|
مجلة "سيميائيات" أولويات التخصص، ورهانات العوربة
20/04/2007
صدر العدد الأول من مجلة "سيميائيات" في خريف السنة الماضية، وتسعى المجـلة مع حلول هذه السنة إلى إطفاء شمعتها الثانية. تصدر المجلة عن "مختبر السيميائيات وتحليل الخــــطابات" (جامعة وهران)، وهي مجلة أكاديمية محكمة، يرأس تحريــرها الأستاذ د. أحمد يوسف، ويديرها الدكتور ناصر اسطمبول، تضم هيئة استشارية دولية تحتضن خيرة الأقلام المتميزة ، على غرارعبد الملك مرتاض ورشيد بن مالك وعبد الحميد بورايو من الجزائر، وسامي أدهم من لبنان، وسعيد يقطين وسعيد بنكراد من المغرب، و محمد ناصر العجيمي من تونس،و سمير شريف استيتيه من الأردن، وسعيد توفيق من مصر، وعبــد الله ابراهيم من العراق، وديــنا ماريا مارتينيز من البرازيل، وأندريا غابريلا من إيطاليا. لمجلة "سيميائيات" قصب السبق في شق طريق التخصص وطنيا ودولـيا، كونها تعنى بالأبحاث السيميائية مشتملة مختلف التوجهات النظرية لفكر العلامة، وذلك في محاولة منها للـرقي بأصول هذه المعرفة لجعلها طيعة للقارئ العربي. إذ تنبني استراتيجيتها العلمية على فحـــص المرجعيات الفكرية والفلسفية لهذه المعرفة، ومن ثم الوقوف على مفاهيمها ومقارباتها الإجرائية. تنضوي المجلة ضمن مشروع يسعى من خلاله مختبر "السيميائيات وتحليل الخطاب الأدبي"، كما يقول أ. د. أحمد يوسف" إلى استثمار النظرية السيمـيائية في تحليل الخطابات المختلفة التي تشتمل على الآداب والسينما والمسرح والإشهار...إلخ، ويضع ضمـن استـراتيجيته إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي على ضوء هذه المعرفة الجديدة، وكما يطمح إلى التــقريب بين الحقول المعرفية والعلمية والتضافر بينها مثل اللسانيات والمنطــق والفلسفة وعلم الاجتماع والأنثـروبولوجية والرياضيات والإعلام الآلي والطب؛ لأنها تلتقي عند مفترق العلامة".وبذلك تغدو هذه المجلة منبرا فعليا، وفضاء خصبا لاستثمار هذه الطفرة العلمية.
استهل العدد الأول صدوره، ضمن حيز التقاطعات المعرفية والابستيمية، حيث كان لحقل المرجعيات الفلسفية مركز الصدارة، أسهم من خلاله الفيلسوف سامي أدهم (لبنان) بـمقال حول سيميائيات النص الفلسفي، تبنى فيه طرح الخصيصة الكاوسية على نطاق الأنساق الدالة، معتمدا في مقاربته هذه، مقطعا من إحدى مقاطع قصيدة لـ:برمنيدس. إذ انبنى نص مقاله على أسئلة ثلاثة جاء سردها كالآتي: كيف يكون النص الفلسفي من خلال اللغة الطبيعية كاوسيا؟ كيف تحتضن اللغة الكاوس، وهي التي تعقلن الواقع بنحوها المنطقي؟ وهل تصلح الأنساق السيميوطيقية في حقل الكاوس؟. ومضى أحمد يوسف (الجزائر) من بعده، يستكشف عوالم السيميائيات الكانـطية، في مقال تبنى من خلاله الخيار الأركيولوجي، انطلاقا من الانعطاف الذي شهده نقد الفلسفة الأرسطية، إذ نلفيه منشغلا بفحص الفرضية التي تبنتها ليا فورميجاري المتعلقة بإبراز" العلاقــات المتباينة بين الكانطية والسيميائيات التجريبية انطلاقا من المفهوم الكانطي للتمثل والنظريا ت الدلالية...". لقد شكل مقال الباحث عبد الحق بلعابد ( الجزائر) حول السيميائيات الــقانونية، منعطفا لولوج صرح السيميائيات السردية، وتقفي آثار مدرسة باريس التي ما انفكت تنشغل بالتنــظير السيميائي لمختلف الخطابات القانونية، والسياسية، والفنية، والدينية والأدبية، ويندرج هــذا المقال ضمن البعد التأسيسي للسيميائيات القانونية التي أضحت تشق طريقها بخطى محتشمة، "فما أحوج المشرع العربي- كما يرى الباحث- لمثل هذا الطرح السيميائين والتمرس بمهاراته الإقناعية لمواجهة خطابات هذا المجتمع العولمي وهي تحاجه بتقنياتها في ظل مفاوضات الشراكة الدولية...". يظهر الناقد عبد الله ابراهيم (العراق) في هذا العدد، بدراسة مطولة ومعمقة حاول من خلالها رسم خارطة للسرد العربي في القرن التاسع عشر، بوصفها تشكل معلما حقيقيا في تاريخ الكتابة الروائية العربية، ومثل هذه المدونة السردية تبدو في نظر الباحث" شديدة التنوع و الثراء، ولعلها الوثيقة الرمزية الأكثر تعبيرا عن الانتماء المزدوج لأسلوبين ورؤيتين ونسقين ثقافيين؛ فهي تتصل بالمدونات والمرويات السردية في كل ذلك، وتنفصل في الوقت نفسه عنها...".
لقد شكلت الكتابة الروائية عند فرج الحوار للناقد الطاهر رواينية (الجزائر)، عينة مدوناتية عن الرواية التونسية، دأب من خلالها على فحص قيمها التجاوزية في محاولة مـــنه لبناء شعرية للانتهاك،كونه يلفي"نزعة فرج الحوار نحو إنجاز كتابة روائية غير مألوفة متساوقة ومتزامنة مع نزعة الكتابة الروائية المعاصرة لتجاوز مقولة النص النموذج، وإسقاط مقولة الأجـناس الأدبية، والعمل على خلخلة وخرق كل ما يرتبط بها من جماليات وقيم نصية تمت بصلة إلى جمــاليات التمثيل والتشخيص...". لا تنفصل التداوليات عن اهتمامات المعرفة السيميائية، بوصفها تنهض على مدارسة الكلام بمختلف أشكاله، وقد كان لـ: محمد نجيب العمامي (تونس) سهم في تقديم مقاربة تداولية للنص السردي التخييلي، انطلاقا من المقامة البغدادية للهمذاني." ورغم أن التداولية-كما يقول الكاتب- اليوم تداوليات، وأن النظرية التداولية المتكاملة لمقاربة النص الســـردي التخييلي لم تنجز بعد فسنحاول، انطلاقا مما توافر لنا من زاد نظري، تحليل مقامة من مقامات الهمذاني...". تتأرجح السيميائيات في مقاربتها للنصوص بين الملفوظ والتلفظ، ويمكن للأنواع الملفوظية أن تشكل محورا للدراسة في أي نص. وضمن هذا المنحى عمدت الباحثة مــها بياري (سورية) إلى تقديم دراسة ملفوظية لأنواع الاستهلال في الرواية.إذ ترى الباحثة أن الدراسة السردية الحديثة قد أعطت" أهمية كبيرة لدراسة الاستهلال في الرواية، بوصفها الكلمات الأولى التي ترشد القارئ إلى مدخل الرواية أو على العكس من الممكن أن تؤخر ذلك...". استطاع الشاعر د. ناصر اسطمبول (الجزائر) أن يلج عالم الأيقونيات من بابه الواسع، عـبر مقال تبنى من خلاله خيار البحث في بصريات الفضاء الشعري المعاصر، وذلك لأنه يــرى "أن تشكل القصيدة العربية المعاصرة ينحدر أساسـا من أثر الفنون في أبنيتها، إذ لم يعد النص الشعري رهن ثقافته، أو محصورا ضمن معيارية اقتضتها طبيعة لغته، وفي المجمل خـــرج عن مواصفات التشكل الأجناسي للشعر، حيث امتد تشكله البنائي إلى أبنية أجناس فنون أخرى...". وقد شاركت في هذا العدد الباحثة قوتال فضيلة (الجزائر) بمقال تبنت فيه المشـروع النقدي لنظرية غريماس السردية، منطلقة من تفسير السيرورة الدلالية للنص.ذلك أن حياة النص الأدبي في نظرها" لا تنحصر في وجوده، بوصفه معان متراصة أو علامات متكافئة، تظل حبيسة أوراقها، إنه المتجدد مع كل قارئ، ليحيا إزاء ذلك مع كل قراءة حياة جديدة، متميزة بمعان جديدة...". ولم يغادر الباحث عبد القادر فهيم الشيباني (الجزائر) خط البحث في مستغـلقات العلامة، حيث نجده في هذا العدد يصرف الأنظار، على خطى جوزيت راي-دبوف، إلى الأنماط الانتظامية للأنساق الدالة، مستهدفا بشكل خاص، إماطة اللثام عن البعد الواصف فيها، في مــقال موسوم بعنوان" السيميائيات وآفاقها الواصفة". للمجلة نصيب من المقلات المترجمة، حيث ضــم هذا العدد ثلاث مقالات قيمة لكل من بوريس إيه أوسبنسكي "سيميائيات الفن"بقلم المترجم عبد النبي اصطيف (سورية)، و جون ليك شاليمو" الأيقونة الخطية" بقلم عمارة كحلي،ومقال آخر لـ:بول ه. غرايس" المنطـق والمحادثة" ضمن ترجمة مشتركة بين الباحثين محمد الشيباني وسيف الدين دغفوس(تونس). سجلت المجلة تميزها باستقطاب المقالات المكتوبة باللغتين الفرنسية والإنجليزية، تصدرها مقال لـ:محمد ناصر العجيمي(تونس) حول "مشــاهد سوء الفهم"، منطلقا في بحثه هذا من مبدأ "الاستكمال" الذي أطلقه ف. فلاهوت، وهي وظيفة تنبني أساسا على نطــاق المقاطع الحوارية للكلام؛ وظيفة قد تدعم بشكل كبير المظهر التداولي في النصوص الأدبية حال ما يتسرب المعنى بين جنبات العلامات، وذلك سواء أتعلق الأمر بكلام مفترض، أو مضمر، أو تلميحي. ينصاف إلى ذلك المقال النوعي الذي أطل به الباحث محمد سعيد المرتجي( فرنسا)، تناول فيه بالتحليل دراسة النص المتحفي، فاستوقفته عينة من المتحـف الفرنسي للفن الإسلامي. إن النص المتحفي ؛الذي قد نجده معلقا بين أروقة المتاحف، يشغل حسب المؤلف،"حيــزه الخاص داخل المحيط الفضائي-البصري"؛ مظهرا بجلاء قدرته المقروئية لدى المشاهد. وفي السياق نفسه، كتبت الباحثة دينا ماريا مارتيناز فريرا( البرازيل) مقالا، تنــاولت فيه إشكالية الهوية الاجتماعية، انطلاقا من تحليلها للخطاب الأنثوي لكل من الملكة الأسبانية ماريان، ورويزيانا حاكمة مارنو، وذلك ضمن نطاق" العلاقة القائمة بين الفضاء التاريخي للعالم الموضوعي والفضاء المؤسس في لغة الخطاب الإعلامي بوصفها عاملا مكونا لمعنى الهوية الأنثوية...". وقد كان لسيميائيات شارلز سندرس بورس حضورها في هذا العدد، حيث تناولت الباحثة آندريا غاربيجليا(إيطاليا)، بالبحث قضية تطور المتصورات المتعلقة بالمثلث السيميائي بين ج.س. بيطوفي وشارلز سندرس بورس. لا يمكننا في الأخير إلا أن نستبشر خيرا بهذا المولود الجديد، راجين أن يحظى بدعم حقيقي ومستمر، فالمشروع يبدو ضخما وخطواته تبدو عملاقة.
|