|
بمناسبة يوم الشعر العالمي: ما الشعرية؟
5/04/2007
كلام الشاعرعلى تجربته في الكتابة الشعرية يعني الذات والآخر في آن. يعني بتعبير أدق أنه يتخذ من ذاته آخر ليس إلا هذه الذات نفسها وظنّي أن هذا مما يؤدي بحسب الحالة إما إلى تمجيد الذّات وإما إلى الحياد عنها، باسم موضوعية تصل في النهاية إلى أن تلغيها.
لذلك أوثر أن أسلك طريقاً آخر: أن اتكلم انطلاقاً من تجربتي ذاتها نظراً وكتابة، لكن على القضايا الأساسية أو ما أميل إلى حسبانه أساسياً- القضايا التي تتقاطع فيها الذات الكاتبة مع الآخر القارئ/ الناقد وتشكل في الوقت ذاته مدار الاهتمام والجدل في المرحلة الشعرية الرّاهنة، خصوصاً انها مرحلة خلافية بامتياز. فالخلاف لا يتناول التفريعات وحدها، وإنّما يشمل الأوليات أو الأصول، ولا تتجلى الخلافية في الكتابات الشعرية وحدها وإنما تتجلى أيضاً، وبشكلها الأكثر حدة، في القراءات النقدية التي تدرس هذه الكتابات فهناك مثلاً نقد يرفض سلفاً البحث في إمكان النظر إلى قصيدة النثر شعرياً أو يرفض أن يرى الشعرية خارج الوزن، ويعني ذلك أنه متأصل في قديم ما وأنه بسبب من ذلك، عاجز عن النظر إلى الجديد إلا بذائقة تقليدية وهو إذن لا يفهم الجدة الشعرية بل إنه في أحيان كثيرة، يطمسها ويشوهها.. وهناك بالمقابل، نقد ونوع من الممارسة الكتابية لا يجهلان اللغة العربية في خصوصيتها التعبيرية - الجمالية وحسب، بل انهما يجهلان ايضا مخزونها الابداعي فضلاً عن انهما يرفضان شعر الوزن وهما لذلك عاجزان عن فهم الجدة ومعناها في اللغة الشعرية العربية، خصوصاً أن حداثة الكتابة في لغةٍ ما، لايصح فهمها وتقويمها إلا في سياق القديم الكتابي في هذه اللغة وانطلاقاً منه.. وكثيراً ما نرى بين من يصدرون عن هذين الموقفين أشخاصاً يؤلفون كتباً أو يقومون بأبحات حول نصوص يعدّونها شعراً تستلزم بادئ بدءٍ، سؤالا أولياً: هل هذه النصوص هي حقاً، شعر؟!. هكذا ليست المعرفة وحدها هي الغائبة في هاتين الحالتين وإنما هناك غائب آخر هو الشعر، ومن هنا حرص على أن يجيىء بحثي نوعاً من المشاركة في مناقشة المفهومات بغية توضيحها لا مناقشة الأحكام التي تستند إليها أو تصدر عنها فقبل أن نتداول في الأحكام يجب أن ننظر في المفهومات التي تولدت عنها، ولعل القضايا التي أشرت إليها تتمثل في ثلاثٍ أحب أن أصوغها في الأسئلة الثلاثة التالية: ما علاقة الشاعر بتراثه؟ ما علاقة الشعر بالحدث؟ ما معنى الشعرية؟
أولاً: الإبداع والتراث كل شاعر يشعر ويفكر ويكتب انطلاقاً مما هو وما هو كذات كاتبة مغاير بالضرورة لما هو غيره قديماً أو معاصراً، وهذا يعني أن له طريقته المختلفة المتميزة في استخدام اللغة بهذه الطريقة ينتج كلامه الخاص، المغاير من حيث أنه ينطوي على أفق من الدلالة أو يكشف عن قضاء شعري خاصين مغايرين فكما أن الشاعر يكتب كلامه المتميز بين الكلام فمن الممكن القول إن كلامه يكتبه بدوره كشاعر متميز بين الشعراء. ما تكون في هذا المنظور، علاقة الشاعر بتراثه؟ لكن، ينبغي أولاً ان نسأل ماذا تعني هنا كلمة «تراث» ؟ هل التراث الإبداع أم المبدع؟ هل هو اللغة أم المادة؟ هل هو الذات أم الموضوع؟ أم هل هو هذا كله وكيف؟ أنها اسئلة تدفعنا إلى أخرى تفريعية لكي نحيط بالاشكالية التي تنطوي عليها: مثلاً، هل التراث مجموعة محددة من الشعراء، وحنيذاك هل تعني العلاقة بالتراث تقليد هؤلاء الشعراء أو اتباعهم في نهجهم الشعري؟ لكن من هم وما معيار تحديدهم وكيف يمكن الارتباط بهم وهم أفراد متباينون متباعدون تاريخياً وفنيا؟ وكيف نوحّدهم- نجعل منهم «هوية » واحدة وبأي معيار وبأي معنى؟. أو لعل كلمة «تراث » تعني مرحلة شعرية معينة أو مراحل معينة أو تعني نصوصاً شعرية معينة، لكن أيضاً كيف يكون ارتباط الشاعر به في هذه الحالة؟ أبخصائض «جوهرية» للمرحلة أو للمراحل، أو النصوص وكيف نحدد هذه الخصائص؟. أو لعل «التراث» روح ما لكن هنا أيضاً نسأل: ماهذه «الروح» وكيف نتعرف عليه وما مقاييس التعرف؟ وهل هو ثابت وكيف؟ أم هو متغير، وكيف؟ ينبغي أن نطرح في هذا الصدد أسئلة أكثر تحديداً مثلاً ما الذي «يوحد» شعرياً بين الشنفرى وعروة، و(هما موحدان في الصعلكة وفي المرحلة، وفي الوزن والقافية) إنهما، شعرياً عالمان مختلفان كذلك الأمر في ما يتعلق بامرئ القيس وزهير بطرفة وعمرو بن كلثوم... الخ هكذا نرى أن مانسميه ب(الأصل) الجاهلي «الواحد» إما هو شعرياً، كثير وليس واحدا. وإذا تجاوزنا العهد الاسلامي الأول الذي لا أرى فيه شعراً مهما إلى العهد الأموي فسوف نرى أنه والآخر كثير وليس واحداً، ما الذي يوحد بين عمر بن أبي ربيعة وجميل بثينة أو قيس بن الملوح بين ذي الرمّة والكميت، بين شعراء الخلافة الأموية الأخطل والفرزدق وجرير والشعراء الخوارج أو شعراء الصعلكة الهامشيين اللصوص والمنبوذين؟ الشأن هو نفسه بالنسبة إلى الشعر في العهد العباسي، إن الأفق الشعري الذي يفتحه أبو نواس غير الأفق الذي يتحرك فيه عليّ بن الجهم أو البحتري، وشعر أبي تمام مغاير جوهرياً لشعر أبي العتاهية أو ابن الرومي، وأبو العلاء المعري عالم آخر غير المتنبي.. هكذا يبدو أن التراث الشعري العربي - شأن كلّ تراث حي - ليست له إبداعياً هوية واحدة- هوية التشابه والتآلف وإنما هو متنوع متمايز إلى درجة التناقض واذا صح الكلام على هوية أو وحدة في هذا المستوى فانها هوية المتعدد المتباين ووحدة المختلف الكثير.. غير أن « الخطاب التراثي» السائد يقوم في منطلقاته وفي منظوراته على إرادة توحيد التراث ووحدته في « هوية» متميزة متواصلة هي هوية « الواحد» ولا نجد في التراث كمادة شعرية ما يمكن أن يعطيه مثل هذه الهوية إلا الوزن والقافية استناداً إلى التحديد الموروث: « الشعر هو الكلام الموزون المقفى» لكن التعمق البسيط في الابداعية الشعرية جدير بأن يكشف عن أن مثل هذه الوحدة سطحية شكلية عدا أنها تبسيطية اختزالية فلا يتضمن التراث تحت هذه الوحدة الظاهرية غير التنوع والتناقض وفي هذا التنوع التناقضي تكمن - على العكس - أهمية التراث وعظمته وعليه كذلك تنهض وحدته الابداعية، ان «هويته» بعبارة ثانية ليست في مجرد كونه موزوناً مقفى وإنما هي في العالم الذي يؤسسه والرؤى التي يكشف عنها والآفاق التي يفتحها للحساسية وللفكر.. أما عن الوزن والقافية فأود أن اقدّم الاشارات التالية: أ- الوزن/ القافية ظاهرة، ايقاعية - تشكيلية ليست خاصة بالشعر العربي وحده وإنما هي ظاهرة عامة في الشعر الذي كتب ويكتب بلغات آخرى لكن على تنوع وتمايز، الزعم إذن بأن هذه الظاهرة خصوصية نوعية لا تقوم اللغة الشعرية العربية إلا بها ولا تقوم إلا بدءاًَ منها واستناداً إليها انما هو زعم واهٍ وباطل. ب- الوزن / القافية عمل تنظيري لا حق لتشكيل شعري سابق ولا شك أنه عمل بارع لكنه في الوقت نفسه محدود ذلك أنه لا يستنفد إمكانات الايقاع أو إمكانات التشكيل الموسيقي في اللغة العربية وإنما يمثل منها ما استخدم واستقر وما يستخدم ويستقر ليس مطلقاً، وإنما قد يتغير أو يتعدل أو تضاف إليه استخدامات أخرى أو ربما يزول وذلك بحسب التطور ومقتضياته. ج-ثمة خطأ أول في النظر السائد إلى الوزن/ القافية، يكمن في التوحيد بين الأصل والممارسة الاولى لهذا الأصل فهو يوحد بين موسيقية اللسان العربي ووزنية الشعر العربي.. وهذا مما أدى بقوة الممارسة والقسر الايديولوجي إلى تقليص الطاقة الموسيقية اللغوية في الوزن الخليلي، وإلى تحويل أوزان الخليل إلى قوالب مطلقة تتجاوز التاريخ مع أنها وليدته وتتجاوز موسيقى اللغة العربية مع أنها ليست الا تشكيلات محددة، من مادة ايقاعية تشكيلية غير محددة. د- لعل المعنيين عمقياً بالشعر العربي ومسيرته التاريخية يعرفون جميعاًَ أن تحديده بمجرد الوزن/ القافية أخذ يضطرب منذ القرن العاشر، خصوصاً في الدفاع النقدي الذي قام به الصولي انتصارا لشعرية أبي تمام وفي آراء الجرجاني، فقد نشأ ميل إلى التشكيك في أن يكون مجرد الوزن والقافية مقياساً للتمييز بين الشعر والنثر والى جعل اللغة الشعرية أو طريقة استخدام اللغة مقياساً في هذا التمييز، وتقسيم المعنى عند الجرجاني إلى نوعين: تخييلي وعقلي، دليل بارز، فحيث يكون النص قائماًَ على المعنى الأول يكون في رأيه شعراً وحيث يكون قائماً على المعنى الثاني لا يكون شعراً، وان جاء موزونا مقفى. غير أن هذا لا يعنى بالضرورة رفض الوزن/ القافية ، أو التخلي عنهما وإنما يعني أنهما لا يمثلان وحدهما حصراً، الشعرية ولا يستنفدانها، وأن هناك عناصر شعرية، غيرهما ومن حق الشاعر أن يستخدمها - الخلاق تحديداً - جديد دائماً - حتى يكتب بأشكال وزنية سابقة. فإذا كان الشكل بنية حركية، فإن المهم هو النسغ الذي يجري في هذه الحركة ويجريها.. ولهذا ليس الشكل هدفاً او غاية. الهدف هو توليد فعالية جمالية جديدة . كان ابو تمام وابو نواس جديدين، بالقياس الى الشعر الجاهلي، مع انهما استخدما اشكاله الوزنية. والجدّة هنا كامنة في انهما خلقا في شعرهما فعالية جمالية مغايرة، واضافا الى الجمالية الشعرية العربية ابعاداً جديدة. والاساسي، إذن، هو ان ننظر في تقويم الشعر، الى هذه الفعالية، لا الى الجدة الشكلية في ذاتها ولذاتها، سواء كانت وزناً او نثراً. وفي هذا ما يشير الى ان المسألة، في الكتابة الشعرية لم تعد مسألة وزن وقافية حصراً بل اصبحت مسألة شعر او لا شعر، والى ان هذه المسألة تضعنا ، تبعاً لذلك امام امكان الكتابة الشعرية في افق آخر غير الافق الموزون المقفى ،و هو امكان يتيح لنا ان نعدّل التحديد الموروث للشعر، وان نضيف اليه، وان نؤسس مفهومات اخرى للشعر، وفي ظني ان المعنى الاعمق والاغنى في الثورة الشعرية العربية الجديدة انما يكمن هنا لا في مجرد تعديل النسق الوزني وتحويره، ولا في مجرد الخروج على الوزن والقافية، كما تواطأ اكثر النقاد المعاصرين على قوله وتكراره. نحن إذن في مرحلة انتقال من واحدية المفهوم الى كثاريته ، او من الواحد الشعري الى المتعدد الشعري.. وربما كان الالتباس النقدي في دراسة النتاج الشعري العربي، في ربع القرن الاخير، عائداً الى التباس التجربة الكتابية ذاتها - اي الى تعدديتها، لكن هذه التعددية هي في الوقت نفسه، شاهد على حيوية اللغة الشعرية العربية وحيوية الشاعر، وهي كذلك دليل على التجدد في الرؤيا وفي الحساسية الفنية وفي طرائق التعبير. ان هذا كله ما يكشف عن ان قضية التراث، كما تطرح في النقد الشعري العربي السائد ليست قضية شعرية فنية بحصر المعنى، وانما هي قضية ايديولوجية ،والكلام النقدي هنا يحل اللغة الايديولوجية محل اللغة الفنية، أي أنه يتحدث عن الشعر بأدوات من خارج الشعر، وهو بهذه الادوات، يخلق استيهام الهوية الشعرية الواحدة للامة الواحدة، بحيث يكون الخروج عنها خروجاً عن هوية الامة ذاتها وهو استيهام نجد اصوله العميقة في البنية الدينية ، ميتافيزيقياً ، وفي البنية السياسية تاريخياً. والحق هو ان هوية الشاعر العربي لا تتحدد بالشكل الكلامي الذي نطق به اسلافه الشعراء، وانما تتحدد بخصوصية اللسان العربي نفسه، وهذه الخصوصية اللسانية هي التي تؤسس هوية شعب ما ، وتحدد موقعه في العالم ، واذا كان لابد هنا من الكلام على وحدة ما، او هوية واحدة ما فإنما هي وحدة اللسان، لا وحدة الكلام.. ان كلام كل شاعر انما هو نتاج هويته الواحدة بلسان واحد، ومع ذلك فإن كلامه كثير، وليس واحداً. واذا صح هذا في الهوية الواحدة، فبالاحرى ان يصح في الهويات المتغايرة.هنا يحسن ان نشير الى خطأ في المنطلق وقع فيه النقد ولايزال يرعاه ويتابعه هو التوحيد بين الاصل والممارسة الاولى لهذا الاصل. فكما أنه وحدة بين موسيقية اللسان ووزنية الشعر وحد كذلك بين اللسان وممارسته الشعرية الاولى في الجاهلية ،من حيث القول ان كلامها هو الاكثر تطابقاً مع اللسان والاكثر قرباً اليه والاكثر كمالاً.. وهناك فرق بين اللسان والكلام: اللسان هو المنظومة الرمزية - المعجمية التي تتيح التعبير والتواصل ، اما الكلام فهو الاستخدام الشخصي الحر المتميز للسان (ف. دوسوسور) .. لا يقال عن القرآن الكريم، مثلاً انه لغة الله بل كلامه، وذلك تمييزاً له عن غيره ، وليس الشعر الجاهلي اللغة العربية وانما هو كلام خاص بشعراء الجاهلية، وهو من حيث انه كلام ليس واحداً متشابهاً، وانما هو كثير ، متنوع، وكما ان كلام امرئ القيس لا ينبع من كلام طرفة مثلاً، والعكس صحيح، بل ينبع من اللسان العربي، فإن كلام كل شاعر حقيقي لا حق لا ينبع من كلام شاعر سابق، وانما ينبع من اللسان العربي، وفقاً لاستخدامه الخلاقاً، الحر، وهو استخدام لابد من ان يكون ابتداء اذا اراد ان يكون خلافاً.. فالكلام الشعري كلام الذات المبدعة هو دائماً بمثابة وليد جديد يخرج من رحم اللسان، ومثل هذا الكلام الناشئ والمنشئ معاً يشوش الكلام السائد ،و يزلزل سلطته الايديولوجية.. بل انه اختراق دائم للثقافة السائدة، ولايديولوجيتها،و هو من هنا يتجاوز وحدة الكلام السائد الموروث، اي انه يلغي وحدة السطح ، لكن من اجل ان يرسي وحدة العمق - وحدة التنوع، والاختلاف والتمايز. وفي هذا المنظور ، تصبح مسألة الوزن/ القافية، مسألة تاريخية ومسألة كلامية لا لسانية، ومسألة ترتبط بجانب محدود من الابداع الشعري، لا بشموليته أو به كرؤيا كلية.. إذن من البداهة والصحة ، القول ان بإمكان اللسان العربي ان يتجسد شعراً في بنية كلامية غير بنية الوزن والقافية ، او الى جانبها، وهذا مما يوسع في الممارسة حدود الشعر في اللسان العربي، وحدود الحساسية الشعرية، وحدود الشعرية. هكذا يبدو ان ما نراه من الإلحاح النقدي الايديولوجي على الواحد، على النموذجية الوزنية المبسطة، على عالم مؤتلف متشابه، يحيل الانسان والشعر والعالم الى مجرد قوالب وقواعد، والى مسلّمات ويقينيات جاهزة، وفي هذا ما يلغي التاريخ، ويلغي الذات معاً، ويحوّل الممارسة الى نوع من التدين، منظَّم ومنظِّم. وليس هذا نقيضاً للابداع والشعر وحسب ، وانما هو نقيض للانسان ايضاً.
ربما نقدر الآن ان نرسم تخطيطاً اولياً للعلاقة بين الشاعر العربي الحديث وتراثه، يقوم هذا التخطيط ، من وجهة نظري على ثلاثة اسس: الأول: هو ان الشاعر العربي الحديث اياً كان كلامه او اسلوبه ، واياً كان اتجاهه انما هو تموّج في ماء التراث، اي جزءاً عضوياً منه، وذلك لسبب بدهي هو ان هويته الشعرية، كشاعر عربي، لا تتحدد بكلام أسلافه، مهما كان عظيماً، وانما تتحدد بكونه يصدر عن اللسان العربي، مفصحاً عن هذه الهوية بكلام عربي، لهذا حين نسمع مثلاً قولاً يصف هذا الشاعر العربي او ذاك بأنه يهدم التراث او بأنه خارج على التراث، فإن هذا القول يعني أولاً أن الشاعر المعني لا يهدم التراث ككل او انه خارجه ككل، وانما يعني انه يهدم فكرة او صورة محددة للتراث في ذهن اصحاب هذا القول، وبأنه خارج هذه الفكرة او هذه الصورة، ويعني ثانياً انه قول ايديولوجي محض - اي انه حاجب ومشوه، وانه هراء وباطل.
الثاني: هو ان الشاعر العربي الحديث، من حيث انه تموج، هو تواصل في المد الشعري العربي حتى حين يكون ضدياً. الثالث: لا يمكن هذا التواصل ان يكون فعالاً يغني الابداع الشعري العربي الا اذا كان كلحظة خاصة من الممارسة الابداعية، انقطاعاً عن كلام الشعراء الذين سبقوه، ذلك ان هذا الانقطاع هو الذي يحول دون ان يصبح الشعر تقليداً - اي دون ان تتحول الفاعلية الانسانية الى مجرد تكرار واستعادة، فالشعر لا ينمو الا في نوع من الجدلية الضدية او التناقضية، وعلى هذا يقوم التراث الابداعي الفعال، وهو ما سميته «بالمتحول» (راجع: الثابت والمتحول، بحث في الاتباع والابداع عند العرب ، دار العودة، بيروت)، وعنيت بذلك شعرياً النصوص التي يمكن وصفها بأنها لا تُستنفد، اي التي تكون، بسبب من فعاليتها المشبعة، حية دائماً حاضرة دائماً في اشكالية الابداع الفني. ان ما قدمناه ما يضيئنا في مسألة تقويم التراث، فهذا التقويم يظل قائماً ، ومفتوحاً ، ومعنى ذلك ان معرفتنا بالماضي تظل هي ايضاً مفتوحة ، تغتني بأبحاث مستمرة قد تكشف عناصر جديدة لم نكن نعرفها، وتقيم علاقات لم نقمها ، ومن هذه الشرفة نفهم معنى التأثير الذي يمارسه الشاعر، فالشاعر المؤثر في التاريخ هو الذي يحوّر او يعدّل في أفق الحساسية والتعبير، الذي ارتسم في هذا التاريخ.. هكذا نقول ان ابا نواس، مثلاً مؤثر.. وكذلك ابو تمام.. لكننا لا نقول ذلك عن جرير او الفرزدق او البحتري ، لأن هؤلاء كتبوا ضمن أفق الحساسية والتعبير، الذي كان سائداً.. ولهذا كان دورهم الشعري بالقياس ثانوياً. لكن تجدر الاشارة هنا الى ان كل شاعر مؤثر، اي خلاق، يشكل عالماً خاصاً لا يُقارن بغيره مقارنة افضلية خصوصاً اذا كانت هذه المقارنة تستند الى الاسبقية الزمنية.. فلا يمكن النظر الى المسافة التاريخية التي تفصل بين الشعراء على انها تتابع متدرج في التقدم او التطور الشعري.. يتعذر القول مثلاً ان امرأ القيس افضل من المتنبي أو أن أبا نواس افضل من ابي العلاء والعكس صحيح. إنما يجب ان نلحظ في الوقت ذاته ان من الممكن القول ان نتاج هذا الشاعر يتيح لنا ان ندخل في حقل من الكشف اوسع من الحقل الذي يتيحه لنا ذلك الشاعر، وان لدى هذا الآخر فتوحات تعبيرية غير متوافرة عند غيره، وان في نتاج ذلك الشاعر تعديلاً او تحويراً في المبادئ التي كانت توجه الكتابة الشعرية عند اسلافه، نفتقدها في نتاج غيره.. لكن هذا كله لا يعني بالضرورة الافضلية او التقدم.. ذلك ان الشعر - حين يكون ابداعياً اي باختصار شعراً تكون قيمته في ذاته، لا بالمقارنة ولا بالقياس، ولا بالنسبة. ثانياً: الشعر والحدث ماذا بقي من الشعر الذي كتب حول الاحداث الوطنية العربية في نصف القرن الأخير؟ بقي الشعر الذي اخترق الحدث محولاً إياه الى رمز - وهذا بقي ضئيل جداً بالقياس الى الكم الضخم الذي كتب. يخترق الحدث محولاً إياه الى رمز: يعني ان الحدث أياً كان لا يمكن -ابداعياً- ان يكون غاية تخدمها أداة هي الشعر: الحدث، على العكس، هو وسيلة للشعر، اعني الابداع بعامة، الابداع الذي هو من جهة استقصاء للكائن وطاقاته وكشف عنها ، ومن جهة ثانية ترميز للتاريخ. غير ان لعلاقة الشعر بالحدث تنظيراً شائعاً اسمه «الواقعية» ويمارس تأثيراً واسعاً على الكتابة الشعرية العربية، وقد انتج هذا التنظير شعراً سُمّي ب«الشعر الواقعي».. ومع ان كلمة «واقع» تبدو واضحة جداً، للوهلة الاولى فإنها على العكس من الكلمات الاكثر غموضاً خصوصاً فيما يتصل بالعلاقة بين الشعر والواقع.. غير اننا اذا درسنا هذا النتاج نرى انه يتمحور حول واقع الحدث: بقوله، خاضعاً له ، متكيفاً معه.. انه هنا بدئياً، وسيلة، وهو كوسيلة يقوّم بدئياً ايضاً بفائدته العملية: لا يُقرأ لشعريته ولجماليته بل لمنفعيته - إعلاماً ، او تربية ، او تحريضاً، انه «سلاح» في الساحة، بالنسبة الى اصحاب اليسار، «وزينة» في البيت، بالنسبة الى اصحاب اليمين، وسواء كان «قومياً» او «طبقياً» «تقدمياً» او «رجعياً» ، فإن دوره هو دور الأداة، وهو في هذا ليس الا تنويعاً على الشعر العربي القديم - لكن في مستوياته الدنيا، فنياً - عنيت شعر السياسة الخلافية أو الخليفية، والشعر الحكمي - الاخلاقي التعليمي .. ومعنى ذلك أن لغته الشعرية تقليدية على مستوى الماضي وشائعة على مستوى الحاضر، ومن الشروط التي يجب ان يحققها النص، لكي يكون شعرياً، شرطان: الخروج على الكلام الشعري التقليدي، والخروج على الكلام الشائع ، السائد.. وطبيعي ان هذا الخروج بما هو فني، لا يتحقق على مستوى النظرية او الفكرة او المضمون، وانما يتحقق على شكل التعبير - اي بنية الكلام، ومن هنا لا يعد ذلك النتاج الشعري «الواقعي» شعراً، بالمعنى الحقيقي وانما هو نصوص سياسية او اجتماعية، وقيمته من هذه الناحية في وظيفيته اي انه ينتهي حينما تنتهي وظيفته ، وذلك على النقيض من النصوص الشعرية .. ان ملحمة جلقامش تمثيلاً لا حصراً ، انقطعت كلياً عن وظيفتها في اطارها الاجتماعي ، التاريخي ، الاصلي - ومع ذلك لا تزال نصاً فعالاً ، عظيماً .. والسر في ذلك ان الابداع لا يحدد بوظيفيته المنفعية او بتعبير آخر: لا وظيفة للابداع الا الابداع. لا يعني هذا ان الشاعر «حيادي» او يجب ان يكون «حيادياً»، بل يعني انه لا يجوز ان يخضع كتابته للمقتضيات الايديولوجية والسياسية ولمستلزمات الايصال والعادة السائدة في طرق الكلام.. فليس الانحياز في الشعر ان يسوّغ او يدافع ، أو يمدح او يهجو، ان يعلم ويبشر، وانما هو ان يغير الطريقة السائدة في رؤية الحياة والعالم ، والتي عبر تغييرها مجازياً تنشأ صور وطاقات لتغيير العالم، مادياً دون ذلك لا يكون الشاعر كاتباً - اي يمارس التعبير عن طاقة خلاقة وفعالة وانما يكون مستكتباً يقوم بوظيفة محددة.. ان دور الشعر في شعريته ذاتها، في كونه خرقاً مستمراً للمعطى السائد.. واذا كان لابد من الكلام على انحياز ما او التزام في هذا الصدد، فإنه الانحياز الى الحرية الكاملة في ابداع هذا الخرق.. هنا تكمن اختلافية الشاعر، اي فرادته، وهنا تكمن فاعليته وفاعلية الشعر. ما يكون، في هذا المنظور، معنى «الواقع» او «الواقعي»؟ لكن لنسأل اولاً: ما العلاقة بين اللغة وما نسميه «الواقع»؟ حين اقول مثلاً: «شجرة» فإن هذه اللفظة ، كاسم لا تشبه في شيء مسماها - الشجرة «الواقعية» الموجودة في الطبيعة، والعلاقة ، إذن، بين «الشجرة» كلغة «والشجرة» كشيء «واقعي» - مادي ، كيفية، اصطلاحية.. فليس هناك اي تشابه بين اللغة والواقع.. بتعبير آخر لا يمكن اللغة ان تقول: «الواقع» وانما تقول ما تتوهمه او تتخيله أي انها عمقياً تقول ذاتها.. وبهذا المعنى تحديداً ، يصح القول: ان العالم لغة والانسان لغة.. ومن هناك لا تمكن في التقويم، مقايسة الشعر بالواقع.. فهذه المقايسة يمليها الهاجس التحليلي، العقلي - المنطقي، الهاجس الذي يصر على ان يرى «آلواقع» او «الحقيقة» او «الصواب» في العمل الشعري.. وهذه مفهومات ايديولوجية تقتضي، قبل الكلام عليها كمسلمات، اسئلة: ما الواقع؟ ما الحقيقة؟ ما الصواب؟ ودلالة ذلك ان مرجع العمل الشعري ومقياس تقويمه ليس في «الواقع» او «الحقيقة» او «الصواب»، بل في شعريته ذاتها.. فليس «الواقع» هو الذي يحوّل الكلام الى شعر، بل «الفن» هو الذي يحول الواقع الى شعر، اي الى لغة ، فليس الشعر الواقع، بل الوعد.. ومعنى ذلك ان قيمة العمل الشعري لا تكمن في مدى كونه «واقعياً» او «حقيقياً» اي في مدى كونه «يمثل» او «يعكس» وانما تكمن في مدى قدرته على جعل اللغة تقول اكثر مما تقوله عادة، اي على خلق علاقات جديدة بين اللغة والعالم، وبين الانسان والعالم.. ومن هنا لا يمكن فهم العمل الشعري ، الفهم الحق، بالعودة اوبالاستناد الى «الواقع»، بل بالعودة او بالاستناد الى الطاقة التي يختزنها لتكوين مثل تلك العلاقات. ثالثاً: في الشعرية إيضاحاً لما أعنيه ب «الشعرية»، أشير الى أن هناك، من الناحية «الكمية» طريقتين في التعبير الأدبي: الوزن والنثر، ومن الناحية النوعية أربع طرق: أ- التعبير نثرياً بالنثر(1). ب- التعبير نثرياً بالوزن(2). ج- التعبير شعرياً بالنثر(3). د- التعبير شعرياً بالوزن(4). لنحاول، مثلاً، أن ننثر المثال الثاني (زهير/ المتنبي). سوف يتضح أن التوتر الدلالي يبقى كما هو في الوزن، وأن المعنى بالتالي لايتغير. إذن، هذا الكلام ليس الا نثراً صيغ في قالب وزني: شعر= نثر+ وزن. الوزن هنا خارجي، إضافة. انه كمي، لانوعي. أي أنه ليس عنصراً شعرياً. هذا المثال، إذن، على صعيد اللغة الشعرية، شبيه تماماً بالمثال الأول: إنه نثر، وإن كان موزوناً. أما حين ننثر أبيات المثال الرابع، فإن توترها الدلالي يخف أو يقل لكنها، مع ذلك لاتصبح نثرا، وإنما تبقى شعرا. الكلام الموزون هنا هو إذن: شعر# نثر (شعر نقيض النثر). وهذا المثال يتلاقى ، شعرياً، مع المثال الثالث. هكذا نرى أن الوزن في المثال الثاني تُكَأة، شيء زائد، مجرد قالب. وماعبر عنه بوساطته، يمكن التعبير عنه بالنثر دون أن ينقص شيء منه. ونرى أيضاً أن «المعنى» فيه شأنه في النثر:واضح، مباشر، عقلي ثم إن هذا المثال ينقل «فكرة» أو «مفهوما» ، وذلك على النقيض من المثالين الثالث والرابع اللذين ينقلان «حالة» أو «تخيلاً» وهذا يوصلنا الى القول ان الفرق بين الشعر والنثر ليس في الوزن، بل في طريقة استعمال اللغة. النثر يستخدم النظام العادي للغة، أي يستخدم الكلمة لما وضعت له، اصلاً. أما الشعر فيغتصب أو يفجر هذا النظام، أي أنه يحيد بالكلمات عما وضعت له، أصلا. لمزيد من الايضاح، آخذ مثلاً تبسيطياً: أ- الليل نصف اليوم. ب- الليل موج ( أو جمل) .(امرؤ القيس) . الجملتان هنا عن الليل، كموضوع واحد، لكنهما يثيران طريقتين مختلفين لإدراكه والاحساس به، عدا أن لهما معنيين مختلفين. المعنى في الجملة الأولى نثري، منقول بكلام نثري، والمعنى في الجملة الثانية شعري منقول بكلام شعري. الكلام في المستوى الأول إعلامي، اخباري، يقدم معلومات حول الأشياء، ويدور في إطار المحدود، المنتهي، اما الكلام في المستوى الثاني، فيوحي ويخيل، يشير الى مايمكن أن يكتنز به الشيء، ويوحي بصور أخرى عنه، أي بامكان تغيره، وهو يدور في المنفتح، وغير المحدود. ونخلص من ذلك الى القول ان الوزن ليس مقياساً وافياً أو حاسماً للتمييز بين النثر والشعر، وإن هذا المقياس كامن بالأحرى في طريقة التعبير، أو كيفية استخدام اللغة أي في الشعرية. أود، ختاماً، أن أقدم الاشارات التالية التي توجز أوتضيئ ما سبق: أ- التراث افق معرفي، ينبغي استقصاؤه باستمرار، لكن مفهومات وطرائق تعبيره غير ملزمة ابداً. والشاعر الخلاق هو الذي يبدو، في نتاجه كأنه طالع من كل نبضة حية في الماضي، وكأنه، في الوقت نفسه، شيء يغاير كل ماعرفه هذا الماضي. ب- اللسان، لا الواقع، هو المادة المباشر في عمل الشاعر باللسان وفيه يرى العالم وشكله. هذه الممارسة المادية للسان تفرض عليه أن يكون عارفاً المعرفة العليا به، ومتقنا الاتقان الأكبر لتاريخيه الكلام الشعري، ولكيفية الكتابة شعرياً. فإذا كان الانسان حيواناً ناطقاً، فإن الأكثر معرفة باللسان هو الأكثر انسانية. والحد الأدنى، اذن الذي يجب أن يتوفر لمن يكتب الشعر هو أن يكون، بعد هذه المعرفة، متميزاً بطريقة استخدام اللسان، أي أن يكون له كلام شعري متميز، وأن تكون له تجربة خاصة في الكلام، وهذه التجربة تفرض بدورها على القارئ الناقد المعرفة العليا ذاتها، إن عطاء الابداع يفترض، بل يشترط إبداعية التلقي. ج- بيانياً، أوفنياً، يمكن القول بأن المجاز التعبيري هو الطابع العام للكلام الشعري السائد، ويقوم هذا المجاز اجمالاً على وصف ظاهري ليس له ماورائية. فوظيفته زخرفية: تزيين لمعني أول بمعنى ثان. إن بيانية الابداع الشعري العظيم تقوم على ما أسمّيه ب المجاز التوليدي فهو بما يتضمنه من البعد الأسطوري- الترميزي، وبقدرته على جعل اللسان يقول أكثر مما يقوله عادة، أي على جعله يتجاوز نفسه، يكشف عن الجوانب الأكثر خفاء في التجربة الانسانية، مما لايستطيع الكلام التعبيري- العادي أن يكشف عنه، وهو يدفع تبعاً لذلك الى رؤية العالم بشكل جديد، والى إعادة النظر فيه. انه يدخل الى مجال التصور الانساني أبعاداً تقود الانسان نحو ابعاد أخرى، نحو فضاء آخر. وفي هذا المستوى، يصح القول إن هزال عالمنا عائد، في المقام الأول، الى الهزال في طريقة استخدام لساننا العربي. ذلك أننا، إذا درسنا هذا الاستخدام السائد، من حيث هو دال أو حقل دلالي، يتضح لنا أن العلاقات التي يقيمها أو يكشف عنها- إنما هي علاقات ترتبط بما هو سائد وهو، إذن، استخدام يقدم عالما يموت، لا عالما يولد. ومن الطبيعي ان يتجلى الشعر الذي يقوم على المجاز التوليدي، غريباً مفاجئا، غامضا، وسط ذلك السائد. ذلك انه يفجر الجوانب الأكثر غنى وعمقا في كياننا، الجوانب التي جهلناها أو تجاهلناها وكبتناها لأسباب كثيرة اجتماعية وثقافية وسياسية، وفي هذا المستوى يكون الشعر خلقا، يكشف عن الأجزاء الخفية أو المنتظرة أو الغائبة من وجودنا ومن مصيرنا على السواء. د-إن الكلام على ارتباط الشعر بما يسمى «الواقع» ليس له في التحليل الأخير، على الصعيد الابداعي، أية قيمة- عدا أنه كلام ايديولوجي محض. ولذلك ليست المسألة، شعريا، وبخاصة على صعيد التواصل، مسألة العلاقة بجمهور «جماهيري»، أي بجمهور ايديولوجي مسيس أو متسيس، وإنما هي مسألة العلاقة مع مجموع المجال البشري القارئ الذي يوفره المجتمع. والكتابة الشعرية إذن، ممارسة باللسان، في حقل لساني - اجتماعي، ثقافي، متناقض، معقد، متنوع. وهي تحدد وتقوم في هذا المستوى، لا في مستوى «الحزب» أو «الجمهور» أو«المنظومة الايديولوجية». ه - لايزال المكان الثقافي- المادي في قبضة القديم التقليدي وتحت هيمنته. هكذا يبدو النص العربي الابداعي، نص المستقبل، كأنه يتحرك في مكان متخيل، في هذا المكان تذوب الحدود التقليدية التي ارتسمت كحدود فاصلة بين الأنواع الأدبية، ولايعود ثمة نوع صاف، وإنما ينشأ النص/ المزيج، النص / الكل، لهذا يبدو المكان، مادياً وشعرياً، تفتتا فاجعا، عائما في سديم يتموج بين «المحيط والخليج»، ويبدو كأنه المكان الوحيد لكل خلاق، هو هذا اللاّمكان. ( الحمامات «تونس» أيار« مايو» 1981). شعرية الحضور يمكن وصف التجربة الشعرية في هذه المجموعة الصغيرة التي اخترتها من شعر يوسف الخال، طول السنوات العشر الأخيرة، بأنها تجربة إيجابية تقوم على معرفة الله والإنسان والوجود، معرفة تنفي كل جدلية وسلب، في مثل هذا الإيجاب تتم تحولات الروح التي تهيئ للوحدة مع الأشياء المتعالية، أشياء القداسة والسر، وفيه تكريس شبه طقوسي للضعف الأصلي في الانسان، وللنقص الذي أعطي معه قوة التغلب عليه، بالعودة الى المتعالي- الى المطلق، المليء، الكامل. لهذا قد يستحيل النظر الى هذه التجربة من زاوية شعرية أو جمالية خالصة، في معزل عن الإطار والبعد الميتافيزيقيين، فالشعر الذي يصدر عنها مغامرة روحية - إيمان هو في المعنى الأخير أكثر أهمية من الشعر. هذا الشعر هو، من هذه الوجهة، وبالطبيعة، شعر غاية. الهوامش < نص الكلمة التي ألقيت في ندوة «قضايا الشعر العربي المعاصر» التي عقدت في تونس بين 4 - 8 ايار 1981، في المركز الثقافي الدولي بالحمامات، والتي دعت اليها « المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم». (1) مثاله: «واعلم ان الدنيا ثلاثة أيام: فأمس عظة وشاهد عدل فجعك بنفسه وأبقى لك وعليك حكمه. واليوم غنيمة وصديق أتاك ولم تأته طالت عليك غيبته، وستسرع عنك رحلته، وغداً لا تدري من أهله، وسيأتيك ان وجدك» (أكثم بن صيفي). (2) مثاله: «وأعلم مافي اليوم والأمس قبل ولكنني عن علم مافي غدٍ عم» (زهير بن أبي سلمى) وكن على حذر للناس تستره ولايغرك منهم ثغر مبتسم (المتنبي) (3) مثالة: «.. ليس في أخذ الريح بالشجر حتى تغدو الأغصان كدرجات القانون تحت النغم، ولا في انبساط الصحراء تحت تفاريق من العشب بلون الرماد كأنها صنف من الطنافس لاخمل له، ولا في تآلف الغيوم في جانب من الأفق ومشي جبالها البيضاء في زرقة الصحو، ولا في تطاول مدى الصحراء حتى تلتقي أطرافها الأفق، فكأن السماء في الأرض أو الأرض في السماء.. أقول لا ، أيها القارئ ليس في ذلك مايقال له وحده، وإنما هو انفراد بلذائذ شهية وانطراح في أحضان رحيمة، وعود فرع الى أصل» ( أمين نخلة/ اوراق مسافر). (4) مثاله: - مطر يذوب الصحو منه وخلفه صحو يكاد من النضارة يمطر (أبو تمام) - كأن سماء اليوم ماءٌ اثاره من الليل سيل، فالنجوم فواقعه (الشريف الرضي) - فيالك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيديل (امرؤ القيس) - ضاقت علي نواحيها فما قدرت على الإناخة في ساحاتها القبل (الشريف العقيلي)
< مقدمة لمجموعة «قصائد مختارة» من شعر يوسف الخال ( دار مجلة شعر، بيروت 1962 ، وقد نشرت في مجلة «أدب» العدد 4، خريف 1962بعنوان : «فاتحة التجربة المسيحية في الشعر العربي».
|