|
لــئـلا يــعــود هــارون الـرشـيــد لـعـبـــدالــلــه الـقــصـــيـــمــي
27/03/2007
صــرخــة مـــدوّيـــة فـي كــهــــف عـــربــي عـــمــيـــق
لا يزال الكاتب السعودي عبدالله القصيمي يثير جدلاً في مماته كما كان يثيره في حياته. فعلى رغم مرور عشر سنين على رحيله، فإن كتبه المعاد طبعها تقلق المؤسسات التي تصنّف نفسها وصيةً على الدين والفكر والاخلاق، فتمارس سلطتها المدنية والسياسية في منع هذه الكتب ومصادرتها، كما جرى العام الماضي مع كتابه "الكون يحاكم الإله". ندر ان اختلف جمهور حول كيفية قراءة كاتب كما اختلفوا حول القصيمي، منهم من استنكر كتاباته ووصفها بأنها "مقرفة" وألصق بمؤلفها أبشع الاتهامات، وحجّته في ذلك ان الرجل ارتدّ الى الالحاد منذ كتابه "هذي هي الاغلال" الذي نشره للمرة الأولى عام 1946، بعدما كان دبّج كتاباته بالتهكم والسخرية. ومنهم من اتهمه بالجنون والعصاب وشتى الامراض النفسية، فيما انصفه كثيرون وقرأوه بإعجاب ونظروا الى كتاباته باعتبارها ثورة على التقاليد والعادات البالية في وجه الخرافات، وثورة على المؤسسات والسلطات الدينية في الآن نفسه. منذ اعوام، تعيد "منشورات الجمل" اصدار كتاباته متحديةً الرقابة الرسمية واحتمالات مصادرة كتبه، فنشرت له "العرب ظاهرة صوتية" ثم "عاشق لعار التاريخ"، "وهذي هي الاغلال" و"الكون يحاكم الإله". وأصدرت حديثاً كتابه "لئلا يعود هارون الرشيد"، وهو مجموعة مقالات متفرقة تندرج في السياق الفكري والنقدي لكتاباته. واضافت الدار على المقالات نصوصاً سجالية مع كتاباته وبعض ردود الكاتب عليها.
تتمحور كتابات القصيمي بشكل عام حول الانسان العربي في كل أحواله، من الحاكم المستبد الى رجل الدين، ومن الكتّاب والمفكرين الى رجال الاعمال، وصولاً الى المواطن العادي، فتكشف "المستور" القبيح المتحكم في كينونة الانسان العربي الذي يعيش فصاماً بين حياته الخارجية ذات المظهر الكاذب وداخله الحقيقي الممتلئ ضعفاً ونفاقاً وشعارات زائفة. يتصدى الكاتب الراحل لشعار الوحدة العربية ولحلم الدولة العربية الواحدة التي ينادي بها الحكام العرب ومعهم بعض الحركات السياسية ذات الطابع القومي. ينظر الى هذه الوحدة بخوف، اذا ما تحققت، لانها ستندمج بوجود القيصر الواحد. يعطف خوفه هذا على خلفية ايديولوجية عربية ذات طابع ديني، لان القضية الاساسية لدى العرب كانت دائماً "الاصرار على وحدانية الإله ووحدانية النبي والامام والخليفة"، وكل خروج على هذه المبادئ يضع صاحبه في موقع الزندقة. لذلك يصرخ: "يا دولة العرب الواحدة، اني اخاف مجيئك لاني اخاف هارون الرشيد الجديد". يرمز هارون الرشيد، لدى الكاتب، الى انفاق المال على الجواري والشعراء والمغنّين، واستخدامه رجال الدين ومعهم الآيات القرآنية والاحاديث النبوية في قهر الناس واذلالهم. لا يرى في قيصر جديد آتٍ على رأس الدولة العربية الواحدة سوى تجديد لهارون الرشيد الذي سينفق الاموال هذه المرة على المغامرات والمؤامرات وأجهزة المخابرات والمباحث ورشوة الحكّام وشراء المذاهب الدينية والمواقف الفقهية. وهو ما سيؤدي الى إبقاء العرب أسرى تخلّفهم وانقيادهم بالتالي الى حكم الاستبداد، والى توافر ترسانة ايديولوجية يستخدمها الحاكم في ممارسة أبشع أنواع الاضطهاد.
يتوقف القصيمي أمام الصراع العربي - الاسرائيلي فيزيد من حدّة نقده للعرب في عجزهم عن مواجهة إسرائيل. يسخر من نظرة الحكّام العرب الى اسرائيل ومن ابواقهم الدعائية، فتارة يعتبرونها ملغاة من الوجود فيرفضون الاشارة الى اسمها، وطوراً، يزرع اعلامهم كل انواع الخوف والرعب منها، بما يسمح للسلطات الحاكمة باستباحة الثروات العربية وتكديس الاموال استعداداً لتجهيز الجيوش المطلوبة لمواجهتها. لا يخفى على الكاتب ان استحضار الخوف من الكيان الاسرائيلي يصب في وظيفة اساسية لتشديد الرقابة على الفكر العربي والانسان وحقّه في ممارسة التعبير عن الحرية، لمصلحة أبشع انواع الاضطهاد عليه، تحت شعار "كل شيء من اجل استعادة فلسطين". لكن حصيلة المواجهات بين العرب واسرائيل تجلّت في هزائم ساحقة للعرب، كانت صفعات مهينة لهذا الانسان العربي الذي صدّق حكامه وابواقهم الاعلامية في الاستعداد للمعركة القومية، وانخدع بهم لسنوات طويلة. لذلك يصرخ القصيمي في وجه العرب ويدعوهم، حكاماً وشعوباً، للخروج من لغة التحقير والهجاء الكلامي ضد اسرائيل، والاقلال من حديث التخويف والتيئيس، من اجل انخراط اوسع في ركاب التطور والتقدم واطلاق الحريات السياسية والتوقف عن قمع الشعوب، باعتبارها وسائل ناجعة لمواجهة العدو الاسرائيلي.
يصبّ القصيمي غضبه على النفط في العالم العربي، وهو ابن بلد يزخر بثروة نفطية هائلة شهد الكاتب جيداً على كيفية استخدامها وعاين آثارها السلبية على بلاده والبلدان العربية. يصرخ "يا نفطنا الذي لم يبق نفطنا، بل نفط بعضنا"، منبّهاً الى ما فعلته هذه الثروة التي وهبتها الطبيعة للعرب تعويضاً عن ضعف موارد أخرى. تحول النفط الى اداة لنهب الثروات، ومدخلاً للسيطرة على العالم العربي. أما في الداخل العربي، فبدلاً من توظيف هذه الثروة في خدمة التطور العربي، تحولت اداة رهيبة في يد القوى المتخلفة التي لا تزال تحكم وفق منطق البداوة. اعتبره الحكّام ملكهم الخاص، وامواله حق لهم يتصرفون بها كيفما يشاؤون، فوظفوا هذه الاموال في البذخ والفجور واشباع الملذات الخاصة. هكذا تحول النفط نقمة بدل ان يكون نعمة، ويخاطبه القصيمي بلغة ملؤها السخرية والألم: "يا نفطنا، يا أتقى من كل أنبيائنا، يا أفجر من كل أبالستنا، يا أقوى من كل آلهتنا، يا أكرم من كل تاريخنا، يا أمجد من كل آبائنا".
يولي القصيمي مسألة حرية الفكر والتعبير حيزاً مهماً من كتاباته، وهو الذي عانى طويلاً من اضطهاد متعدد المشارب باسمها. يستغرب المنطق العربي الذي يؤكد حرية الفكر التي واكبت التاريخ الاسلامي والعربي منذ القديم، وادعاء حمايتها بصرف النظر عن جنسيات الكتاب والمفكرين أو أوطانهم. يؤلمه هذا الاصرار، فينفجر غاضباً في وجه مثقفين ومفكرين وهيئات دينية متهماً اياهم بالكذب والنفاق وممارسة منافية للادعاءات التي يتشدقون بها. فاذا كتب كاتبٌ ما آراء محددة حول الدين والثقافة العربية، مخالفة للايديولوجيا السائدة، رأينا كيف تنقلب ادعاءات الحرية اتهامات بالكفر والزندقة والتآمر ومعاداة العروبة وتهديم القيم العربية المجيدة، بما يضع الكاتب في خانة المرذولين، فيصبح مصيره الشخصي معلّقاً بين السجن أو حبل المشنقة. يدلل على ذلك في كيفية النظر الى كتاباته المخالفة واتهامه بالشيوعية وانكار الآلهة والهزء من النبوات ونشر بذور اليأس والتشاؤم، لان هذه الكتابات حاولت مخالفة السائد من التقاليد البالية، وتجرأت على دعوة العرب الى الوقوف في وجه الارهاب الفكري والمادي، والى الافادة من دروس التاريخ لاعادة الثقة بأنفسهم سعياً الى بناء مجتمعات متطورة.
سيظل القصيمي واحداً من الذين تمردوا باكراً على بنى متخلفة تحكمت ولا تزال بالعقل العربي، وهي بنى يعاد احياؤها وانتاجها اليوم عبر اثارة العصبيات القبلية والصراعات الطائفية والمذهبية وتحويلها نزاعات اهلية. لذلك تكتسب آراء القصيمي راهنية متجددة باعتبارها صرخة مدوية في كهف عربي عميق.
النهار
خالد غزال
|