|
ليلة طوفان الصواريخ
26/03/2007
نص مفتوح في حسابات منقسمة تشبه السقوط في فخ هلامي تناهى الى مسامعه صوت المؤذن من بعيد ، والساعة المتبلدة تتحجر في ذاكرته ، ساعة حجرية عقاربها جامدة على رقم موغل في صحارى ذاكرة لزجة ، ساعة تشبه الكرة ، تقرأ من الزاوية التي ينظر اليها ،فهي تحتمل كل تأويلات الارقام لكنها عصية عن الفهم وهي بلا حراك ، ودونما مناسبة كانت السماء تشير الى خيوط تتصاعد ببطء لضوء رصاصي بدأ يخترق العتمة ككرة متجمدة تتحول بصبر عجيب الى اصابع تخترق حافة الليل السفلى تعلو نحو حافة وهمية لافق مسطح ....كالافق الذي يراه الناظر الى السماء في مكان وقوفه على الحافة حيث تتشابك عشرات الاصابع الرصاصية في اتحاد اول لتشكيل فسحة الرؤية ، - (في ليل المدن التي تترقب حدثا ما، يشكل صوت المؤذن فيها ملاذا ). هكذا كان يردد مع نفسه الكلمات التي كان يقولها الجميع ،وتدور في فمه يمضغها كل حين كلعابه، لكنه استدرك حينما وجد نفسه وسط مجاميع من اناس مثله تماما قال احدهم: كنا نشكل عينا واحدة تتجه الى السماء تنشطر الى ملايين العيون ، او وهذا ماحدث حينها قبل الفجر حيث تحولت ملايين العيون الى عين واحدة تراقب السماء ، وتردد الشفاه كلمات المؤذن الاخيرة في صباح بدا انه لايريد ان يظهر او يعلن عن وجوده، بقي هكذا لون رصاصي اولي للضوء الاحمر المرتقب الذي يوشك ان يولد ، وبقيت العتمة طاغية على كتلة الضوء الرصاصي التي عجزت عن اظهار الارتفاعات المتوارية في الظلمة – ايما ارتفاع مهما كان كبيرا او صغيرا - ، او اشباح العمارات الهائلة المطلة على شوارع خلت تماما من كل شيء ، ولم تظهر تلك البيوت التي اغلقت ابوابها ، او الحقول المرسومة بعناية ، لم تظهر ايما قوة للون خضرتها وبدت سوداء كالمقابر الفسيحة المطلة على اول الصحراء ، حيث تطل الشواهد من داخل المدينة حتى تخومها البعيدة ، حيث الصحراء التي بدت كبساط اسود وفسيح دونما اى ضوء يشرخها ، وكان كابوس الساعة الحجرية الجامدة هو المهيمن ، وعدا صوت المؤذن لم يستطع احد منا ان يتحرر من ترقبه ، ولم نسمع ايما صوت في ساعاتنا التي كانت تشير الى ارقام مختلفة ، ولم يجزم احد منا في تحديد الوقت الحجري البارد في ليل مدينة تترقب حدثا ما في ساعة ما رغم ان عيوننا كانت تتطلع الى العقارب التي تحجرت وكذلك الارقام التي تفاوتت وتقاطعت مع قوة الضوء الرصاصي المنبثق من حافة الارض ، وغدا توقفنا الحزين في ذلك اليوم بلا جدوى وتركنا التطلع الى مكان ما بعد ان غادرنا صوت المؤذن وصمتت مكبرات الصوت التي شقت سكون مدينة ممتلئة بالاضطراب ، اما باقي حيواتنا فقد انصبت – عدا الانتظار – على قدرة حواسنا على التكيف ، فتحولنا الى نوابض تضرب الارض وترتفع قليلا لتهبط ثم ترتفع ، حواس متيقظة ومستيقظة لامتصاص كل مايتعلق بالصدمات ، صدمات الارتفاع والهبوط ........... - رأيت فيلما يوم امس .... وبقيت ......... صمت محدثي وهو يلامس بكفيه الارض حيث تمدد وسط الغرفة المستطيلة، ولم اعره انتباها ، وخيم صمت طويل اجبرني على التطلع في الافق حيث كتلة اللون الرصاصي متجمدة فيه ، وعدت احاول ان ابحث عمن يتطاول على الصمت بحثت في حيوات الساعة الحجرية فوجدتها جامدة مثلي ومثل هذا الكائن الذي انبثق من مكان لااعرفه ، كنت اطوق بنظراتي الهلعة حجر الساعة الصامتة ........ - الفيلم يتحدث عن شرخ في الزمن ، تحت جسر هلامي كبير ، جسرا، ساعة يظهر ككتلة حديدية واخرى ككتلة خشبية ، وكل من يقف قريبا منه ويستطيع بشكل ما ان يصعد سلالمه الخشبيه الموزعة تحت الهيكل كخيط عنكبوتي ، بدوائر وارتفاعات ، ويصل اعلاه يتحول به الزمن ،ويتحول اقصد بها انه يتقدم عبر بوابة تاريخية يسقط متقدما خمسين عقدا ربما اقل قليلا او اكثر قليلا ....... صمت الرجل الممدد على الارض وكان يراوح بساقيه ، يمدهما حينا او يطويهما حينا اخر ، وكنت حينها امتلك حواسي بشكل مذهل ، حيث تتوزع بين الساعة الحجرية والتطلع اليها ، مجردا من كل نوازعي الانسانية المختلفة، جسدا متوترا ينبض في تلك الحركات الايقاعية الصامتة والمنفلتة التي لااستطيع ان اكبح جنونها، او ان اسيطر على حركات جسدي وهو يحيا بشكل او باخر في اتون الايقاع الحزين والرتيب الذي رسم لي ولغيري ، فكرت في الشرخ الزمني الذي يتحدث عنه وتخيلت الجسر .... - شرط ان يهطل مطر شديد ، مطر وريح ، وفي اثناء المطر وقبل انتصاف ليلة لها علاقة بالسر الحاد المتمثل بالهبوط او الصعود ..... واصلت مخيلتي محاولة رسم جسر وشرخ وهاوية استطيع منها الولوج داخل السر او خارجه اوعلى الاقل امكانية الخروج من الفخ ، فخ الانتظار ، فقلت لمحدثي في مرور قسري من بوابة الفخ - وهل هذا لمن يصعد فقط ... ؟ قال وهو يمسح وجهه بكفيه ، كانه يزيح شيئا ما التصق فيه .... - الامر سيان ، الهبوط يعني رحلة ، والصعود يعني رحلة اخرى ولكن في اماد مختلفة ، هي عقود ، عشرات او مئات ...!!! صمت محدثي وبقيت خارج الدائرة المحاطة بالساعات الحجرية برهة وانا الهث وارسم شكل هبوط قسري وقاس من اعلى جسر في يوم ممطر ، ربما اجد حلا ، او اصعد في محاولة لكسر جمود الحاضر المحاط بالانتظار ، لكن محدثي اختفى بغتة وبقيت وحيدا في الغرفة ، وعادت الساعة الحجرية الهامدة ترسم شكلا اخرا لنهار يكاد ان يلج بوابة زمننا ، حينما اعلن حضوره الحاد في اول الانفجارات ...... وبقيت اسمع صوته فقط يدوي وسط الغرفة المظلمة......عاد محدثي الغامض ابيضا كالثلج بحلة بيضاء محاطة بدوائر رصاصية غامقة ووجه بلا ملامح ، اشار باصبعه نحو الضوء المتساقط علينا كشلالات متجمدة ، كان يلهث ، كأن دخوله بوابات الرصاص الغامق قد اعيته تماما : - كانت سماء المدن الموضوعة وسط مربع الانصهار غائمة ، وكرر - غائمة جدا - واضاف بنشوة مفتعلة : - حينما خرجت الى الشارع لم يكن الفيلم قدانتهى ، شعرت ان الجو بارد ، بارد جدا ، واحاطتني هالة من العتمة التي تشبه الغيوم السود لكني وصلت بوابة الجسر ، ونجحت بالتغلب على خوفي ، والقيت نفسي من علو هائل نحو ظلمة بدأت بابتلاعي ، كنت اسقط بسرعة وثمة ريح احالتني نحو بوابات بدأت تفتح وانا اواصل سقوطي المريع , لكني سمعت دوي الانفجارات في اعلى الجسر ، وقلت ان قيامة الصواريخ قد ازفت ، وانها بدأت تثقب جسد المدينة ، ورأيت من بعيد حيث مكان سقوطي عشرات الساعات وهي تتكتك بصوت واحد ، ثم انضمت اليها الاف غيرها ..كان دويها يتصاعد ، ولم اكن ادرك ان مدينتنا الحبيبة تكاد ان تزال من الوجود الا حينما وصلت القاع ، حيث لامست ارضا اخرى ، وسرت في شوارع اخرى ، وانا المح الحرائق من بعيد .... قاطعته وانا اصرخ بصوت اعلى من صوته - من انت ..... ؟ وماالذي تقوله ...؟ لكنه واصل بعناد وكأنه لم يسمعني : - انها حقائقنا الكبيرة التي نراها ساطعة كالنار ، وتلسعنا همجيتها ، وقد توصلنا الى حافة ما ابعد من الجبروت في ليلة طوفان الصواريخ . كان هذا في الدقيقة التي تلت انهمار الصواريخ الاولى على مدينة – بغدادا – ثم تلاها الطوفان ، اسئلة الشرخ الاولى ربما تمتلك اهمية اكبر من زمن لاعبي الخفة ، حيث لاطير يطير فيها ولاقوافل تسير ، كلها تحضر مؤونتها للسير نحو النقطة المرسومة بعناية سواء فوق الجسر او اسفله .
ـ * (( ليلة من ليالى بغداد عشناها ربما – وهذا مؤكد – فوق الجسر مع القتلة في شارع ما من شوارع بغداد قبل ان يحتل التتر بقيادة هولاكو مدينة الحب الاولى حيث كان هذا قبل اربعة حكايات، وكل حكاية كانت تحمل سرها بعيدا عن الارض وقريبا منها في ان واحد.........))....... بغداد 20-3-......... كل عام مادمنا احياء
|