|
«أكياس الفقراء» و «خطوات الملك» في طبعة جديدة
8/05/2007
عبده وازن
عندما أصدر الشاعر شوقي أبي شقرا ديوانه الأول «أكياس الفقراء» عام 1959 ثم ديوانه الثاني «خطوات الملك» عام 1960 بدت قصيدته التفعيلية التي كانت عماد هذين الديوانين، مختلفة كلّ الاختلاف عن المناخ الذي أرسته قصيدة التفعيلة العربية بعد الثورة التي أعلنها شعراؤها الرواد من أمثال نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري والشعراء الذين أعقبوهم. فالقصيدة هذه التي تنتمي الى ما سمّي عربياً «الشعر الحرّ» كانت المعادل اللغوي والجمالي للثورة الفكرية التي بدأت تلوح ملامحها في الأفق، مثلما كانت أيضاً الوجه الشعري لحركة التحرر السياسي التي كانت بدأت تجتاح العالم العربي. حينذاك غدت قصيدة التفعيلة هي القصيدة «الشرعية» والمعتمدة ثورياً على خلاف قصيدة النثر التي كيلت لها التهم وسيقت الى «الهامش».
دخل شوقي أبي شقرا عالم «الشعر الحرّ» من باب آخر هو باب المدرسة اللبنانية التي كانت تجلّت عبر أعمال الرعيل الثاني والأخير من الشعراء النهضويين اللبنانيين. وكان انضم للتو الى «حلقة الثريا» التي حاولت أن ترث هذه المدرسة وتبلورها قبل أن تتبدد ويتفرق شعراؤها، وكان من بينهم جورج غانم، الصوت اللبناني الصافي. ولم يلبث شوقي أبي شقرا أن انضم الى مجلة «شعر» ثم الى هيئة تحريرها واصدر ديوانه «خطوات الملك» عن الدار التي تحمل اسمها. وعندما صدر هذا الديوان رحّب به يوسف الخال كلّ الترحاب وكتب يقول: «حين تقدم مجلة «شعر» شوقي أبي شقرا في «خطوات الملك» إنما تقدم شاعراً نداً لمجايليه من الشعراء المعاصرين لا في العالم العربي فحسب بل في العالم كله». وأضاف واصفاً إياه بالشاعر الذي «تستهويه المغامرة في مجال الفذّ والفريد والغريب». وفي السنة نفسها كتب أنسي الحاج شاعر «لن» ورائد قصيدة النثر «الملعونة» دراسة عن هذا الديوان في مجلة «شعر» متناولاً فيها «اللغة البيضاء» و «المزاج البسيط المدهش» و «اللذة البصرية والفنية» التي تتيحها القصائد و «الحيلة» التي يعتمدها شوقي أبي شقرا في صنيعه. وكم أصاب الحاج عندما تطرق الى التفرد اللبناني الذي تميّز به أبي شقرا، هذا التفرد الذي لم «يقطع الأسباب بينه وبين الروح الجبلي اللبناني» على رغم انقطاعه عن «الأدوات المهترئة» التي تكثر عند غالبية شعراء الجبل، وعن التقاليد الريفية اللبنانية، بحسب تعبير الحاج.
قد يكون صدور الطبعة الثانية من هذين الديوانين بعد مضي نحو سبع وأربعين سنة على الصدور الأول مناسبة لقراءة بدايات شوقي أبي شقرا التي يمثلها هذان الديوانان، قبل أن يخطو خطواته الفاصلة والفريدة في عالم قصيدة النثر من خلال ديوانه الشديد الطرافة «ماء الى حصان العائلة» الذي حاز جائزة مجلة «شعر» عام 1962. فهذان الديوانان يختزنان أسرار اللعبة الشعرية الخطرة التي باشر شوقي أبي شقرا في خوضها وراح يطوّرها عبر دواوينه اللاحقة مثل «سنجاب يقع من البرج» وسواه.
وإذا كان «أكياس الفقراء» بمثابة الديوان الأول الذي يشوبه بعض الارتباك في مغامرة البحث عن اللغة الشعرية والمعجم والأسلوب، فهو لم يخل من علامات التجربة التي تبلورت في «خطوات الملك» وما تلاه من دواوين، في هذا الديوان الأول تتبدى الملامح الغريبة لهذا الشعر الذي هو نسيج صاحبه. والطرافة التي ميّزت قصائد أبي شقرا النثرية ظهرت تباشيرها في القصائد التفعيلية، صوراً ومجازات ولعباً لغوياً: «نحن شحوب الفقراء» يقول الشاعر، أو: «بُحّ اخضراري في النهار»، أو: «سوست أضراسه بالضحك»، أو: «يرفرف غليونه في السماء»... وملامح هذه الشعرية الغريبة هي التي ميّزت القصيدة التفعيلية التي كتبها أبي شقرا عن قصائد معاصريه. وإن بدا صوته الشعري على شيء من الرومنطيقية الثورية والواقعية الوجدانية فهو بدا محفوفاً أيضاً بجو من الغرابة والسخرية. فالشاعر الذي لا يتوانى عن استحضار بعض العناصر العادية جداً في قصائده مثل الحذاء والحمار وابريق الشاي والاسمال يلقي على نفسه تبعة إنسانية واصفاً نفسه بـ «علبة نعمى لثغور الفقراء» ويعلن أنه سيرش «الأرض قمحاً»... انها الصورة الغرائبية للشاعر مدموجة في الصورة الرومنطيقية.
إلا أن ديوان «خطوات الملك» هو الذي رسّخ شعرية شوقي أبي شقرا وأدخله هيكل الشعر الحديث. هنا نضجت أدوات الشاعر كلّ النضج وتجلى صنيعه الايقاعي المتخفف من عبء التفاعيل التي لم يتخلّ عنها. قصائد مختصرة، مقطوفة برهافة، بعيدة عن الاطناب الايقاعي المغري وعن النفس الملحمي. قصائد أليفة وغريبة في وقت واحد، تنحاز الى المدهش واللامعقول من غير أن تتخلى عن جذورها الوجدانية أو الانسانية، تغرب في الحال الطفولية منفتحة على الألم. يكتب الشاعر بلا هوادة عن العصفور والجدة والرعاة وعن الزنجي والمهرج، وعن الفستق وقوس القزح والحيوان الأبيض... حتى سيزيف، بطل الاسطورة الاغريقية الذي شغل الشعر العربي الحديث يصبح لديه كائناً آخر إذ يشبهه بـ «راقصة باليه» ويجعله «يمشي على البحار» بـ «حذائه الخفيف»... صورة سيزيف هنا كافية وحدها لادراك سرّ شعرية أبي شقرا المشبعة بالغريزة الطفولية وبالفطرة الذكية والثاقبة. إنها الغريزة القادرة على النفاذ الى عمق المخيلة بغية اطلاق الصور العجيبة والمجازات البديعة: «ها أنا وحدي كسنجاب/ ورجلاي احتضار» يقول الشاعر. هذا المقطع الشعري استوقف الناقدة خالدة سعيد في أحد مقالاتها في مجلة «شعر». وليس مستهجناً أن يمضي الشاعر في اللعبة الغرائبية ما دام «ينفخ الحبر أغاني» كما يقول. فالكتابة لديه نفخ أغان، بل نفخ صور في قالب غنائي. والغنائية واضحة في شعره، لكنها غير انثيالية، ومقرونة دوماً باللعب اللغوي والابتداع الصوري والمشهدي: «مئة فارس الى جفني/ يأتون في القطار». لكن الشاعر كما يتمثله شوقي أبي شقرا ذو حنجرة مجروحة كما يعبر في احدى القصائد وقد جرح حنجرته «حيوان أبيض» استفاق «من ثلوج الكلمة». هذا الشاعر ينتهي دوماً «ساهراً خلف الزجاج» كما يقول، وقدره أن يراقب العالم من وراء النافذة وكأنه مشهد منفصل عنه.
بعد هذين الديوانين هجر شوقي أبي شقرا قصيدة التفعيلة، لكنّ اللعبة الايقاعية لم تفارق لغته نهائياً لا سيما في ديوانه الفريد «سنجاب يقع من البرج» (1971). وحنينه الى قصيدة النثر بدا جلياً في شعره الحرّ الذي تضمنه ذانك الديوانان. يشعر القارئ الحصيف بأن الشاعر يضيق ذرعاً أحياناً بالقوافي ويودّ لو يتخلص منها ليسرح بحرية في حديقة الشعر واللغة. ولم تخل قصائد عدة من النفس النثري الذي سرعان ما تجلى في ديوانه الثالث «ماء الى حصان العائلة» حيث بدت اللعبة متفلتة تمام التفلت من أسر التفاعيل وربقة القوافي. وغدا هذا الديوان، مرآة الشاعر الحالم بنثر جديد، لبناني ولكن متمرداً على لبنانيته، حديث وطريف وساخر ومشرع على عالم المخيلة واللاوعي والحلم.
لعلّ إصدار هذين الديوانين بعد نحو سبع وأربعين سنة على صدورهما الأول يعيد الى ذاكرة قراء الشعر الحديث وقراء شوقي أبي شقرا تعييناً عملين لا بدّ منهما لدخول عالم هذا الشاعر المتفرد الذي خلق لغة خاصة وشعرية خاصة ومعجماً ومناخاً. ويوضح هذان الديوانان فرادة الخطوة التي حققها شوقي أبي شقرا مجتازاً عالم الشعر الحر الى عالم قصيدة النثر، من غير أن يحدث أي انقطاع بين هذين العالمين اللذين هما عالمه الواحد في تجلياته الساحرة.
الحياة
|