|
مستقبل الشعر
18/04/2007
منذ ثلاثين عاما وأنا أكتب الشعر من دون أن أرى في الأفق مستقبلاً لي سواه، أكتبه وكأنني أمارس، ظاهرياً، عبثاً وعَدَمَاً خلاقاً طلع الكون منه. للوهلة الأولى قد يبدو للقارئ العجول أننا قد وضعنا مشكلة عريضة مثل مشكلة مستقبل الشعر في إطار تجربة محض شخصية- ولا يستطيع شاعرٌ إلا أن يفعل ذلك في يقيني مهما حاول التقرُّب من الحقل التحليلي-، لكن تأطيرا شخصيا مثل تأطيرنا لن يرى الأمر إلا بموضوعية عالية من الجهة الأخرى. ومهما بدا هذا الأمر متفارقا ومتناقضا فهو يفضح أن الشعراء، بفعل اتصالهم الحميم لكن السريّ (وهو حميم لأنه سري وبالعكس) بجمهور ما، جمهور افتراضي أو فعلي ما، يَعْرِفون حدودَ مسألة مستقبل الشعر ويُعَرِّفونها بدقة أكثر قليلا من أقرانهم.
فالمتلقون الكرام والنقاد الموضوعيون والذاتيون قد لا يحتفظون بالحرقة الكاوية ذاتها عن الشعر ومستقبله الغامض بإحْكامٍ، بفعل احتكامهم لشروط أخرى (أخرى!) مهما كانت درجات الأريحية التي ترجّ قلوبهم النبيلة.
منذ ثلاثين عاماً وأنا أخاطب مستقبلا للشعر مجهول الملامح، كتابةً شعريةً أو تحليلاً جمالياً، وحدي غالباً وفي ما خُيِّل لي أنه عزلة ميتافيزيقية شعرية لا براء منها، وها هي مثلاً مرة من المرات – في استفتاء مثل استفتائنا الحالي- التي أجد لي فيها كوة جديدة للاتصال بالعالم الكبير البعيد عن عالمي الصغير، وأجد بالنتيجة مستقبلاً شعرياً طفيفاً حميماً، موطئ قدم ثقافي - حتى لو كان بشأن سياسات الشعر واستراتيجياته وليس إزاء نص شعري من النصوص - وفي بلد عزيز مثل المغرب. أجد، بمعنى من المعاني، مستقبلا وأفقا جديدا للنص الشعري. إن قياس مستقبل الشعر لهذا السبب هو قياس للرقعة بالغة الصغر والهشاشة والحساسية للمُصْغِين القلائل لنبضات ما نسميه شعراً. إن تكاثرهم يدل على أن ثمة عافية وأملاً، وهذان الأخيران ينموان ببطء شديد مرير لكنه يطلع واثقاً بإيقاع هادئ مثل نمو النبتة. لقد كان الشعر يتيماً على الدوام، يتيماً مشحون القلب بكل أسى وكل فجيعةٍ وحقيقةٍ، بل بكل اغترابٍ مُضاعَف (هذا التضاعف الذي كان ريلكه يلح عليه)، وكل جمال عذب ومر، مشحون القلب بالأسى حتى لا أقول أنه مبلول العينين.
سأقول دون مواربة أن ازدهار فعل القراءة وتثقيف الحواس وهما عمليتان سوسيولوجيتان شاملتان، يوسّعان من امكانيات المستقبل الشعري. وهو ما يحدث في أوربا وأمريكا اللتين لا تعانيان، بالحدة ذاتها، من وطأة الإشكالية المقترحة عن مستقبل الشعر مثلما نعاني نحن رغم كل مزاعمنا عن كون الشعر هو إرثنا الإبداعي التاريخي والوجداني الضارب فينا. ذلك الازدهار هناك، ليس سوى ازدهار مُلتبس للكائن الآدمي الذي يقع الشعر في قلب مشاغله بطريقةٍ من الطرق.
لنر بأن ازدهارَ الإنسان هو ازدهار لمفهوم الاستعارة التي هي الآن، في يقيني، جوهر الشعرية. مثل هذا الازدهار سيحوّل بفعل الكلام الإنسان نفسه إلى أفق راقِ، إلى أفق مهذب، إلى مستوى عالِ من الاستخدام اليومي للعبارة المشذَّبة ومستوى ثانٍ من المخاطبة للآخر، المخاطبة مُداوَرَة، وبرهافةٍ، وبطريقةٍ سيسميها ابن خلدون بالكيِّسة، أي أنه سيرفع العبارة العادية إلى مصاف الاستعارة: الشعر.
لنتجوّل في العالم العربي ولنر أن ازدهاراً، مهما كان طفيفاً، لعملية القراءة في بلد معين مقابل تراجعها الدرامي في بلد آخر منه، وأن تشذيبا صغيرا للحواس في المدارس كما انتعاشا روحياً نسبيا للبشر في رقعة منه مقارنةً بتخلفها المهول في بلد مجاوِر، مؤثرات بوضوح في نسبة قراءة الشعر والحساسية إزاءه تأويلاً وتقبلاً.
لكن تحوُّل الفعل الشعري، إبداعاً وتقبلاً، إلى نشاط نخبويّ ضيق كما هو حادث في مجمل الثقافة العربية هو دليل اختلال واختلاط وتدهور، ليس في الحقل الأدبي وحده.
أنْ يكون مُنـْتِج الشعر اليوم هو قارئه، يعني أن لا قرّاء للشعر اليوم ولا إقبال لهذا السبب على نشره.
مستقبل الشعر رهين بالمحيط الثقافي، وأكاد أقول السياسي بمعناه اليوناني: فعل المواطن في المدينة cité. إنه رهين بالمستوى الثقافي العام للفرد العربي، وحساسية مساهمته في تشييد عمارة الجَمَال. لذا فليس الشعر قارةً منعزلةً رغم أنه الصوت الأجشّ، بل الأبحّ المنفرد في براريها، غير أن هامشيته المبحوحة تظل قادرة على الوصول، بسبب بحتها بالضبط، لأوساط كثيرة.
إن الهامشيَّ جوهريٌّ وجذريٌّ في حالاتٍ كثيرة، لعلّ الشعرَ دليلٌ باهرٌ عليها.
مستقبل الشعر لصيقٌ بمصير البشرية، ويمشي وحده ثابت الخطى بالتوازي مع المتغيرات التقنية ووسائل الاتصال السمعية والبصرية، لأنه يحوُّرها لصالح رؤيته الخاصة به. إن دراسة الصورة أو الإشهارات الحديثة أو مجازات الوسائط السمعية والبصرية، ستدل عينا ثاقبة أن الشعر يتغلغل حرفياً فيها كلها، وحاضر لهذا السبب بقوة في العالم.
إن تهميش المكتوب، الراقي، الشعري في ثقافة العرب الراهنة، لصالح فضائيات هوائية ومطبوعات ممحوة مهمومة بالآني، الجنسي اللبيدوي باسم التحرّر، أو الغاضب السعاري الشعاري باسم الاتجاه الآخر، سريعات العطب لا تصلح دليلاً على مصائر البشر جميعاً ومراجعهم الروحية، لأن الغالبية السائدة مما هو متدنٍّ ثقافياً، شعرياً وأيقونياً، وعلى كل صعيد لم تعُدْ مثالاً أو مرموزاً صالحاً لقياس شيء. العكس هو الصحيح في الغالب: فإن الأقلية المركونة جانباً هي الضمير المقدَّر لضمائر مستترة. هذه الأقلية هي خيرة شعراء العرب كما أظن.
ومن دون مكابرة من ذاك النوع المعروف لدى المظلومين نفكّر ونقول: إنْ لم يربح شاعرٌ عربيّ معاصر شيئاً مادياً كبيراً مثلاً لقاء جهده الإبداعي المثابِر مقارنة بمغنية ساذجة تغني "طقطوقة" مسجوعة فلا يعني الأمر أن المستقبل "للطقاطيق" الشعرية والنثرية والإعلامية على مستوى العالم العربي.
مستقبل الشعر مرهون بكمية العناء الإنساني المُختصر في قصيدة فريدة. وهي قضية لا شأن لها بالحسابات قصيرة النظر ولا بالفترات المظلمة (تسمى المنحطّة غالباً) في تاريخ أمةٍ من الأمم.
أظن بأننا نعيش عصر انحطاط عربي فريد، بعد نهضةٍ قصيرةٍ سرعانَ ما أجهضتْ، وأظن أننا نعيش في (فتنة كبرى) جديدة ضاربة من جهة أخرى في بلدان كثيرة لا تُقارن إلا بالفتنة الكبرى التي نعرفها تقريبياً في كتب التاريخ. غير أن لا هذا ولا ذاك قد قاد إلى انحطاط شعري بالفعل، وبالتالي فلو أن مصائر الفتن الكبرى الممتدة أفقيا قد صارت إلى الزوال فلا أظن أن تجربة الشعر العربي المحايث لها كانت من الطبيعة الأفقية نفسها، وأنه لن يصير بالتالي إلى المصير نفسه لأنه ذو طبيعية عمودية في أحسن نماذجه، أي أنه يضرب في باطن ضمير إنساني له أفق مختلف تماماً. أفق شعري.
إن أفضل نماذج الشعر العربي المعاصر تقدِّم للمستقبل شهادات لا تقدّر لكنها غير مسموعة اللحظة. ويقوم الشعراء الآن، كما أزعم، بدور الشهود في الأقل، وهي مهمة تندرج في الجماليّ اللائق بالمستقبل وبالمحلوم به. لم يعد الشعر محض شهادة على حقبةٍ كما نعرف، لكنه يقوم بذلك رغماً عنه، سواءً عبر لغته المخلوطة بلكنات عصره أو عبر اهتمامات زمانه التي تطلع منها العبر الكونية الشاملة.
الشهود ذوو الأعين النجل اليوم هم خيرة الشعراء العرب، خاصة المهمشين منهم. أظن مرة أخرى جازماً أن المستقبل للشعراء البارعين المهمّشين في ثقافة العرب القائمة دائماً على فكرة (الواحدية) على كل صعيدٍ دينيّ وعائليّ وشعريّ. لنضفْ للواحدية الشعرية العربية هذه فكرة (النجم الشعري)، كبيراً أو صغيراً، المصنوع عبر الأكذوبة الإعلامية أو السياسية أو الإيروتيكية، خاصة في بلدان عربية محدّدة، أو الإشاعة المعمَّمة حيث لا يقرأ أحدٌ قدر ما يتسمّع ويتلقط الأخبار، أو عبر عمل حثيث من أعمال الشطار النافقين المال على كتبهم وبريدهم وسفراتهم للترويج لبضاعةٍ لا ندري بعد قيمتها. إن قيم الشطارة، في غياب النقد والمؤسسات وشيوع الإشاعات، ستؤثر إلى حين في المستقبل القريب للشعر العربي ولكن ليس في مستقبله الأبعد.
إن اختلال قيم الاتصال القديمة بين القارئ والنص الشعري، القائمة على الكتاب المطبوع فحسب أو النص المنشور فقط في صحيفة، لصالح منظومة ميديا مختلفة جوهرياً، الأنترنيت، سيعمل عمله في مستقبل الشعر ولصالحه في الغالب. سيبقى للديوان الشعري نكهة وعبق لا يُعوَّضان، لكن الأنترنيت يفكك تفكيكاً النسق الواحدي، القمعيّ في جوهرة للاستئثار بالنشر والترويج وحتى ترجمة الشعر، في العالم العربي. وفي عملية التفكيك المستحبّة عربياً إلى أبعد الحدود ثمة بالطبع مشكلات من نوع غير مألوف حتى الآن، ففيها ستنشأ علاقات جديدة لا يستطيع العقل النقدي الرصين ممارسة سطوته عليها، أي سجاله العميق معها، وستنسرب بكل اتجاه. لكن انسرابها أفضل دائما من الواحدية القهرية في الثقافة العربية.
ثمة مستقبل من نمط غير معهود سابقاً للشعر وهو يتجوّل في شبكة الأنترنيت عابراً للقارات ضمن اشتراطاتٍ ثقافية مُعَوْلَمَة، تنطوي على المخاطر كما تحتوي على الفضائل. أتكلم بالطبع عن اشتراطات جمالية قبل أي شرط آخر. هناك أصوات شابة طرية، وهناك تجارب نسوية جريئة وهناك مثقفون لن يكونوا مقبولين البتة في ثقافة العرب، ممن عبروا جميعاً عن نزعاتهم الشعرية، ركيكة المستوى أو رصينته، بسرعة لم تكن ممكنة في ظل نسق التواصل ما قبل- الأنترنيتي. وفي خضم هذه الحركة المستجدة للشعر وقعت سجالات واستشهادات في أوساط جديدة تماماً على الوسط الشعري وفي بقاع نائية وأرياف بعيدة في العالم العربي. لنعترفْ بأننا كسبنا قراءً جُدداً لم نكن نتوقعهم من المغرب مثلا ومن الجزيرة العربية خاصة. الواحديون والمكرّسون عن حق وباطل والريادات الأزلية وبعض المعروفين أكثر من غيرهم في أجيالهم لن يرضيهم، بل سيستفزهم أمر مثل هذا، لكنهم لن يمتلكوا أبداً ردة فعل فاعلة إزاءه. ثمة وفرة تصل حد الإفراط في الوسائط الجديدة وثمة استسهال في كتابة الشعر وترويجه على الأنترنيت، وكلها ظواهر ستصير إلى زوال. المستقبل سيبقى، كما ظل على الدوام، للنصّ الشعريّ الباهر.
"الشعرُ ضرورةٌ، وآهٍ لو أعرف لماذا". صرخة جان كوكتو الملتاعة تبرهن على كل حال على أن الشعر ضرورة. أن نعرف لماذا هو ضرورة معناه أننا نقف في محض تأمل مفيد. فالشعر يقول المعنى الخفيّ والحميميّ في العالم والظاهرات الكبرى فيه والعلاقات السرية بين كائناته، البشرية وغير البشرية. تقع ضرورته في أنه يقول ما لم يقله النثر العادي وأنه يقتنص العلائق الداخلية بين الأشياء، بطريقة فيها الكثير من (الانفعال) والكثير من (التعقل) في آن واحد وبالتزامن. وهذان الأمران هما ما سمحا، من جهة، بإقران الشعر بالفلسفة لجهة قدراته التجريدية في قول الظواهر والمعاني، وربطه من جهة أخرى بالغناء أو المشاعر الحارة أو العواطف الدفاقة. البلاغة الشعرية، إذا ما فهمناها بمعنى قدرات المجاز على القيام بعملتي الربط المتزامنتين الموصوفتين أعلاه، وليس كما تفهم غالبا في بعض الكتابات النقدية الجاهلة على أنها تكلّف وتقعّر والوقوف عند تخوم الماضي، البلاغة والاستعارات الضاربة في الروح تبرهن على أن المستقبل ظل دائما للشعر بسبب قدراته على بث المعاني الوجودية الأساسية الكبيرة. وسيظل...
|