الحافة . حسونة المصباحي : أندريه جيد: متعة السفر إلى شمال افريقيا.. والتوق إلى التحرر
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
أندريه جيد: متعة السفر إلى شمال افريقيا.. والتوق إلى التحرر
16/04/2007
  
 

كان أندريه جيد "1869-1951" أول من فتح الصفحة الأولى فى سجل الأدب الفرنسى فى القرن العشرين. وهو الذى عاش جزءا لا بأس به من القرن التاسع عشر وتعرف على أبرز أدبائه وشعرائه، ولم يشتهر ولم يبدع أعماله الأساسية إلا فى القرن العشرين وذلك بعد أن تجاوز سن الأربعين. وكان جان بول سارتر على حق عندما كتب عام 1951، فى النص الذى خصصه لتأبينه يقول: "كل الفكر الفرنسى خلال الثلاثين سنة الأخيرة شاء ذلك أم أبى، وبقطع النظر عن صلاته بماركس وكير كوجارد وهيجل، لا بد أن يعرّف أيضا نسبة إلى أندريه جيد".

ينتسب أندريه جيد إلى عائلة مختلفة الجذور، فأبوه من "الهوجنوت"، وكانت عائلته متوسطة الحال، أما أمه فنورمندية "نسبة إلى منطقة النورماندى الواقعة شمال فرنسا" من عائلة غنية أصبحت بروتاستنتية منذ القرن الثامن عشر. وأمام هذه التناقضات "التى تأسست عليها عائلته" كان أندريه جيد يقول: "أنا رجل الحوار. كل شيء فيّ يصارع ويناقض نفسه". وكان موت والده وهو فى سن الحادية عشرة، الحدث الذى ترك أعمق الأثر فى نفسه خلال سنوات الطفولة والمراهقة، بعد ذلك عاش بين النساء، وفى سن الرابعة عشر من عمره، أحب ابنة عمه مادلين حبا يكاد يكون شبيها بحب العذريين.

ومن قصة الحب تلك، استوحى عمله الأدبى الأول:" دفاتر أندريه فالتير" بطل هذا العمل الأدبى شاب يدعى أندريه فالتير، يحب ابنة عمه امانويل. وعندما يتخلى عنها يسقط فى هاوية الجنون ويموت بحمى دماغية. وفى هذا العمل سعى أندريه جيد إلى طرح أفكاره حول فن الرواية. وعند صدور "دفاتر أندريه فالتير" كتب إلى بول فاليرى يقول: "مالارميه بالنسبة إلى الشعر وماترلنك بالنسبة إلى الدراما. وحتى وإن كنت أشعر أننى ضعيف قليلا أمامهما فإنه بامكانى أن أضيف "أنا" بالنسبة إلى الرواية" وقد سمح هذا العمل الأول لأندريه جيد بدخول الحلقات الأدبية من بابها الواسع، فارتبط بعلاقة قوية بموريس باري، وبستيفان مالارميه وبأوسكار وايلد واقترب من الرمزيين بل إنه كتب بعض القصائد التى تماثل قصائدهم.

وفى خريف 1983، مرفوقا بصديقه الرسام حول البيرلاورانس، قام أندريه جيد برحلة إلى كل من تونس والجزائر، سوف يكون لها تأثير كبير على مسيرته الأدبية، وبعد أشهر أمضاها فى الصحراء والواحات وعلى شاطئ البحر، عاد إلى باريس ليقطع مع "الأخلاقية" التى طبعت سنوات شبابه الأولى وأيضا مع الأدب الذى كان به منبهرا حتى ذلك الحين، والذى أصبح بالنسبة إليه أدبا "تفوح منه رائحة الافتعال والانغلاق".

وفى صيف 1895، عاد أندريه جيد إلى شمال افريقيا ليلتقى هناك بأوسكار وايلد. وعند عودته من تلك الرحلة، توفيت والدته فكتب يقول: "أحسست بكيانى كله يتلاشى داخل هاوية من الحب واللوعة والحرية... تلك الحرية التى كنت وراءها حتى فى حياة أمي، أتضرع واندفع ثملا مثل ريح بحرية". وعقب زواجه من ابنة عمه مادلين، أصدر "مستنقعات" الذى بدا وكأنه يتضمن نقدا مقنعا لأوساط الرمزيين الخانقة. وفى عام 1897، أصدر "الأغذية الأرضية" وفى هذا الكتاب الذى يستعرض فيه جيد المتع الجسدية والروحية التى حصل عليها خلال سفراته ورحلاته، خصوصا إلى شمال افريقيا، والذى يختلط فيه النثر بالشعر، وفيه تعلو نبرة غنائية حتى تبلغ أوجها أحيانا يعبر الفرد عن مشاعر الحرية والسعادة والغبطة التى تنتابه فى اللحظة التى يتخلص فيها من جميع القيود الأخلاقية: "ان نعرف كيف نتحرر ليس عسيرا. العسير هو أن نعرف كيف نكون أحرارا". نفس هذا الموضوع أى موضوع التحرر من القيود الأخلاقية، سيكون أساس رواية "اللأخلاقي" التى أصدرها أندريه جيد عام 1902 والتى استوحاها من رحلته الأولى إلى كل من الجزائر وتونس.

ومع حلول العام 1909، تبدأ مرحلة جديدة وحاسمة فى مسيرة جيد الإبداعية ففى تلك السنه أصدر رواية "الباب الضيق" وتمكن من انجاز مشروع أدبى شغله طوال فترة الشباب ألا وهو اصدار مجلة أدبية تحت اسم "المجلة الأدبية الفرنسية" "nrf" التى ستصبح منذ ذلك الحين أشهر وأبدع مجلة أدبية عرفتها فرنسا خلال القرن العشرين.

وكانت مدافع الحرب العالمية الأولى قد بدأت تدوى على مختلف جبهات القتال، عندما أصدر أندريه جيد عملا روائيا جديدا تحت عنوان "أقبية الفاتيكان" ومثلما يقول ر.م. البيريس صاحب كتاب "تاريخ الرواية الحديثة" فإن جيد فى هذه الرواية يعود إلى موضوع تفوق الحياة على الوهم الذى كان سائدا عند لوساج وفولتير ليظهر أن الحياة إن لم تكن قصة عجيبة فهى ليست إلا مهزلة ذلك أن أبطال "أقبية الفاتيكان" جوليوس دوبار أغليول وارنيكابيترا وأميدا فلوريسوا هم "فئران تجارب جفاة" يخضعهم تحت ملامح بروتوس أو لافكاديو لسلسلة من أدنى التجارب الطبيعية. إن براهينهم تشابه ثآليلهم وسذاجتهم ومغامراتهم مضحكة. وبفعله العبثى سيصبح لافكاديو بطل الرواية المذكورة احدى الشخصيات المفضلة لدى السورياليين.

موجة عارمة من الاستياء والجدل

وخلال عقد العشرينات، أصدر أندريه عددا من الأعمال الأدبية والنقدية والروائية أهمها "مزيفو النقود" و"إذا ما الحبة لم تمت" التى وصف فيها بجرأة نادرة فى ذلك الوقت فصولا من سيرته الذاتية، واعترف فيها بتجاربه فى الشذوذ الجنسي. وبين العام 1925 و1926، سافر إلى الكونجو وإلى بعض البلدان الافريقية الأخرى التى كانت تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي. وعند عودته إلى باريس، أصدر نصين طويلين هما "رحلة إلى الكونجو" و"عودة من التشاد" أدان فيهما بشدة السياسة الاستعمارية والظلم المسلط على السكان المحليين.

وقد أثار النص المذكور موجة عارمة من الاستياء داخل المجتمع الفرنسي، وأشعل جدلا فى الأوساط السياسية الفرنسية. بل أن نواب البرلمان ناقشوا محتوى النصين المذكورين وعلى ضوئهما طالب بعض النواب بإعادة النظر فى السياسة الاستعمارية الفرنسية.

وابتداء من عام 1932 ، بدأ أندريه جيد يبدى اعجابه بالبناء الاشتراكى الذى انتهجه الاتحاد السوفياتى منذ ثورة 1917. وفى "يومياته" أشاد بالشيوعية واعتبر أنها ربما تكون الحل الأمثل للإنسانية جمعاء. وفى "الأغذية الأرضية الجديدة" الصادر عام 1935، كتب يقول: "فى الحقيقة، السعادة التى تقفز على البؤس.. أنا لا أريدها ولا أبتغيها لنفسي، إن سعادتى الحقيقية هى أن أضيف شيئا إلى سعادة الآخرين. وأنا بحاجة إلى أن يكون الجميع سعداء حتى أكون أنا سعيدا وفرحا"... ومدعوا رسميا من الحكومة السوفياتية، قام اندريه جيد فى صيف 1936 بزيارة إلى الإتحاد السوفياتى وعند عودته، أصدر نصا طويلا تحت عنوان: "عودة من الإتحاد السوفياتي" عبر فيه عن خيبته مما شاهده وعانيه فى البلد الذى يعتبر نفسه "القلب النابض للإشتراكية".

وفى عام 1939، شرعت سلسلة "البلياد" الشهيرة المتخصصة فى نشر أعمال كبار المبدعين الفرنسيين والعالميين فى اصدار أعمال أندريه جيد. وكانت تلك هى المرة الأولى التى تفعل فيها ذلك مع كاتب لا يزال حيا. وقد احتوى المجلد الأول على اليوميات التى دأب جيد على كتابتها منذ سنوات الشباب المبكرة والتى يعتبرها العديد من النقاد أهم أعماله الأدبية بلا منازع ذلك أنها تؤرخ لأحداث هامة على الصعيد الشخصى والعالمي، وتسجل وقائع أدبية وسياسية عاشها الكاتب أو عاشها العالم فى فترات مختلفة وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية، قطع اندريه جيد صلته بـ "المجلة الفرنسية الجديدة" "nrf" بعد أن تولى رئاسة تحريرها دريو لا روشيل الذى كان متعاطفا مع الفاشية ومساندا لحكومة فيشي، وسافر إلى شمال افريقيا حيث ظل هناك حتى نهاية الحرب.

وفى عام 1947، وعقب حصوله على الدكتوراه الفخرية من جامعة اكسفورد، أحرز اندريه جيد على جائزة نوبل للآداب. وقد كتب أحد النقاد الفرنسيين يقول: "مثل بروست، وأكثر من كلوديل، فاليري، الكبيرين الآخرين فى جيله ظل جيد حيا وباقيا فى قلب الأدب الفرنسى الحديث. مع ذلك هو يشكل حالة استثنائية فى تاريخ الأدب الفرنسى وثمة ثلاثة أسباب لذلك.. أولها إنه ليس فقط مؤلف العديد من الكتب وإنما هو فى الأساس وجه ومجموع حى لا يمكن فصل أجزائه عن بعضها بعضا، إذ فيه يمتزج الخلق الأدبى بكل فصل من فصول حياته كالصداقات والأسفار والعلاقات والمعارك والإلتزام بقضايا عصره الأدبية والسياسية. كما أنه كان "مرجعا" لمعاصريه من الأدباء والمفكرين والكتاب. وكان جان بول سارتر صائبا حين عبر عن ذلك قائلا: "إن جيد مثل لا يعوض ذلك أنه اختار أن يكون حقيقته". وفى النهاية، يمكن القول أن جيد كان كاتبا نقديا، ومكافحا ومناضلا من أجل الحرية، ومن أجل القضايا الإنسانية بصفة عامة. وقد ظل ملتزما بذلك حتى النهاية. ففى شبابه انتقد الأخلاقية البورجوازية والتزمت الدينى والنفاق الاجتماعى والكذب. وبعدها أدان الظلم الاستعمارى المسلط على الشعوب الافريقية ثم الاستبداد الستاليني".

بروست.. وجه مشرق آخر

الوجه الثانى المشرق للأدب الفرنسى فى القرن العشرين هو مارسيل بروست "1871-1922" الذى أحدث مع الايرلندى جميس جويس أعظم وأعمق ثورة فى السرد الروائي. ولا يزال تأثيره على الروائيين سواء الأوروبيين أو غير الأوروربيين قويا إلى حد هذه الساعة. ويمكن القول إن بروست هو الذى استطاع أن يفضل بين "أنا التجربة" و"أنا الكتابة" وذلك من خلال عمله الذائع الصيت: "البحث عن الزمن المفقود" ويمكن القول أن هذا العمل الهائل كما وكيفا هو سيرة بروست منذ الطفولة وهو يترقب قبلة الأم قبل النوم، وحتى سنوات الشباب لما استهواه الأدب.

يضاف إلى ذلك رسم دقيق وأسر لأماكن ارتادها ولنساء ورجال التقاهم وجلهم من الفئات البورجوازية والارستقراطية واستعراض لاحداث سياسية وثقافية وفنية عاشها الكاتب أو عايشها. مع ذلك يمكن القول أن بروست يختلف فى الكثير من الأشياء عن بطل عمله. فهذا الأخير، كسول، خامل، يمقت العمل، ويقضى وقته فى انتظار شيء لن يحدث إلا فى النهاية لما يكون هو قد قارب عتبات الشيخوخة والوهن.

أما بروست فقد كان رغم صحته الهشة، واصابته المبكرة بالربو، شابا ممتلئا حيوية. بل أنه فى سنوات المراهقة أسس مجلة أدبية سماها "المائدة" ولم تكفه المعارف التى حصل عليها بجهده الخاص، بل حصل على شهادات عليا فى الفلسفة والقانون. وقد ساعده اهتمامه بالناقد الفنى الانجليزى روسكين على الالمام بأسرار الفنون التشكيلية والموسيقى والفن المعماري. أما ثقافته الواسعة فقد منحته القدرة على كتابة مقالات نقدية من طراز رفيع، حول سانت بوف وفلوبير وميشليه وارنست رنان وآخرين. وبالرغم من أن جل الناشرين رفضوا نشر "البحث عن الزمن المفقود" فإن بروست ظل حتى نهاية حياته منكبا على العمل والكتابة، ولا صلة له بالعالم الخارجى إلا من خلال خادمته.

سيلين.. روائى الذاكرة

ويتفق جل النقاد على أن لوى فارديناند سيلين "1894- 1961" هو مع مارسيل بروست أكبر روائى فرنسى فى القرن العشرين. وإذا ما كان صاحب "البحث عن الزمن الضائع" هو روائى الذاكرة بامتياز، فإن سيلين هو روائى القطيعة بامتياز. فقد نحت لنفسه لغة خاصة به استوحاها من اللغة اليومية وانتهج أسلوبا سرديا يبدو شبيها بتيار عنيف يجرف كل ما يعترضه فى طريقه. وفى شبابه شارك فى الحرب العالمية الأولى. وعند عودته منها، أكمل دراسته فى الطلب منجزا عام 1924 أطروحة عن طبيب هنجارى يدعى فيليب اينياس سيملفايس كان قد طرد من فيينا بسبب عدم فهم الناس لأبحاثه، وظل هائما على وجهه إلى أن مات بنفس المرض الذى نذر حياته للبحث عن دواء له.

بعد ذلك، سافر سيلين إلى افريقيا ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مرسلا من قبل هيئة الأمم. ومن تجربة الحرب، ومن سفراته المتتالية إلى افريقيا ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، استوحى رائعته: "سفرة فى آخر الليل" التى لا تزال تعتبر حتى هذه الساعة. واحدة من أعظم الروايات التى صدرت فى القرن العشرين. ولأنه ساند النازية، فإنه حوكم فى نهاية الحرب العالمية الثانية، وأمضى أشهرا طويلة فى السجن فى الدنمارك.

وجميع روايات سيلين مجترحة من حياته. حياة رجل متوحد بنفسه، يكره الصالونات الأدبية، والأضواء، وينظر بتشاؤم كبير إلى مستقبل الإنسانية. ولعله كان أفضل من رسم لنفسه صورة دقيقة قائلا: "ماأريده أولا وقبل كل شيء هو أن أعيش حياة مليئة باحداث أتمنى أن يكون القدر قد وضعها فى طريقي. وإذا ما اجتزت أزمات صعبة ربما تكون الحياة قد خصتنى بها وحدي، فإنى سوف أكون أقل شفاء من الآخرين ذلك أن رغبتى هى أن أعلم وأعرف".

سارتر.. مثير النقاد

وكان أندريه جيد فى أوج شهرته لما أطل على المشهد الثقافى الفرنسى شاب قصير القامة من أصول يهودية، بحول فى عينيه، يدعى جان بول سارتر أثار انتباه النقاد أثر صدور رواية له عام 1938 حملت عنوان "الغثيان" وكان سارتر الذى ولد عام 1905 فى باريس قد درس فى المدرسة العليا للمعلمين. وخلال فترة الدراسة هذه تعرف على سيمون دى بوفوار التى ستصبح رفيقة حياته حتى النهاية.

وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وبعد أن أنهى كتابة مسرحية حملت عنوان "الذباب" انشغل جون بول سارتر بكتابة أثر فلسفى حمل عنوان "الوجود والعدم" وبعد الحرب العالمية الثانية، حظى بشهرة واسعة ليس فى فرنسا وحدها، وإنما فى العالم بأسره بسبب ابتكاره لما سماه بالفلسفة الوجودية ومنذ ذلك الحين وحتى وفاته عام 1980، ظل سارتر حاضرا فى قلب الاحداث السياسية والثقافية والفلسفية لعصره. وبالرغم من أنه انجذب العديد من المرات إلى أفكار وايديولوجيات سرعان ما تخلى عنها فى ما بعد غير آسف، كالماركسية مثلا، فإنه ظل مع ذلك عقلا جبارا ومثقفا نزيها كان يعتبر انسحاب المثقف من القضايا السياسية والاجتماعية لعصره، خيانة وجبنا وربما لهذا السبب لم يتردد أكثر من مرة من النزول إلى الشارع مرة للدفاع عن ثورات الطلبة مثلما كان الحال فى ربيع عام 1968، ومرة لمساندة العمال والمهاجرين، ومرة لمعاضدة كفاح "الفهود السود".

وقد جمع جان بول سارتر بين كتابة الرواية والقصة القصيرة والمسرحية والدراسة النقدية والدراسة الفلسفية. وفى جميعها أبدع لذا يمكن القول إنه كان أفضل من واصل تجربة الفلاسفة التنويريين خصوصا ديدرو الذى كتب أيضا القصة والرواية والمسرحية، إلى جانب الدراسات الفلسفية كما أنه كان مثل سارتر فى جميع القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية التى واجهها عصره.

كامو وروائح الجزائر

وفى نفس الفترة التى اشتهر فيها جان بول سارتر، اشتهر أيضا ألبير كامو "1913- 1960" الذى ولد فى الجزائر وحمل معه من هناك إلى الأدب الفرنسى لغة جديدة، تخترقها الشمس الافريقية ومنها تفوح رائحة البحر، والزهور البرية وبروايته "الغريب" التى صدرت بينما كانت نيران الحرب العالمية الثانية تحرق الأخضر واليابس، حقق ألبير كامو لنفسه شهرة واسعة وتبوأ مكانة بارزة فى الأدب الفرنسى والعالمي.

ومثل سارتر لم يقتصر كامو على كتابة الرواية والقصة القصيرة والمسرحية بل كتب أيضا فى الفلسفة. ويعتبر مؤلفاه الفلسفيان "الإنسان المتمرد" و"أسطورة سيزيف" اللذين حلل فيهما منهجه الفلسفى الوجودي، أشهر ما كتب فى المجال المذكور وهناك مراحل ثلاث فى مسيرة البيركامو الابداعية والفلسفية. الأولى تتجسد من خلال "أعراس" وهى نصوص غنائية تذكر بـ "الأغذية الأرضية" لأندريه جيد فيها يتغنى البيركامو بطبيعة الجزائر وببحرها وأزهارها وضوئها المبهر.

بعدها تأتى مرحلة اكتشاف "عبثية الحياة" والتى تتجلى بالخصوص من خلال رواية "الغريب" أما المرحلة الأخيرة فهى مرحلة "التمرد" والتى تتمثل فى رواية "الطاعون" حيث يرفض البطل الدكتور ريو الانصياع للأمر الواقع، ويقاوم بعناد داء الطاعون الذى داهم مدينته.
ويرى بعض النقاد أن الكتاب الذى مهد لأعمال كامو الكبيرة هو "الوجه والقفا" الذى كتبه صاحب "الغريب" فى سنوات شبابه وتحت تأثير أستاذه جان جرينيه الذى كان له تأثير كبير عليه فى تلك الفترة المبكرة من حياته. فى هذا الكتاب يروى شاب حياته فى الجزائر العاصمة ويرسم صورة دقيقة لأمه الصامتة طول الوقت، ولجدته المتسلطة مفكرا فى الموت وفى عبثية الوجود والحياة. ونفس هذا العالم سيسعى البير كامو لإعادة صياغته فى "الرجل الأول" الذى منحه الموت التراجيدى والفجئى من إنهائه.

العوالم الأخرى لأندريه مالرو

الكاتب الآخر الذى طبع مسيرة الأدب الفرنسى فى النصف الأول من القرن العشرين هو أندريه مالرو "1901- 1976" والذى خرج مثل البير كامو من الفضاء الفرنسى والجغرافيا الفرنسية ليقدم لنا من رواياته صورة من عوالم أخرى.

وكانت الثورات الشيوعية فى آسيا هى التى شغلته فى بداية مسيرته الابداعية. وعن ذلك كتب روايتين هما "الطريق الملكي" و"الوضع البشري" التى نال بها جائزة جونكور وذلك عام 1933. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الكتابة والفعل مرتبطين ارتباطا وثيقا فى حياة أندريه مالرو. وربما هذا يفسر مشاركته إلى جانب الجمهوريين فى الحرب الأهلية الإسبانية.

تلك المشاركة التى استوحى منها واحدة من أعظم رواياته ألا وهي:" الأمل" وخلال الحرب العالمية الثانية، انضم إلى المقاومة الفرنسية، وأصبح واحدا من قوادها. ومن تلك التجربة المريرة التى أفضت به إلى الوقوع فى أيدى رجال "الجاستبو" استوحى عملا روائيا آخر هو "غرقى التنبورج" وحالما وضعت الحرب أوزارها، أصبح مالرو أحد كبار الأصدقاء المقربين للجنرال شارل ديجول الذى عينه وزيرا للثقافة.

وفى كتاب "المذكرات المضادة" الذى ألفه فى السنوات الأخيرة من حياته، تحدث مالرو عن رحلاته وأسفاره عبر العالم، ورسم صورا آسرة لشخصيات سياسية التقاها أو عاشرها مثل الجنرال ديجول وجمال عبد الناصر ونهرو وتيتو.

جان جينيه الشخصية الاستثنائية

ويعد جان جينيه "1910-1986" شخصية استثنائية فى الأدب الفرنسى خلال القرن العشرين. فقد عاش طفولة بائسة محروما من حنان الأب والأم. وكان فى سن العاشرة لما شرع يسرق. ولم تلبث السرقة ان تحولت إلى لعبة مفضلة لديه. وفى السجن الذى أمضى فيه سنوات طويلة من حياته، اكتشف متعة الكلمة. فشرع يكتب أشعارا وقصصا وروايات خفية عن أنظار الحراس. ولما وصلت تلك الكتابات إلى جان كوكتو، صرخ قائلا: "هذا هو الأديب الفرنسى الذى أبحث عنه!"

بعدها شكل لجنة لاطلاق سراح جان جينيه الذى تمكن بسرعة من أن يفرض نفسه بقوة فى المشهد الثقافى الفرنسى خصوصا بعد أن خصص له جان بول سارتر مؤلفا ضخما حمل عنوان: "القديس جينيه: الممثل والشهيد". وفى مجمل الروايات التى كتبها خصوصا فى "يوميات لص" تحدث جينيه عن طفولته البائسة، وعن سنوات التشرد والسجن التى عاشها فى مراحل مختلفة من حياته. أما مسرحياته فقد صور فيها صراع كائنات مهمشة ومعزولة ومكبلة بالقيود.

وفى الرواية الأخيرة التى صدرت بعد وفاته والتى حملت عنوان: "الأسير العاشق" رسم صورة مدهشة للثوار الفلسطينيين الذين كان على صلة بهم خلال السبعينات والثمانينات. وقد تميمزت لغة جان جينيه بلغة كلاسيكية أنيقة وعندما سئل عن سبب حرصه على استعمال هذه اللغة، وهو الذى عاش فى الشوارع الخلفية وفى الزنازين حيث القمل والفئران، أجاب قائلا: "لقد أردت أن أهزم عدوى مرتين: مرة لأدين الظلم الذى سلطه عليّ. ومرة لكى أثبت أننى قادر على أن أستعمل لغته أفضل منه!".

كتاب تعقيدات الواقع

ولم يحظ كلود سيمون المولود عام 1913 بالشهرة التى حظى بها من ذكرنا سابقا من الكتاب الفرنسيين غير أنه أحرز مع ذلك على جائزة نوبل للآداب عام 1985.

ولعل السبب الأساسى الذى منعه من الوصول إلى جمهور القراء الواسع هو ميله إلى التعقيد فى جل رواياته. فالنص الروائى يتشكل عنده حسب أساليب فنية عسيرة أحيانا، وذلك بهدف المسك بتعقيدات الواقع.

وهو يحطم بنى السرد الكلاسيكي، غير أن ذلك لا يعنى أنه يهدف من خلال ذلك إلى محق "متعة الحكاية" وعام كلود سيمون هو عالم قشرى بلا عمق مصنوع من الصور فقط. والصور هنا ترسم من خلال اللغة التى تلعب دورا أساسيا فى العمل الروائي.

وكل صورة تفضى إلى صورة أخرى دون أن يتحقق الرضى أو الارتياح. وحتى عندما يدقق كلود سيمون فى الوصف، فإنما لكى يثبت لنا أنه من المستحيل علينا وصف الأشياء بالدقة المطلوبة. وهكذا تبدو جميع رواياته بقطع النظر عن الأساليب التقنية التى يستعملها كما لو أنها غير مستوفية لأغراضها.

ويختلف جان جيونو "1895-1970" عن بقية معاصريه من الكتاب والروائيين اختلافا يكاد يكون كليا. فقد اختار منذ البداية، وهو العصامى الذى غادر المدرسة مبكرا ليعمل موظفا صغيرا فى أحد البنوك فى الريف الفرنسى جاعلا منه المكان المخير لاحداث رواياته التى تبدو شبيهة بالأناشيد الرعوية فى العصور القديمة.

وقد استطاع جان جيونو أن يصور المصير القاتم للبشرية جمعاء انطلاقا من تلك الرقعة الصغيرة التى مكث فيها منذ ولادته حتى وفاته، رافضا مغادرتها حتى لحين من الزمن، محولا اتصاله الوثيق بالطبيعة بغاباتها وجبالها وأنهارها الصغيرة وحقولها الواسعة إلى نشيد بديع من أجل انقاذ الطبيعة والانسان معا من المخاطر التى تتهددهما. وفى هذه الحالة، هو يبدو شبيها إلى حد بعيد بالشاعر الأمريكى العظيم "والت ويتمن".

ومع سيمون دى بوفوار، ومارجريت يورسنار، كانت مارجريت دوراس من أشهر الكاتبات الفرنسيات وقد أمضت طفولتها وسنوات مراهقتها فى الهند الصينية، ثم فى كالكوتا وبومباي.

وفى ما بعد ستكون آسيا، إطارا لاحداث رواياتها خصوصا "العشيق" التى أحرزت بها على جائزة جونكور وذلك عام 1984. وعند عودتها إلى فرنسا، ارتبطت بعلاقة وثيقة بالشيوعيين، وعاشت تجارب عنيفة فى الحب أصبحت فى ما بعد مواضيع للبعض من رواياتها الأخرى. وقد انجذبت مارجريت إلى السينما وانجزفت العديد من الأفلام لعل أشهرها جميعا فيلم "هيروشيما، حبيبتي" وكانت تقول: "الأفلام التى انجزها لها عندى نفس المكانة للروايات التى أكتبها.

وهى ما أن أقدر أن أسميه بمكان الهيام. هناك حيث نحن صم بكم. وأخيرا أن أرغب فى أن أكون هناك قدر الإمكان".
وخلال العقدين الأخيرين، لم تشهد فرنسا ظهور عمالقة فى الأدب كما كان حالها فى النصف الأول من القرن العشرين. والأعمال الروائية التى تصدر الآن تبدو خالية من أى اثارة ومن أى أهمية وبمناسبة منح جائزة "جونكور" للعام 1999، للكاتب جان أشينوز خصصت جريدة "لوموند" الفرنسية افتتاحيتها التى حملت عنوان: "جونكور آخر القرن" لهذه المناسبة وكتبت تقول بأن الإعلان عن المحرز على الجائزة المذكورة لم يعد مهما، ولم يعد يثير حتى زوبعة فى كأس ذلك أن المؤسسات الثقافية الفرنسية فقدت، ونحن على مرمى حجر من القرن المقبل، كل تأثير وكل مصداقية.

وترى جريدة "لوموند" أن المهمة الوحيدة التى أصبحت تقوم بها المؤسسات الثقافية الفرنسية هو السعى بكل الطرق والوسائل لبيع كتاب حتى لو كان فاقدا لأى أهمية أدبية، تحت يافطة:"هذا الكتاب أحرز على جائزة "جونكور".

الحافة : .. 2006