الحافة . عبدالحق ميفراني : تفاحة الصحراء.. لمحمد العشري
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
تفاحة الصحراء.. لمحمد العشري
20/04/2007
  
 
رواية تعرفنا علي أدق تفاصيل المكان
مجازات الصحراء وحكاياتها المنسية
 
يؤكد الروائي المصري محمد العشري من خلال إصداره الروائي تفاحة الصحراء عن وعي مسبق بمتخيل الصحراء المطلق، إذ يقدم النص الروائي قدرة فائقة علي الإمساك، بعوالم التيه الممتدة وبعوالم دفينة في أقاصي الامتداد..
لا حد للمكان، ولا يستطيع السارد أن يتجاوز مداخل الصحراء من البوابات الأولي، عكس ما حفل به نصه الروائي هالة النور الذي وظف متخيلا عجائبيا وهو يحفر في أقاصي صحراء ليست كالصحراء التي تحضر في رواية تفاحة الصحراء.
في هذا النص يتحول المكان الي ذاكرة مشبعة بالمحكي وبالآلام، وبحالات الفقدان، فمن خلال لقاء المهندس تامر الدكر مع الطفل صميدة تنكشف تفاصيل وعوالم حكايات الحرب، الألم، والغياب. لكن، الأساس يظل رؤية النص الروائي وهو يأتي محملا بمتخيل دفين للمكان، والمكان هنا، الصحراء وهي موشحة بالذاكرة المتقدة. والتي لا زالت تفوح بأسرارها كلما انفجر لغم، أو عبرت سيارة اتجاه المدي، أو حلول من يبحث عن فقيد، المقبرة وعمالها وحراسها يتحولون لحاملين لسير المكان. وكل حبة رمل تشي بتفاصيل لا تنتهي إلا لكي تبدأ.

* * *

التنقيب عن النفط، الجيولوجيا، الحفريات، الصيد، الرعي، الدفن، العبور ومتواليات تتجه جميعها الي الكشف عن هذا السر المكنون التي استطاعت الجغرافيا أن تحوله لبعض من الحكاية وليس جميع الحكايات إلا مفتتح واستهلال للبدء، والسارد مؤطر للجغرافية، ومهندس بارع في التنقيب بل وأكثر حتي في التحليل، فالصحراء رمل وحيوانات وإنسان والمجهول والمنسي.
وفي رصد هذه التفاصيل، استطاع السارد أن ينقل جزءا من حيوات لا تنكتب إلا داخل متن تفاصيل الإنسي. وعبر هذا الامتداد تتشكل حكايات تامر وعبدالرحمن وخالد والجيوش الألمانية والإيطالية والبريطانية، ويظل الطفل صميدة ساهرا وشاهدا علي الزمن الآتي، والذي قد ينكتب في حكايات هؤلاء الذين عبروا من جغرافيا تظل تسكنهم الي الموت.
في رواية تفاحة الصحراء تبدو مقولة الموت أشبه بالقدرية، فكل الشخوص تنتهي الي هذا المآل، لأنه أشبه بالخلاص. فالجيولوجي تامر مهندس في محطة بريمة للتنقيب علي النفط، لم يدرك أن رحلة صيد رفقة جون ستؤدي لإصابة هذا الأخير إصابة بليغة بعد انفجار لغم دفع بالسيارة الي الانفجار مما أدي بمرؤوسيه الي طرده. والشيخ عبد الرحمن يلتقي ابنة دونا ماكسويل الملازمة التي خبأ عشقه لها في قلبه منذ شبابه، وخالد نجا من القتل والموت بأعجوبة تعب من البحث عن الطبيب الذي أنقذه، فاختار التيه والطفل صميدة يرغب في أن يريح والده من التعب بعدما كبر في السن، أما المقبرة فتحولت الي لقاء التاريخ والحقيقة، خليط من الحب والبحث والتيه وسط جغرافية الصحراء الصامتة/ الغولة :
في تلك الصحراء الغولة يتناثر كل شيء فيها دون أن تمتلئ، فتبدو مبقعة بالناس والحيوانات والطيور والحشرات والأشجار والحشائش والأعشاب والألغام..في اليوم الواحد تستطيع أن تري الفصول الأربعة متعاقبة ومتداخلة دون حدود واضحة.
هذه هي الصحراء التي تولد الحكايات المنسية، وهي الجغرافية المفتوحة علي المتخيل الحكائي كما يقترحه نص تفاحة الصحراء. متخيل منفتح علي عالم مركب، حيث يتوحد الحب بالفقدان والبحث بالتيه، ويتخذ شكل الحكي تسلسلا منطقيا، محكوم بمفارقات زمنية إذ يتحكم الاسترجاع /flash-back في مستوي الحكي، سواء من خلال العودة الي ماضي الشخصيات أو الحرب العالمية. التي امتدت لصحراء مصر، ومن خلال هذه المفارقات يتم تكسير انتظام الحكي. لكن، الماضي لا يحضر كذاكرة، أكثر منه ماضي ممتد في راهن الحكاية/الأساس، ثمة شخصيات محورية ثابتة في تفاحة الصحراء، تامر و عبدالرحمن لكنها تحضر بنفس قوة حضور الصحراء كشخصية ثابتة ومحورية هي أيضا بحكم أن حيز حضورها يوازي حضور الشخصيات الحاضرة بالنص الروائي بل وأكثر. وإضافة الي هؤلاء ثمة شخصيات ثابتة لكنها لا تحضر إلا كمشاركة في نمو وتدرج الفعل الحكائي نذكر منها :
صميدة ­الملازم دونا ماكسويل­ كيوديني ­جون­ خالد.
الطفل جويدة ­الشيخ حمد­ عبدالمطلب عبدالسلام­ مايا..
إضافة لهذا الحضور تشكل الصحراء بحضورها المهيمن قوة في بناء خطاب تفاحة الصحراء ويشاركها في هذا الفعل: الضبعة الثعلب­ النباتات الجمل الحشرات الطائرة الحية الماء الرمل­ الغزالة.

* * *

الي جانب الحكاية الأساس يستحضر السارد حكايات تتقاطع مع الحكاية الأم، فالمقبرة تضم رفات الجنود الذين فقدوا أو قتلوا أثناء الحرب العالمية، في إشارة لمعركة العلمين، وخلالها نكتشف تداخلا لخطابات أخري داخل الخطاب الروائي. ومن أهمها الشعري والتاريخي:
'أعلن موسوليني مؤازرة النازي، ودخول بلاده الحرب طمعا في التحكم في البحر المتوسط وقناة السويس، لأنها رأت أن من يتحكم في هاتين البوابتين يستطيع أن يجذب ذلك الحبل، ويخنقها، يشد الحذاء من قدم أوروبا ص24.
لكن، أهم خطاب يثيرنا في تفاحة الصحراء هو هذا الحس العلمي، المختبري التحليلي، وفيه يقدم السارد معرفة مضافة بأقانيم الخطاب العلمي، لكن، وفق خاصية اشتغال يظل السردي فيها مهيمنا بالشكل الذي تصبح الحكاية تنمو في اتجاه وحدة كلية موحدة للخطابات علي تشكلها.
في رواية تفاحة الصحراء نتعرف علي حركة الهواء، علي أنواع النباتات، وعلي أنواع الصخور، علي نفسية الجمل، وعلي الصحراء، رحم هؤلاء وجب الحكايات الدفينة. يتجه النص الروائي الي إبداع خصوصيته، من خلال قيم جديدة تساهم في خلخلة الثابت في مستويات المنجز الروائي العربي، إن نصوص محمد العشري حين تشكل جغرافيات لذاكرة الصحراء، فإن نصوصه الروائية تفتح متخيلا غنيا، الأكيد، أنه سيغني المكتبة الروائية العربية وتميزها.وحين يصرح هو نفسه أن الحياة نعيشها دهشة بدهشة، نكتشف صحراء الروح ونعمرها بالروايات، نحلق في سماء الواقع ونتنزه في الخيال فإنه يسر بأفقه الخصب، ليس إلا..
 
الحافة : .. 2006