الحافة . جهاد فاضل : أي أثر ليوسف الخال ولمجلة 'شعر' في حركة الحداثة الشعرية العربية المعاصرة؟
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
أي أثر ليوسف الخال ولمجلة 'شعر' في حركة الحداثة الشعرية العربية المعاصرة؟
22/04/2007
  
 
مرت مناسبتان لبنانيتان تتصلان بالشاعر الراحل يوسف الخال، أولاهما مرور خمسين عاما على اصداره العدد الأول من مجلة 'شعر'، وثانيتهما مرور تسعين عاما على ولادته في احدى قرى منطقة وادي النصارى في سوريا قبل ان ينزح لاحقا الى لبنان ويدرس في جامعة بيروت الأميركية، اثر اختيار البعثة البروتستانتية الأميركية لوالده قسيسا على مدينة المينا قرب طرابلس.
ومع ان يوسف الخال يذكر عادة في عداد الشعراء، وله في الواقع عدة مجموعات شعرية منها 'البئر المهجورة'، و'قصائد في الأربعين'، ومسرحية شعرية اسمها 'هيروديا'، فإن احدا لا يتذكر اليوم انه حفظ له بيتا شعريا واحدا، أو ان احدا يعود اليوم الى اعماله الشعرية ليقرأها، ما عدا طلبة الدراسات الأكاديمية الذين يعودون بين الوقت والآخر الى مجلة 'شعر' التي لا ينكر احد انه كان لها دور في معركة التجديد الشعري العربي في منتصف القرن الماضي، وان كان الكثيرون يبالغون كثيرا في هذا الدور.
ومن طريف ما يرويه صديق قديم ليوسف الخال عرفه منذ كان طالبا في قسم الفلسفة في جامعة بيروت الأميركية، انه التقى بيوسف الخال في شارع الحمراء في بيروت، بعد ان أسس مجلة 'شعر' وأعلن ثورته على الشعر العربي، فقال له: 'ان مرحلتك الشعرية السابقة عندما كنت تكتب القصيدة التقليدية وتمدح بها الملك ادريس السنوسي ملك ليبيا (ليوسف الخال قصيدة في مدح السنوسي قالها فيه عندما كان يعمل في ليبيا في بداية حياته)، هي أفضل من مرحلتك الشعرية الحالية بعد ان صرت تكتب شعر التفعيلة وشعر قصيدة النثر'.. ولكي يؤكد هذا الصديق نظريته في شعر الخال السابق وكونه افضل من شعره الحداثي الأخير، قال له: ان لك قصيدة قديمة عظيمة تقول فيها هذا البيت الذي لا يمكن لأحد ان ينساه:
ان قلبي بعدما مات الهوى
قفص افلت منه البلبل!
روى هذا الصديق هذه الحكاية لأحد أدباء لبنان، فقال له هذا الأديب: 'وبماذا أجابك يوسف الخال عندما ذكرت له هذا البيت؟' اجاب صديق الخال: 'لقد اكتفى بالاصغاء، ولم يعلق.. هنا قال هذا الأديب لصديق الخال: لقد احسن يوسف الخال عندما صمت ولم يعلق، لأن هذا البيت ليس له، بل لشاعر لبناني آخر هو يوسف غصوب صاحب 'القفص المهجور'، و'العوسجة الملتهبة'.. وهذا يعني ان مثقفا لبنانيا، وصديقا في الوقت نفسه ليوسف الخال، لم يكن يحفظ له بيتا واحدا. فالبيت الوحيد الذي ظن انه ليوسف الخال كان للشاعر يوسف غصوب!
انقلاب شعري
على ان يوسف الخال وان لم يؤثر كشاعر في حركة الشعر العربي الحديث، فقد أثر في هذه الحركة ايما تأثير، برأي البعض، بواسطة مجلة 'شعر'، التي تزعمت ما يشبه انقلابا شعريا على الخليل بن أحمد الفراهيدي وأوزانه وقوافيه ومقوماته الشعرية الأخرى. فهنا أثره الذي يجب كل اثر آخر، وهنا قصيدته التي لا تتقدم عليها أي قصيدة أخرى، وبيته الوحيد الذي لا يخطئه أحد!
شكل العدد الأول من مجلة شعر، كما شكل كل عدد آخر من اعدادها، نوعا من بيان شعري جديد، وحتى عددها الأخير، الذي اعلن يوسف الخال في افتتاحيته توقف 'شعر' عن الصدور كان له دوي شديد، ذلك ان هذه الافتتاحية حملت ثورة مدمرة على اللغة العربية. قال الخال ان مجلة 'شعر' تتوقف عن الصدور بسبب اصطدامها بجدار اللغة، ماذا عنى بذلك؟ اعتبر الخال ان اللغة القديمة، أي اللغة العربية، تشكل عائقا امام الحداثة الأدبية والشعرية، وانه لا يستطيع الاستمرار بالكتابة بهذه اللغة القديمة. ودعا الخال في هذه الافتتاحية الى إحلال ما سماه 'باللغة المحكية' محلها، كما دعا الى اربع لغات جديدة تنبثق من اللغة القديمة هي : اللغة المتداولة في الهلال الخصيب، اي سوريا ولبنان والعراق والاردن وفلسطين، واللغة المتداولة في شبه الجزيرة العربية، ولغة الشمال الافريقي، ولغة مصر والسودان. وقد اعتبر، وهو القومي السوري القديم، ان العالم العربي مكون من اربع وحدات جغرافية قومية تتحدث كل واحدة منها لهجة مختلفة عن الأخرى من المتوجب تقنينها ووضع قواعد صرف ونحو جديدة لها، على غرار ما حصل في أوروبا في القرون الوسطى عندما انهارت اللغة اللاتينية ونهضت بناتها، اي الفرنسية والايطالية والاسبانية والبرتغالية وسواها، مكانها. ماتت اللغة الأم ونهضت المحكيات والعاميات وتحولت الى لغات سيدة ومستقلة.
ويبدو ان يوسف الخال قبل ان يكتب هذه الافتتاحية، استشار اركان 'شعر' ومنهم الشاعر السوري ادونيس، حول دعوته هذه، فلم يتجاوب منهم احد. فادونيس لم يجد في 'المحكية' ما وجده الخال. والآخرون لم تكن لديهم كفاءة الكتابة بالمحكية او العامية.
عندها سجل الخال موقفه من مسألة اللغة، واوقف مجلته، وانصرف بعد ذلك الى الدعوة الى 'المحكية' في منابر ثقافية لبنانية كثيرة، منها الصفحة الثقافية لجريدة 'النهار' اللبنانية التي كان يشرف عليها الشاعر شوقي ابي شقرا، وهو صديق الخال واحد اعضاء مجموعة 'شعر'.
افتقاد البوصلة الحداثية
على ان سبب نكسة مجلة 'شعر' لا يعود فقط الى رفع شعار العامية والدعوة الى هجر الفصحى في وقت كان العالم العربي يشهد موجة نهوض قومي عارمة، بل الى افتقاد المجلة الى بوصلة حداثية سوية تؤهلها لحمل رسالة تاريخية. ولو ان المجلة شكلت نوعا من 'جبهة' مفتوحة امام كل مدارس التجديد والتحديث الأدبي، لما اعترض احد على مثل هذا السلوك. ولكن 'شعر' رسمت اطارا واحدا للتحديث، كما رسمت اصوله وطرائقه وأساليبه.
بل انها لفرط دقتها في الدعوة الى نماذج أدبية وشعرية معينة، لا تأتلف في شيء مع الشعرية العربية، كانت تفرق بين 'التجديد' و'التحديث'. فإذا كان الكثيرون يرون ان التجديد والتحديث واحد، فإن 'شعر' كانت ترى شيئا آخر. لم يكن يوسف الخال، يريد للقصيدة العربية الحديثة ان تنطلق من رحم الشعرية العربية المعروفة، بل من رحم قصيدة اخرى، هي القصيدة السائدة في الغرب عموما. فما كان يسعى إليه هو 'زرع' قصيدة اجنبية محل القصيدة العربية، وجعل هذه القصيدة معيار الحداثة الوحيد. وعندما سألته مرة - بعد احتجاب 'شعر' عن الصدور- عن مواصفات القصيدة الجديدة او الحديثة التي دعا ويدعو اليها، فهمت منه ان القصيدة الحديثة تشبه اللوحة التجريدية، او القطعة الموسيقية: يفهمها كل شخص على هواه. تقول لك شيئا، وتقول لسواك شيئا آخر. بالاضافة الى ان هذه القصيدة الحديثة لا تحكمها شروط مسبقا على الاطلاق كشرط الوزن او سواه.
فلكل قصيدة عنده وزن خاص، هو وزنها الداخلي المبثوث في ثناياها، لا ذاك الوزن المعروف عند العرب.
كان ذلك الزمن زمن الانفلات والتمرد وقتل كل الآباء.
الحرية مناخ الشاعر
وقد ادلى كثيرون بمشاريعهم ولم يبق شيء ذو اهمية من اكثر تلك المشاريع التي تتصل بكتابة القصيدة، وقد ذكر الخال مرارا - وكان اكثر جماعة 'شعر' جرأة في طرح، ما يؤمن به - انه لا يجوز للشاعر العربي الحديث ان يكون اقل حرية من الشاعر الجاهلي. فكما ابتدع الشاعر الجاهلي أسلوبه الشعري، يحق للشاعر العربي المعاصر ان يبتدع اسلوبه الخاص به. وهذا من حيث المبدأ صحيح: فالحرية ينبغي ان تكون مناخا للشاعر. والشاعر لا يسأل في خاتمة المطاف عن الأسلوب الذي اتبعه، بل عما أتى به من شعر حقيقي كريم المعدن يصول على الزمن. ولكن على الرغم من صحة مبدأ الخال، فان ظروفا وملابسات شتى جعلت من مبدئه مادة معبأة بالسم والحشيش!
في رأي كثيرين، كانت الغاية التي توخاها يوسف الخال، وادواته، ومنها مجلة 'شعر'، والدعوة إلى 'الملكية' واحلالها محل اللغة العربية، هي هدم المقومات الثقافية العربية. واللغة والقصيدة في طبيعة هذه المقومات، حاول الخال، وحاول معه ادونيس بالدرجة الاولى، القطع مع الماضي العربي وعزله عن اي تأثير او نفوذ في الحاضر. وقد رغب الاثنان في احلال المادة الاجنبية، او العنصر الثقافي الاجنبي، محل المادة العربية او العنصر الثقافي العربي. في كتابه 'الثابت والمتحول' يدعو ادونيس بصراحة ما بعدها صراحة الى بناء الحداثة العربية في افق الغرب وبمواد الغرب. وهي دعوة فاسدة لم يعتمدها الغرب في حركة حداثته. ذلك ان هذه الحداثة بنيت في افق تراثه المسيحي والفكري والثقافي القديم، ولم تكن تجاوزا او نفيا لهذا التراث. وقد ذكر ت.س.اليوت، وهو احد آباء الحداثة الغربية، مرارا ان لا تناقض بين التراث والحداثة.
اقصى التجرؤ وأقصى الخضوع
اعتمد يوسف الخال اسلوب اقصى التجرؤ على التراث العربي، واقصى الخضوع والاذعان امام التراث الغربي. ففي محاضرة مشهورة له في 'الندوة اللبنانية'، دعا حرفيا الى ما يلي:
- وعي التراث الروحي - العقلي العربي، وفهمه على حقيقته واعلان هذه الحقيقة وتقييمها كما هي دون ما خوف او مسايرة او تردد.
- الغوص الى اعماق التراث الروحي - العقلي الأوروبي، وفهمه وكونه، والتفاعل معه.
- الافادة من التجارب الشعرية التي حققها ادباء العالم. فعلى الشاعر اللبناني الحديث (هكذا ورد في المحاضرة) الا يقع في خطر الانكماشية كما وقع الشعراء العرب قديما بالنسبة للادب العربي.
من يدقق في هذه الافكار يجد ان الخال ضعيف الثقة تماما بالتراث الروحي العقلي العربي (ويقصد به التراث العربي الاسلامي سواء في جانبه الروحي، أي الاسلام، او في جانبه الفكري والفلسفي والثقافي. يرفض الخال هذا التراث رفضا تاما مطلقا، ولا يكتفي بذلك، بل يدعو الآخرين إلى ان يحذوا حذوه، أي ان يتجرأوا او يقولوا صراحة يكتفي بذلك، بل يدعو الآخرين الى ان يحذوا حذوه، اي ان يتجرأ او يقولوا صراحة ان هذا التراث بائس ومتدني القيمة والاهمية. انه تراث مفلس لا يمكن ان يقدم اي فائدة في معركة التحديث. ولأنه كذلك، فعلى من يرى رأيه فيه ان يعلنه دون وجل أو مجاملة او تردد!
يضاف الى ذلك ثقة الخال المطلقة بتراث الغرب المسيحي، فهو يدعو الى الهجرة إليه وكونه، اي الى اعتناقه والتفاعل معه. وبذلك يلحق الخال نفسه بقافلة العملاء المضاربين للغرب، مثله في ذلك مثل سلامة موسى ولويس عوض في مصر، ومثل شارل مالك استاذه في جامعة بيروت الاميركية الذي امضى حياته الفكرية يدعو إلى الالتحاق بالغرب وقطع كل العلاقات مع التراث العربي الاسلامي نظرا لهزالة هذا التراث الاخير، ونظرا لعظمة التراث الغربي.
ويدعو الخال 'الشاعر اللبناني الحديث' الى الانفتاح على التجارب الشعرية التي حققها ادباء العالم، وألا يسير على الطريق التي سار عليها شعراء العرب قديما من حيث عدم انفتاحهم على شعر الاغريق وادبهم. فالخير كل الخير في انكار الشاعر اللبناني هويته، والتحاقه بهويات الآخرين، وكونها والتفاعل معها. ويمكن التعبير عن كل ما طلبه الخال منا بعبارة: اقصى الحرية في اقصى العبودية!
جرثومة التراث العربي
وتأسيسا على كل ما تقدم، يمكن القول ان الخال تقصد نفي عنصر التراث من عملية الحداثة لعدة اسباب منها انتماءاته الفكرية والفئوية والايديولوجية. بدأ الخال حياته عضوا في الحزب السوري القومي الذي كان يعتبر ان لسوريا تراثها الثقافي والحضاري الخاص المختلف والمنفصل عن التراث العربي. ومن هذه الاسباب جذور الخال الاقلوية وتأثيرات استاذه شارل مالك عليه. وكل هذه المؤثرات والقناعات جعلت من التراث العربي في نظره، جرثومة قاتلة للحداثة يتعين استبعادها لتنقية الحداثة وتحقيقها والواقع ان من يقرأ شعر الخال وأدبه يجده احيانا شعرا مسيحيا او توراتيا بحتا شبيها بشعر البابا شنودة، او شعر لويس عوض الذي نشره في مجلة 'حوار' قبل احتجابها. وكل هذا يجعل من يوسف الخال شخصية انشقاقية في حركة الحداثة الادبية العربية، لا شخصية تاريخية احدثت اثرا حقيقيا ونزيها ومجردا في اطار هذه الحركة. فهو اقرب الى الاديب او الشاعر الاقلوي، منه الى الاديب او الشاعر العربي الذي كانه على سبيل المثال خليل حاوي او بدر شاكر السياب او صلاح عبدالصبور. 
جريدة القبس 
الحافة : .. 2006