفتح لنا آفاقاً لابد من الوقوف ازاءها. منها: هل كان «ولعه» بالحداثة النقدية والفكرية أمراً رافقه منذ مرحلة مبكرة أم أنه اكتسبه في فترة معينة، ولنقل أثناء فترة الدراسات العليا؟ وهل جاءه هذا «الولع» من جراء احتكاكه بزملاء أم لأن هناك مجموعة من الأسئلة والقضايا بعينها دفعته لمدرسة فكرية أو مجموعة مفاهيم يستعين بها حتى يتوصل الى فهم افضل وتفسير اكثر عمقا؟ هذه الأسئلة توجهنا مباشرة لسيرته الفكرية، ومن المفترض ان يشكل الكتاب الذي نتناوله مصدرا مهما لها.
جذور حداثته
عند التتبع نجد شيئا من هذا لم يرد. فالكتاب يؤكد ان الغذامي درس في بداياته في مدارس محافظة تقليدية (المعهد العلمي) وفي المرحلة الجامعية لم يذكر نوعية الدراسة، لكن من الواضح انها ليست دراسة حداثية. ويصدق الشيء في مرحلة الدراسات العليا، فالغذامي لا يشير اي اشارة الى ان دراسته العليا كانت عن النظريات النقدية الحداثية، والذي اعرفه ان رسالته للدكتوراه كانت عبارة عن تحقيق للمخطوط او على الاقل دراسة مدرسية تقليدية لموضوع من موضوعات الادب العربي، وفي المرحلة الجامعية الاولى كان مشغولا بقضايا لا صلة لها مباشرة بنظريات النقد الحديثة. وما اعرفه من خلال ما نشره في حوليات كلية الاداب بجامعة الملك عبد العزيز أن ابحاثه كانت تدور حول البحث عن نسب لشعر التفعيلة او الشعر الحديث في اللغة العربية، كما أني أعرف من خلال بعض محاضراته، أنه كان يسعى للرد على بحث باحث اجنبي ادعى ان الشعر الحديث في اللغة العربية انما هو تقليد قادم من اللغات الاوروبية! أتذكر أن الغذامي كان محاطا ببعض الاساتذة العرب ممن كانت لهم اهتمامات بالدراسات النقدية الحديثة وسأتوقف عند اثنين منهما، يظهر انه كان لهما تأثير عليه أو على الاقل كان يهتم ببعض افكارهما، هما: سعد مصلوح الذي كان يقدم الاسلوبية والدراسات الاحصائية في تحليل النص، ويوسف نور عوض الذي كان يبشر بالبنيوية بوصفها من مدارس النقد الحديثة، وكان قد قدم في وقت مبكر دراسة نقدية بنيوية لاعمال الطيب صالح. والذي يظهر ان سعد مصلوح كان يحظى بتقدير الغذامي، لكنه لم يذكره في حكاية الحداثة، انطلاقا من هذا المنظور، اما يوسف نور عوض فلقد ذكره، لكن بوصفه معارضا لمشروعه. صحيح ان الغذامي بعد عودته من سنة التفرغ العلمي التي أمضى معظمها في الولايات المتحدة عاد وهو يحمل كتابه الخطيئة والتكفير وكذلك حماسه بمشروع الحداثة. وبحسب ما اتذكر كان ينادي بالبنيوية وفي نظري مسألة ما بعد البنيوية مرحلة ثانية، فهي كمدرسة انما ظهرت على اساس نقض المدرسة البنيوية، بطبيعة الحال لا نجد اي تفاصيل عن ما الذي تعلمه او جعله يتحمس لمشروع الحداثة، وقلة المعلومات ارجو الا تدعنا نخمن، لكن ربما شجعنا هذا على الطلب من الغذامي توضيح تفاصيل ما تعرف عليه في الولايات المتحدة او ان كان قد اقتنع بمشروعه الحداثي قبل ان يغادر المملكة (لم يوح نص الكتاب بهذا ولا بعكسه!) فمن الضروري ايضا ان نتعرف على تفاصيل كيفية تحوله من باحث عن تاريخ للشعر الحديث في الادب العربي الى صاحب توجهات نقدية فكرية حداثية! اما الاشارات التي اوردها بذكاء عن اهتمام فطري بالنقد ومدارسه منذ نعومة اظفاره، قلنا في ذلك تفسيرات سنأتي على تفصيلها وهي على اي حال اشارات لا تشكل تفسيرا عقلانيا لما آل إليه كناقد وغياب المؤثرات المباشرة سواء في شكل كتب محددة او تلاقح افكار مع استاذ او مرشد فكري امر يستحق الوقوف عنده وهو ما لم يقم بتفصيله, وذلك عن عمد.
أنا الحداثة والحداثة أنا
يقودنا هذا للانتقال والسؤال عن: ما المقصود بالحداثة؟ خاصة ان الغذامي يقدم لنا مفارقة صادمة في مقدمة حكايته، فهو يؤكد على ان «الحداثة» تعد امرا مستبعدا في ثقافة المملكة بسبب محافظتها والاهم لانها ارض الحرمين وهو امر قد يعارض قيامها، ليس فقط من جانب فئة داخل المجتمع وانما من خارجه أيضاً فهناك فئات عديدة من العالم الاسلامي رغم موافقتها على تبني الحداثة وأخرى تتطلع لاحتضانها إلا أنهم مع ذلك يستثنون ـــ وبشكل صارم ـــ المجتمع السعودي بحجة أنه يمثل بالنسبة لهم الأصالة، بمعناها الرمزي. ومادام الأمر ــ بحسب ما يتصور ـــ هو كذلك، فلماذا اذن يتبنى مشروعا فكريا يتعارض جوهريا مع ما تجمع المجتمعات الاسلامية على عدم صلاحيته؟ هذا السؤال أعتقد أنه سؤال محوري وقد سعى الغذامي من جهته إلى تقديم اسباباًً ومبررات لذلك لكن السؤال يظل قائما: هل كان الامر ـــ بحسب ما تصور ـــ أم أنه غير ذلك؟ الاجابة تقتضي اعادة النظر فيما قدمه الغذامي من سعي لتأريخ الخطاب الحداثي عند الرواد والفصول التي قدمها عن عقود الطفرة ودور الجامعات من ناحية ومن ناحية أخرى كيف نظر لمفهوم «الحداثة» نفسه! يقدم الغذامي فكرة «التجديد الواعي» تعريفا للحداثة ولست ادري لماذا يقتصر التجديد الواعي على الحداثة! كذلك يفرق دون تفاصيل أو توضيح بين الحداثة والنقد أو الادب الحديث. ويظهر لنا من اصراره على «مشروعه الفكري» ومزاحمة معارضيه وسعيهم لصرفه عن «الحداثة» الى مسميات أخرى ـــ تجعلنا ــ في غياب محددات تفصيلية عن محور الخلاف ــ نسأل: أين كان مكمنه؟ نعلم ان هناك جدلا وخلافا على «الحداثة» ليس فقط عندما تم التعاطي معها عندنا وانما كذلك في الغرب، لكن لم يوضح كتاب الغذامي في تعريفه لها بشكل واضح، على اننا نجد عنده في مواضع أخرى، وبالذات في مجال النقد، وجود مفاهيم جديدة مثل التمركز المنطقي والنسق الثقافي والنظرية النقدية والنقد الالسني والنصوصية والتشريحية وغيرها، بمعنى ان المفاهيم المستخدمة تنم عن سياق معرفي جديد ومختلف. ورغم ما ذكرنا يظهر لنا وجوب التفريق بين مفهوم مجرد مثل «الحداثة» بوصفه شيئا محسوسا يمكن تلمسه في حد ذاته من خلال مثلا الاتكاء على مفردات أو سلوكيات وفي المقابل التفكير في ذلك المفهوم بوصفه عملية أو تفاعلا حركيا يشكل نوعية التناول. ويظهر لنا ان «الحداثة» كمفهوم مادي محسوس وان كان لفكرة نظرية هو ما كان يشغله من خلال اشاراته العديدة للمفهوم من ناحية وفي خضم منافحته عنه في جدله مع خصومه بل كما سنوضح عند تناولنا لسيرته الفكرية كما عرضها، ان الغذامي ربما فكر في الحداثة في مرحلة ما على انها فكرة تتجسد في ذاته.. فهو الحداثة والحداثة هو! صحيح انه عمل وسعه ليوضح انه رغم ان ثقافة وفكر المجتمع السعودي تقليديان لكن نذر التحول عن ذلك كانت كثيرة منها ما هو سياسي، فجهود المؤسس عبد العزيز كانت تدفع من خلال عمليات تطوير وتعليم البادية والافادة مما هو قائم من حياة حضرية الى ترسيخ وتجذير عمليات التحديث التي ستولد مجتمعا ومن ثم ثقافة حديثة، وكذلك ادت الطفرة المالية بسبب النفط الى تسريع عجلة بناء المدن، وان كان الامر يحتاج الى تكيف مع متطلبات الحياة الحديثة. تختفي عند الغذامي افكار ومفاهيم علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية عامة التي تناولت مسألة الانتقال من المجتمع التقليدي الى الحداثة ولعل مرد ذلك الى عدم عنايته بمرجعياتها المعرفية، مما دفعه لمطالبتي (باقادر) للقيام بذلك، لكن ايضا تناوله النقدي لمظاهر التحول الى مجتمع حديث، بقدر ما هو ساخر كان تبسيطيا، فهو يقلص الطفرة في زيادة ارتفاع الاثمان، وظهور الرجال الذين يرتدون المشالح والنظارات السوداء ويحملون حقائب فخمة ويتحدثون عن مشاريع وارصدة فلكية، أو عن الجامعة ذات التقليد الذي يبعدها عن الارتباط مع المجتمع والاهتمام بقضاياه وغير ذلك من افكار ومقولات. والعجيب في الامر ان الغذامي ـ يرتهن لانطباعاته بشكل كامل يجعله لا يجهد نفسه في البحث عما اذا كانت هناك بحوث او دراسات عملت على تفسير ما جرى ويجري، رغم ان هناك كلاسيكيات في الموضوع من امثال دراسات ليرنر وبيرك وسعد الدين ابراهيم وعلي الوردي، بل ومن بعض ابحاث بعض زملائه في الجامعات العربية والسعودية. لماذا اختار الغذامي انطباعاته وخبرته الخاصة في ملاحظة ما جرى في المجتمع والثقافة يعود في نظرنا ـــ كما سنوضح ــ الى شعوره، ان الحداثة أو على الاقل مشروع الحداثة كان يجسده وهو يجسده، ومن ثم خبرته في تاريخ وتفسير التجربة التي مر بها الوطن! وهذا الالتباس، رغم ذكره العديد من الرواد والاسماء المبدعة والنقاد، ربما فسر ما قدمه على انه يمثل موجات «الحداثة» عندنا، ولست اعرف المحددات النظرية والابستمولوجية التي اعتمدها في تقسيماته، فهو «يقرر» اعتباطاً مجيء موجة وانحسار أخرى، والمعروف ان كل موجة (كما هو الحال في الحركة النسوية) تشكل «مرحلة» تختلف عن المرحلة أو المراحل السابقة لها. ويظهر لنا ان الموجات المتلاحقة، عبارة عن محطات التحول والانتقال في مسيرته الثقافية من نقد تشريحي الى نقد ثقافي في مرحلة متأخرة. وهذا يؤكد مرة أخرى فكرة (انا الحداثة والحداثة أنا).
بطل في حكاية خرافية
يدفعنا الحديث عن شخصية مشروع الحداثة هذا الى تناول اسلوب تقديم الغذامي لسيرة الحداثة أو بحسب تعبيره حكاية الحداثة في السعودية وهنا لعله من المفيد ان نتناول اسلوب تقديم سيرة الحداثة عن مستويات: المستوى الذاتي وبالذات مسيرات الحداثة الذاتية (في اسلوب مولد البطل الاسطوري) والمستوى الثقافي الاجتماعي (من من له السبق كرائد) والمستوى الفكري المتمثل فكريا في حضور الانا وتغييب الآخر بوعي. أما المستوى الاول فإن الكاتب يقدم وبذكاء كيف ان الغذامي لم يكرس اثناء تناوله لحكاية الحداثة سردا تفصيليا لسيرته الشخصية بشكل مباشر وانما اكتفى بكتابة سرد يتماشى مع طريقة اسلوب الحكاية الخرافية في تقديم البطل كما فصلها بروب في مورفولوجيا الحكاية الخرافية. فهناك العديد من البشارات بمولده وانه سيقوم برسالة عظيمة يدرك من حوله اهميتها لكن يعمل «الاشرار» على احباطها أو تعطيلها. فالغذامي يلمح بأنه سأل معلمه وفي مرحلة مبكرة عن الشعر الحر وشعر التفعيلة وكيف ان سؤاله حير المعلم وفي الوقت نفسه لفت نظره الى هذا الشاب، بطبيعة الحال، متنبئاً له بحضور قوي على الساحة الفكرية مستقبلا وكيف ان الغذامي كان يلاحظ بواطن أمور التحولات بثاقب بصره عندما كان يتحدث الطلاب مع زملائهم في الغربة عن الطفرة وكيف انه كان يوضح ايضا نبوءة تحولات قادمة وكيف انه خبر ذلك عن قرب أثناء زيارته الصيفية للمملكة وشحنة الريادة في مساهماته في تأسيس قسم اللغة العربية أو حسرته على عدم اللحاق بجامعة الملك سعود أو ملاحظاته للفتاة الصغيرة التي تقرأ صحيفة. ألا تدل كل هذه المبشرات بوعي مبكر عن دور منتظر ومشروع يقوم به البطل! أما الاشرار أو لنقل من يريدون ايقاف البطل عن مشروعه فالاشارات الذكية لها عديدة، فهناك الزملاء الحساد وبالذات عصابة الخمسة وبعض الزملاء العرب المقيمين أو من سيستكثرون على البطل قدراته، والامر كذلك في رقيب المطبوعات أو في اقلام بعض المشرفين على الملاحق الثقافية التي لا هم لها سوى الترصد والعمل على الايقاع بالبطل، لكن وكما هو الحال في الاساطير والحكايات الخرافية هناك العديد من القوى الخيرة التي تتدخل لانقاذ البطل وفي الوقت المناسب وبشكل حاسم من امثال تدخل ابو مدين وابو تراب ومحبة الزملاء والاصدقاء ولا ننسى جهود البطل ومهاراته التي تسعفه كثيرا لحسم اي جدل سواء كان مع ممثلي التيار الديني التقليدي (عبد العزيز بن باز ومحمد العثيمين) أو النقاد غير العارفين (محمد عبد الله مليباري وعبد الكريم نيازي) أو النقاد المنحرفين عن مقاصد النقد الحديث لاسباب معينة (البازعي) وغير ذلك كثير أمثال الشيباني. والبطل في الحكايات غالبا ما تؤدي اليه عقول وأرواح تسانده وتعمل معه في اطار علاقة زبونية، ولعل تلاميذ البطل واصدقاءه وهم كثر وكذلك المؤسسة الجامعية التي يعمل فيها، كل هؤلاء يقدرون البطل ويعملون على مساعدته. واجمالا، كما هو الحال في مورفولوجيا الحكاية الخرافية، تنتهي الحكاية بنصر مؤزر للبطل. لن احيل الى «الانا» المتضخمة في التأكيد على اهمية الذات لدى الكاتب، فالصفات التي ذكرنا وان كانت من تركيبة مورفولوجيا الحكاية الخرافية، وهي تحمل شحنة كبيرة لا واعية تؤكد على ان البطل مؤيد ومحفوظ من طرف قوى غيبية خارجية تعرف رسالته وتقدر قيمته وهي كافية لنجاحه حتى وان سعت قوى الشر أو الظلام لتحويل المسار لكن من خلال التحليل الحيادي الخارجي، لا نملك الا ان نؤكد على ان في الامر «مبالغة» في تضخيم الذات، جعلت البطل يروي حكايته بالصورة القدرية التي سرد بها الاحداث وصور بها العلاقات. ومن ثم كان بالامكان النظر موضوعيا للامور على انها نتاج تدافع وخصومات ووجهات نظر، وليست مجرد بغض وحسد ومن ثم عبثية مطلقة من طرف مجموعة ضد الانا. ولعل ما نشهده في كتاب الغذامي، في اسلوب تقديم «الضد» فيه قدر كبير من الانتقائية الواعية، مجموعة الضد ليست واحدة، بعضها ضد معارض لمجرد المعارضة وآخر حسدا وبغضا رغم معرفته للعكس وجماعة أخرى ضد موقف من وجهة نظر مختلفة وهناك من عارضوا انطلاقا من فهم للدين وخوف عليه وهكذا. ولقد اشار الغذامي لكل طرف بلغة مختلفة واحيانا قسوة مختلفة. فهو قد يقدم احدهم بوصفه ساذجا وآخر بوصفه متشددا سطحيا لكن يشخص الحال مع بعض آخر سواء على المستوى المعرفي أو حتـى السلوكي الشخصي، وهذه التعريفات الدقيقة من طرف اسلوب سرد الحكاية تحتاج الى وقفات كان بالامكان الوقوف عندها طويلا، لكننا لن نفعل لاعتبارات اجتماعية واضحة! وقبل ان ننتقل لمعالجة قضية أخرى يمكننا القول ان السرد المقدم في حكاية الحداثة يوضح ان «البطل» قادر على توزيع الادوار بين من اختار الحديث عنهم في حكايته لكن ما لا نجد له ما يبرره ويوضحه، هو، هل «البطل» في توزيعه لهذه الادوار يضعف أم يقوي من حبكة الحكاية المقدمة؟ نقول هذا في سياق ان من يحيل اليهم في حكاية الحداثة لهم مواقف ويقدمون سيرا ذاتية للناس عموما فهل كانت الادوار التي صممت لهم مناسبة؟ للتوضيح سأتوقف عند شخصيتين جاء ذكرهما اكثر من مرة في سرد الحكاية سواء على انها جزء من الحكاية أو تقدم اطارا يتحرك البطل داخله، بالتماهي أو بالمقابلة، هما سعد البازعي وسعيد السريحي. تقدم الحكاية البازعي على انه الحداثي المحافظ، بل المنافق الذي يدعي معرفة النظريات الحديثة والتي لا تشكل جزءا اساسيا في جهازه المعرفي، ولسنا هنا بصدد تناول هذا الموضوع ـ لعدم الرغبة بالدخول في سجال كنا ولا نزال لا نرغب الدخول فيه ـ لكن طريقة تقديم الشخصية تتطلب منا وبشكل «محايد» السؤال عما هي مؤهلاتها المعرفية والمنهجية وهل انصافا يستحق البازعي نوعية النقد الذي مني به؟ اما في ما يتعلق بالسريحي ـــ ذلك الشاب المؤدب وفي الوقت نفسه الذي كان يشكل مريدا شغوفا للتعلم ـــ فالجميع يعرف انه كان حداثيا فاعلا في الساحة الثقافية المحلية وبالذات في الصحافة وبالاضافة اليها في العديد من الجولات الثقافية النقدية، فهل كان يشكل منافسا للبطل من حيث الريادة؟ اذ ان ما نلمسه عن الحكاية هي رغبة البطل بابعاده غيره عن مسرح الاحداث وبالذات في وقت المواجهات والجدل الحاسم حول من يمثل «الحداثة»؟ فهل كان ذلك السرد مقنعا!؟ نود ان نعود بعد توضيح كيفية سرد حكاية الحداثة على انها تشكل مورفولوجيا حكاية خرافية، الى موضوع الحداثة بوصفها موضوعا فكريا. وكما ذكرنا في بداية هذه المداخلة ان المفاهيم ان نظرنا اليها بوصفها شيئا يمكن التعامل معه على انه امر محسوس SUIQENERIO كما هو حال الظاهرة الاجتماعية عند دوركايم، فإن الامر ينتهي بشيء من التجسيدية أو الحلولية ويظهر ان هذا كان أمرا قد تبناه الغذامي ـــ ملفوظا ـــ في الكثير من تعامله مع المفهوم.
الحداثة غير التحديث
لكن ان اخذنا ان المفهوم عبارة عن اداة توضيحية ويشير الى عملية مستمرة الاداء فإن الامر عندئذ يجعلنا بالضرورة نتعامل مع المفهوم تجريديا، ولعل هذا التناول أكثر خصوبة والغذامي يستخدمه ـــ اعلانا وقولا ـــ لكنه لا يدفعه الى المراتب المطلوبة. بمعنى ان السؤال هو ما الذي يبرر الاهتمام بالحداثة في الادب العربي عموما والساحة الثقافية والفكرية المحلية تحديدا؟ وهنا تتحول عملية سرد حكاية الحداثة من الشخصي إلى المجتمع والثقافة، وتصبح الريادة ذات بُعد فني أو معرفي لمتخصص دون «شخصنة»، ويظهر أن الغذامي احتار في هذا الأمر كثيراً بسبب الموقف الشخصي الذي وضع نفسه فيه. فهو يعلن في بداية الكتاب، أن الحداثة وتقاليد البلاد، متعارضة. فالحداثة حيوية نقدية ومعرفية تدعو وتدفع لمزيد من النقد والسؤال والإبداع، بل والابتداع. في حين أن الثقافة المحلية، ربما سكونية في خطة تصر على الاتّباع والتمسك الجامد بالقديم، وان موقفها هذا تؤطّره مكانة دينية وعُرف سائد داخل المجتمع، وخارجه، بحيث يُدين أي خروج عن ذلك التمسك، لكن وقبل أن نصدّق على هذا الموقف، الذي يرى الغذامي مشروعيته وأصالته وجديته، يقول لنا سرد الحكاية، إن موحد البلاد الملك عبد العزيز كان يدفع للحداثة، وان تحولات مرحلة النفط تدفع ليس فقط أن يصبح المجتمع السعودي حداثياً، إنما هي شبه حتمية، ومن ثم فإن من يقف ضد التيار مصيره الهزيمة. هل هذه المفارقة يمكن تبريرها؟ وإن كان هناك ما يمكن ان يبرّرها، فما علاقة عملية التحديث والعصرنة بالذائقة الفنية والأدبية والفكرية في كل هذا؟.. بمعنى آخر: هل عملية التحديث وبناء دولة ومجتمع حديث، تعني بالضرورة وجود مشروع «حداثة»؟ إن كان الأمر كذلك، فما هي حدود وشروط هذا المشروع؟ وهل يمكن مقارنته بمشاريع التحديث التي مرت على المنطقة بدءاً من مصطفى كمال ومحمد عبده والأفغاني والتونسي وبن باديس؟ أم ان لهذا المشروع أهدافاً أخرى؟ هذا الطرح لما يتناوله سرد حكاية الحداثة. صحيح ان الغذامي تحدث عن العواد وعزيز ضياء وحمزة شحاته وغيرهم من رواد الأدب، لكن هل هؤلاء يرضون بأن يصنّفوا كحداثيين؟ أتذكر بعض أقوال عزيز ضياء عن فِكر الغذامي، يؤكد فيها أنه لا يفهمها، وأنها تسبّب له دوارا. المقصود هنا أن مسألة الحداثة في النقد الأدبي كانت مسألة محددة في جماعة وفِكر معينين ولم تكن بالضرورة تعبّر عن مسألة التحديث ومن ثم الحداثة في إطارها الواسع، بل وهي في النقد الأدبي يمكن أن تأخذ أشكالاً واتجاهات مختلفة، بل حتى مغايرة. في هذا السياق، ربما كان من المفيد ـ ومن داخل سياق الكتاب نفسه ـ صياغة السؤال القلق: لماذا لم يجد دريدا قبولاً في فرنسا، وفرنسا لا يمكن لأي أحد الادّعاء بأنها ليست دولة حديثة ومتفتحة لمشاريع حداثية في الوسط الأكاديمي الثقافي؟، ولماذا وجد مكانة وقبولاً في الوسط الأمريكي الأكاديمي (جامعة ويتل تحديداً) مؤقتاً بعده سعت الجامعة للقضاء على مدرسته؟ هذه الإشارات التي أوردها الغذامي، نرى مثيلها فيما حدث لرولان بارت، وكيف قاومته الأوساط الأكاديمية النقدية، بل ربما كان موقع وأهمية مدرسته في فرنسا محدوداً جداً. والإشارة إلى «تديّن» اليوت، لكن مع ذلك حداثيته ولجوئه الفكري إلى الأوساط الأوروبية، وأنه رغم تأثيره على الفكر النقدي والإبداعي في المشرق، إلا أن السياب كان يفضل ألا يكون منتمياً لفِكره بوصفه شخصاً متديناً «رجعياً». كل هذه الإشارات الواردة في كتاب حكاية الحداثة، لم تدفع الغذامي للسؤال عن لماذا كانت «الحداثة» واقعة بين القبول والرفض في المجتمع والثقافة الغربية، وكيف أن الأمر نسبي وموضع جدل ولا يحظى بالقبول المطلق، كما أن هذا الجدل والرفض لم يكن بسبب مسألة «ما إذا كانت الحداثة تعارض الخطاب الديني» ولا لمجرد خوف من الحديث وانصراف عنه تحت أي ديباجة. فإن كان الأمر كذلك، وأن هناك تياراً فكرياً يعارض نوعاً معيناً من النقد الأدبي الحداثي، بطبيعة الحال هذا يؤكد وجود تيارات نقدية أخرى مهمة وعاملة في الميدان، والسؤال: لماذا لم يأت على ذكرها الغذامي في خضمّ الرؤية والسياق التاريخي الذي قدمه؟ وسنتعجل قائلين: لأنه إنما كان يتناول السياق المحلي والعربي في مسائل النقد الأدبي ونظرياته. لو كان الأمر كذلك، عندها: لماذا لم ينظر إلى معارضيه كأكاديمي عارف بهذه التيارات مثل سعد البازعي أو بدرجة أقل أحمد الشيباني، بوصفهما مطّلعين على الجدل السائر في الساحة الغربية وبوصفهما مشاركين في الجدل القائم في الساحة المحلية حول الحداثة و ذلك انطلاقاً من الجدل الرافض لها في الغرب؟ ان تقديماً لمعارضة البازعي، بوصفها مماثلة لمعارضة المليباري أو نيازي، أمر يستحق إعادة النظر ومن ثم التقويم! بالإضافة إلى كل هذا: لماذا غفل كتاب حكاية الحداثة عن بعض الكتابات النقدية للخطاب النقدي الحداثي، التي ظهرت أخيراً، في كتابات المسيري وعبد العزيز حمودة وغيرهما؟ قد ينجح بعضهم، لكن هذه الدراسات إنما ظهرت أخيراً وبعد انتهاء جدل خطاب الحداثة في السعودية، نقول صحيح، لكن هذه الدراسات كانت تشير إلى نقد ومراجعات كانت سائدة في الغرب وقت اصطدام النقد، وكان من المفترض تقديم نظريات الحداثة عندنا ليس على أنها تحظى بقبولية ومصداقية، وأنها المدرسة الأكثر شيوعاً في الغرب، لأنه ببساطة لم يكن الأمر كذلك، إنما كانت، وببساطة، واحدة من تيارات جدلية عديدة، فلماذا يكون لمصدر المدرسة الحداثية الحق في تيارات متعددة وفي المكان المستورد لها ضرورة القبول من دون مقاومة أو حتى رفض؟! ثم ألا يكفي أن يكون «كل» الخطاب الحداثي عبارة عن مفاهيم وأفكار مستوردة بمجملها (وإن كان لديّ تحفظ حول مدى استيرادها بدقة وإجادة) ـ دون نقد أو حتى شك في مفاهيمه ومضامينه الآيديولوجية والمعرفية ومن ثم السؤال عن مدى ملاءمته لمجتمع ذي ثقافة تاريخية كثقافة مجتمعنا؟ وهذا أمر غاية في الأهمية، لم تكن الإشارة له في كتاب حكاية الحداثة بالدرجة نفسها من الأهمية التي يستحقها ألا وهي مسألة: الذوق الفني والأدبي، بل وحتى مشروعية استبدال ذوق بذوق آخر، رغم أهمية التغيير، لكن الشرط الذي نود أن نؤكد عليه، هو أن الأمر جلل، وكان المفترض، وبالذات في مجال الشعر والخيال (التخييل)، أن يكون موضع جدل ومناقشة، لا عملية استبدال قائمة فقط على أساس المغايرة للآخرين أو استحسان أفكار جديدة موضع جدل ساخن في كل مكان. هناك أمور لا يمكن أن تشكل «موضة» أو بدعة تستبدل بين وقت وآخر، وأن عملية الإحلال هذه تشكل تحديات غاية في الأهمية، اضافة إلى أن أمر الثقافة إقناعي وينتج من داخل الثقافة مع إمكانية الإفادة من التيارات العامة في أي مكان على شرط التمكن من السماح بكل أنواع الجدل واختلاف وجهات النظر في الساحة المعرفية والثقافية، وهذا ما لا نراه في حكاية الحداثة، لأن أسلوب السرد شخّص الموضوع، مُبعداً بذلك أن يكون هناك خطاب أو رؤية تستحق النقاش، سوى الخطاب الحداثي، وفي هذا افتراض لا يمكن قبوله من حيث المبدأ. لماذا كان الخطاب الحداثي يعتمد على الاستيراد الفكري والذوق الفني القادم من الغرب ولم يتمكن من التجذّر والانطلاق من تربة الثقافة المحلية بوصفه نتاج التغيرات المادية والمعنوية المصاحبة لعمليات التحديث التي تمت في العقود الماضية؟ ولماذا كان بالضرورة أن يتعارض مع الأصالة والتقليدية؟!. لعلنا نبرّر ذلك برغبة نخبة مختارة من أبرزها الغذامي، بالتعجيل بعملية الحداثة بدلاً من أن تأخذ وقتها؟ لعلها رغبة بإخراج المجتمع وبسرعة، من تقليديته أو محافظته، التي لم تعد واقعه الثقافي المعاش، إلى آفاق أرحب أو الاعتقاد بأن هناك تناقضات صارخة بين الواقع الثقافي والإبداع، وأن أصواتاً بدأت تبرز ممثلة بضرورة القيام بمشروع الحداثة ومن ثم كان من الضروري استقبال هذا التيار وتعزيزه بكل الإمكانيات النقدية والفكرية؟ هل كان الأمر كذلك؟ ربما، فلقد ظهر الشعر الحداثي قبل قيام خطاب النقد الحداثي، ولعل البعض من «الحداثيين» المبدعين اشتكى من الصخب الذي أثير على هذا الشعر بسبب ما تمخّض من جدل حول الحداثة مع الغذامي محلياً، مما عرّض بعض هؤلاء الشعراء للتهديد، ولم يكن حالهم قبل ذلك، كذلك! لا يظهر أن هذه المشكلة كانت تشكل هماً لصاحب حكاية الحداثة!. نقصد: هل كان الجدل يدور حول الحداثة أم حول مَن نادوا بالحداثة وسعوا لتأكيد وجودهم في مقابل خصومهم الذين استخدموا ما وسعهم من أدوات لمواجهتهم بما في ذلك الديباجة الدينية وعرض نماذج من عبارات وأقوال لحداثيين عرب بعضهم من خارج سياق الملّة الإسلامية أو حتى من الخارجين عليها؟ هل كانت الحداثة أو بشكل أوسع تيارات النقد الجديدة والحديثة موضع رفض في حد ذاتها؟ أم هي موضع رفض في سياق جدلي بسبب أن من قال بها هم، أشخاص معينون؟.. لعل الوقت أصبح مناسباً لإعادة النظر في ذلك حتى نكون منصفين. وفي هذا الإطار، لماذا كان التركيز على خطاب الحداثة في دائرة النقد الأدبي فقط؟ فكما يعلم الجميع أن هذا الخطاب أصلاً إنما كان يتناول قضايا المجتمع الكبرى، مثل السياسة والاقتصاد والمجتمع والعلاقات الثقافية، لكننا لا نجد لذلك صدى على الإطلاق في حكاية الحداثة، بل ما نجده هو جزء يشكل تياراً تفسيرياً من مجموعة كبيرة من التيارات الفكرية الحداثية المفسرة ومنتزعاً من سياقه العام. لذا لم يشر كتاب حكاية الحداثة للجدل الذي يدور في الأوساط الغربية حول مشروع الحداثة وما بعد الحداثة، لم نسمع ماذا قال تورين اوجيدنز أو هابارماس أو كارل بوبر وقائمة تطول وتطول حول هذا الموضوع العام والخطير، سواء في سياقه الغربي أو في ما ترتب عليه دولياً. بل ولأن الأمر مأخوذ من جزئية، بل حتى هذه الجزئية مختار منها جزئية لا نجد معالجة نظرية معمّقة، بالمعنى الجدلي وبمعنى تقديم سرد تفصيلي لوجهات النظر المتداولة في الموضوع ـ مما ولّد احتمال إيهام القارئ أن بالإمكان اختزال الفِكر الحداثي النظري في هذه المفاهيم. فكما هو معروف ثار الوسط الأكاديمي كثيراً على رولان بارت، عندما عالج بعض النصوص الأدبية الفرنسية من زاويته النقدية، بل تبرع البعض بوصفه يعبث بذلك التراث العريق. وقد أدى هذا الجدل، إلى مماحكات ومواجهات غاية في الصخب والحدّة، لعل ما جرى في ساحتنا المحلية يقصر عنه. وهذا ما كان يجري في بيئة الحداثة بامتياز، فما بالنا عند تطبيقها على نصوص وأفكار وأشخاص لا يرون أنفسهم أنهم من أهل الحداثة؟!
«الخطيئة والتكفير»: ملاحظات ومآخذ
وغالباً ما يكون التفسيري ضرورياً عندما يكون لذائقة ما، القبول والاستقرار ولأجيال طويلة، ثم تقدم ذائقة جديدة صادمة في الغالب للذائقة القائمة، مما يستوجب المواجهة ـ التي قدمها كتاب حكاية الحداثة بوصفها أمراً مستَنكرَاً أو مستغرَباً ـ ألم يكن الموقف هو ذاته من أبي تمام وغيره؟! إن عدم تبرير ضرورة تغيير معيار إعادة تقييم الذائقة وبشكل تفصيلي وقابل للجدل، (وليس التشكيك في مَن كتب، أو مقاصد ما كُتب عقائديا)ً، كان يستحق الوقوف عنده ولفترة طويلة وسنأخذ كتاب: «الخطيئة والتكفير» نموذجاً، لأنه ورد ذكره كثيراً في حكاية الحداثة.
أولاً، عنوان الكتاب يستحق المراجعة، ولقد ذكرت ذلك وبشكل تفصيلي عندما شاركت في ندوة في نقد الكتاب في النادي الأدبي بجدة. فمفردات «الخطيئة» و«التكفير» تحيلنا بالضرورة لسياق عقدي وفِكري غير محلي، وهو أمر يستحق، بل يستدعي التبرير والشرح، خاصة أن كتاب حكاية الحداثة يعرض اعتراض وزارة الإعلام وتدخل أبو تراب وأبو مدين لفرض العنوان!
ثانياً، الكتاب المذكور يتكون من جزأين لا صلة فعلية بينهما، فالأول هو عبارة عن عرض لأجزاء من مفاهيم بارت وياكبسون وغيرهما عن أسلوب تحليل النص الأدبي، ولا شك أن بالإمكان الدخول في جدل مع الغذامي في ما أورد من أفكار هؤلاء، أولاً من حيث صحة فهم ما نُقل بوصفه يمثل آراء أولئك، كذلك حول لماذا لم يقدم تلك الأفكار والمفاهيم بشكل شمولي وليس اختيارياً؟ إذ لم يقدم أفكار هؤلاء كما يقدمونها بالتفاصيل في كتبهم. كذلك كان الغذامي انتقائياً، فلقد اختار أجزاء وأهمل أخرى، إلا أنه كان داعية لهذه الأفكار، وليس مقدماً حيادياً أو منتقداً موضوعياً لها، وهنا يبرز السؤال، لكن لماذا؟، لأنه لو أوردها بوصفها منهجاً، خاصة بالجزء الثاني «التطبيقي» عن اشعار او ديوان حمزة شحاتة، لكان هذا الانتقاء والاختيار مبررا بوصفه الاطار النظري الذي سيتبناه ويعمل من خلاله في معالجة النصوص التي سيقوم بدراستها وهذا يقودنا بطبيعة الحال الى مدى صلة الجزء الخاص بأشعار حمزة شحاتة وهنا ـ بحسب ما ذكرته في تلك الندوة ـ لا تظهر لي صلة واضحة مباشرة بين الجزءين، لعل عجزي يمكن ان يكون مبررا لعدم وضوح ذلك لي او ان صاحب حكاية الحداثة لم يقم بالمعالجة النظرية النقدية المطلوبة، اذا كان الحديث عن النسق والنموذج وانطباعات نقدية لا تعتمد بشكل واضح وجلي على الجزء الاول من الكتاب الذي كان ـــ كما اوضحت ـــ عبارة عن تقديم لأفكار نقدية معينة. ومن ثم لماذا كانت البشارات الاولى حول الكتاب انه سيسبب مشكلات، رغم الاحتفاء الكبير به عند صدوره، بل وفوز صاحبه بجائزة من مركز محترم بناء على تقييم موضوعي، لكن مع ذلك لقي الكتاب نقدا شديدا من الساحة النقدية غير الحداثية، وبالذات النقد الذي أخذ ديباجة دينية. المشكلة العصية، سواء فيما ذكره كتاب الحكاية او الجدل الذي كان قائما لم يكن يتوقف حول المفاهيم او الاطروحات التي يقدمها الكتاب في جزءيه النظري والتطبيقي، وانما في الجدل والمراجعات حول المرجعية والمصدر لفكر الحداثة اقليميا، فمعظم الاحتجاجات كانت حول اقتباسات حادة، بل ربما كانت صدامية من طرف بعض رموز الحداثة العربية: ادونيس وانسى الحاج وعبد الصبور وغيرهم، وكذلك الحق في استيراد مفاهيم ونظريات اجنبية للنظر في معالجة نصوص محلية من الادب العربي عموما، فلماذا اخذت المواجهات هذا المنحى عند جميع الاطراف. على العكس نجد ان كتاب الغذامي يرفض مقارنة ذلك الجدل بما اثير حول الجديد والقديم من جدل العرب وغيرهم، وهو حتى عندما يذكر طه حسين والعقاد (جماعة الديوان) واسئلة التحديث والتغير في الوطن العربي، لا يجعل هذه المعارك الفكرية نموذجا تفسيريا يمكن ان يفسر ما جرى هنا عن الحداثة، لكنه في الوقت نفسه لا يقدم ما يمكن ان يقنع احدا عن كيف يمكن تفسير ما حصل ولماذا؟ وهذا من خصوصيات اسلوب السرد وتقديم الافكار عند الغذامي، وهو يشخصها ولعله لا يسأل نفسه هل لو كان من يقدمها سواه هل كان هذا الجدل سيثور وبنفس الوتيرة؟ لعل الغوص في الاجابة عن هذا السؤال وبهذه الصيغة ربما دفع الغذامي بمعالجة الموضوع من زوايا اخرى دون التأكيد، مبررا سفره من جدة الى الرياض، ان ذلك سيجعل الساحة النقدية ترتاح وسيستريح هو ايضا. فالامر ـ اي امر، ومنه معالجة فكرة الحداثة، لا يمكن اختزاله في حيوية او جموح فرد، لأنه لو كان الامر كذلك، فإنه بالضرورة سيعني ان عملية الحداثة برمتها وجوديا مختلفة وبذلك ستكون الاعتراضات عليها وجيهة!! اذا كان اسلوب السرد وطريقته عائقا بنيويا ضد ان تكون للحداثة حكاية في السعودية، وانما بالضرورة للحداثة تجسيد سيري تتمثله شخصية الغذامي. واخالني أؤكد موضحا ان ذلك امر لم يقصده ولا يقره الغذامي، وانما اراد ان يوضح ان للحداثة بالضرورة، بسبب التحولات العديدة التي مر بها مجتمعنا ومن ثم ثقافتنا في العقود الاخيرة، ما دفع لوجود مشروع الحداثة، وان الظروف دفعته ان يلعب دورا رياديا وموقعا متقدما في هذا المشروع، لكن ان كان الامر كذلك فمن هؤلاء الذين يرى الغذامي انهم لعبوا ادوارا حتى لو كانت ثانوية وحتى لو كانوا مجرد حفنة صغيرة من الزملاء بوصفهم مرآة عاكسة لافكار تلمذة وليس ابداعا ومساهمة. والسؤال لماذا كان اسلوب سرد تقديمهم بهذه الصورة؟ اضافة إلى ذلك ورود اسم غازي القصيبي ـــ عرضا ـــ في كتاب «حكاية الحداثة» والاشادة بحيويته وابداعه الا إنه من الملاحظ أن القصيبي باي حال لا يحكمه تصنيفه باعتباره «حداثيا»، ولا هو نفسه يرضى تصنيفا كهذا، مع أن مجتمعنا يتفق على عصريته وتحدثيته.
الغذامي مر من هنا
وهنا اود ان اوضح ان قيمة اي مشروع نقدي انما تكمن في مدى قدرة مقدميه في استدراج القراء الى مفاهيم وافكار جديدة مقنعة او على الاقل قادرة على جذب اهتمام المتلقين في رؤية النص او الشاهد الثقافي من خلال نظرة جديدة، بذلك يكون المشروع قدم ما يمكن تسميته باضافة ذات قيمة added value وليس بقدر ما يثيره من صخب في الرفض او القبول، فالقضايا الفكرية ليست قضايا من اجل المخالفة التي تقتضي مواجهات صاخبة. وفي هذا السياق كنت اتطلع ان يوضح الغذامي كيف ان مشروعه الحداثي مكن الناس في ثقافتنا: نخبا وقراء عامين، لاعادة النظر في تراثنا المحلي نظرة جديدة جعلتنا نعيد اكتشاف ما ورثنا عن الرواد. العكس يظهر لي ما يذكره الغذامي في امواج حداثته التي يقدمها في الكتاب ومن ثم لعل الغذامي بامكانه مثلا ان يوضح لنا كيف اسهم كتابه العمدة: «الخطيئة والتكفير» ان يحول الاهتمام والانتباه لديوان حمزة شحاتة وسواه من مبدعين بحيث اصبحت اعمالهم موضع اعادة اكتشاف ودهشة ومن ثم دراسات يعود سببها للمنهج الذي قدمه الغذامي، الذي يظهر لي ان شيئا من ذلك لم يحدث، ولقد تركز الجدل الثقافي حول الجزء النظري من كتاب الغذامي، وهو جزء لا يمكن ان يقال انه الجزء المبدع للغذامي، اذا كان عبارة عن عرض وتقديم لأفكار مفكرين غربيين كما ذكرنا، اذن لماذا لم تؤثر النظريات النقدية الحداثية في دراسة النص الادبي المحلي وهي انما يمكن ان تبرر بقدراتها على ذلك؟! حتى لا اكون غير منصف ارى ان الدهشة في اثارة الانتباه الى المفاهيم والافكار الحديثة وبالذات الحداثية في الاوساط الاكاديمية المتخصصة في دراسة الادب العربي في جامعاتنا هي السبب، وفي هذا يعود الفضل والريادة للغذامي اولا في تقديم مفاهيم ومصطلحات حديثة وادماجها داخل الدائرة الاكاديمية المحافظة والتقليدية ذات السكونية غير المرغوبة وفي هذا تميز الغذامي عن سواه وفي هذا يمكننا القول انه كان موفقا ايما توفيق في ذلك. اضافة الى ذلك فإن جرأة طرح الغذامي ـ وهو ليس الوحيد الذي يملك الشجاعة او الرغبة، لكنه امتلك قصب الريادة في ضرورة اعادة النظر في استخدام وتبني النظريات الحديثة وهو امر في غاية الاهمية، وله في هذا مع ثلة من زملائه من النقاد شرف الريادة، ولعل ما تشهده الساحة الثقافية في النقد من دراسات نظرية وانجازات تطبيقية ما يوضح مآثر الغذامي واسهاماته الجليلة في هذا الاتجاه! وقبل ان اختم اقول ان اشارات الغذامي الخجلة وغير التفصيلية لمشاريع العديد من «المفكرين» العرب حول التحديث او حتى الحداثة من امثال الجابري والعروي وحسن حنفي وغيرهم في الافق الاكاديمي وافكار العديد من حركات الاصلاح الديني والسياسي من امثال رضوان السيد وبرهان غليون وغيرهما انما تشكل روافد مهمة وجادة في مشروعات الحداثة وهي مشروعات تسعى لدفع مجتمعاتنا لاعادة النظر في حالها واوضاعها الراهنة، وهي ليست بالضرورة صدامية او تسعى الى تجاوز خيارات وثوابت المجتمع والثقافة في العالم العربي، لكنها في الوقت نفسه تتطلع الى نهوضنا وتغيير اوضاعنا ومكانتنا بين الامم من زاوية رؤيتهم للاصلاح، وهذا امر محمود في ذاته وفي تعارض الآراء بالضرورة بسبب سنة التدافع بين اصحاب الرأي بوصف ذلك سنة ثقافية تعيشها كل الامم وتاريخنا الفكري الثقافي يحمل في صفحاته الادلة المتعددة الكثيرة على جدية ومصداقية امثال هذا الجدل الجاد. لكن يعلمنا التاريخ بضرورة اعادة التفكير في كيفية تقديم الخطابات حتى تكون مقنعة وان لا يساء فهمها او حتى لا تخيف من تعرض عليهم رأيه من حق الجميع ان يستدرجوا باللين والحكمة والادلة على ان اي مشروع فكري بالضرورة لم يتشكل لمجرد اقصائهم او تجاوزهم، لكن في الوقت نفسه وجود مشاريع مختلفة واحيانا متعارضة امر طبيعي، والغلبة ليست لمن استخدم ديباجة ما او تمكن من قمع طرف ما او حتى حشد من الامكانيات ما يعوق او يلغي الآخر، وانما تكمن «الحقيقة» النسبية في مدى قدرة صاحب المشروع واسلوب تقديم المشروع ما يشكل قيمة مضافة للجميع، وفي هذا ما يجعله مشروعا افضل من مشروع آخر! ختاما، ما لا بد قوله ـ بحسب ما ارى ـ هو التأكيد على ان اسهامات الغذامي في الساحة الثقافية والفكرية هي بالضرورة موضع اهتمام وتقدير، حتى وان كانت في كلها او جزء منها موضع اختلاف، وسيسجل تاريخنا الفكري والثقافي عبارة «الغذامي مرّ من هنا» فهو اسم ومشروع لا يمكن تجاهله، ولا شك ان الساحة الثقافية من دون الغذامي ستكون مختلفة تماما عن وجوده . المصدر المجلة
|