الحافة : هل الحياة مفتوحة من الجهة الاخرى ؟
 
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  للمراسلة
العروس.. نصوص شعرية جديدة لماهر شرف الدين
10/03/2007
  

المشهد بديلاً من اللغة في استيلاد المعنى وظلاله


ليس في الشعر، على الأرجح، ما يُعفيه من تهمة التواطؤ على الواقع وتزوير طبيعته. ولأنه كذلك، فإنه من معدن "الخبث" الذي غالباً ما يلبس لبوس العفّة والطهارة. حبّذا لو يقتصر الأمر على هذه "الرذيلة" فقط. إذ سرعان ما يكشف الشعر عن منظومة معقّدة من الطبائع الدفينة في قدرته الفائقة على التحوّل السريع من شكل الى آخر. يستخدم شياطينه، كلما دعت الحاجة الى ذلك. يمارس هوايته المفضّلة، ليس في مداهمة الأشياء، على حين غرة فحسب، بل أيضاً في التسلّل خلسةً الى ما وراء الكواليس ليحيك المؤامرات على كل شيء من دون استثناء. ولكنه، قبل هذه وتلك، ينقضّ بوحشية بالغة على جسد اللغة. يعمل فيها تهشيماً. يحدث فيها إصابات بالغة وعاهات دائمة. حتى إذا انهارت بين يديه وتلاشت قواها، راح يقطعها أجزاء متناثرة في أجواء من الرعب المخيف. خبيث هو الشعر، لأنه يتودد الى اللغة بغية الفتك بها. ما أن يمتلكها حتى يقبض على العالم كله، بأشيائه وأحيائه جميعاً. يصبح سيّد المشهد بامتياز. راقصاً ماهراً على حلبة من اختراعه وحده. جريمة مغفورة هي تلك الإدانة التي تحكم على الشعر بتهمة التواطؤ والانتهازية. والسبب في ذلك، أن الشعر من نسيج الحياة نفسها، من روح الربيع، من تنهدات الورود التي تعشق الموت لتحيا من جديد. الشعر يقتل اللغة ليحييها على نحو لا تعود قابلة للموت، بل معرّضة للتحوّل من حياة الى حياة أرقى.
اللحظة المتحوّلة
يبدو أن ماهر شرف الدين في نصوصه الشعرية الصادرة حديثاً بعنوان "العروس"، عن دار منشورات الجمل ـ 2007، يكاد يلامس هذه التصورات من قريب أو بعيد. يفتح مداره الشعري على مصاريعه، مطلقاً العنان لعواء الذئب في مخيّلته لتختلط أصداؤه بكل ما تقع عليه بصيرته الشعرية. والأرجح، في هذا السياق، أن لديه جوعاً عميقاً لالتهام المفردات والتفاصيل والوقائع والأحداث والمتغيّرات ليعيد هضمها على نحو لا تعود هي إياها. بل تصبح رؤى أخرى من شأنها أن تضفي على المشهد الواقعي ما فاته من ظلال في معركة قاسية ضد الجحافل الزاحفة من عالم الرتابة.
على هذا الأساس، يسلك شرف الدين، على الأغلب، أقصر الطرق المؤدية الى مادته الشعرية، من دون التفاف عليها أو مواربة. يمارس رمايته الشعرية، علناً، في حقل اللغة على مقربة مذهلة من أكثر صور الواقع جاذبية وقرباً وتماساً مع التحوّلات المتسارعة في الحياة اليومية. وفي هذا، فهو ماهر في استهداف الشعر في مستوياته الدنيا. لا يكلف نفسه عناء التسلّق المرهق ليبلغ الشعر في عليائه. تقنية بسيطة في إعادة صوغ الواقع على إيقاع المشاهد المختلفة وهي تتوالد، باستمرار، من اللحظة الواحدة في أبعادها الإنسانية دائمة التحوّل. ومع ذلك، فإن البحث عن الشعر، في مستوياته الواقعية المتدنية، ليس مهمة سهلة. يبدو، كما توحي النصوص المذكورة، بأنها مغامرة شاقة ومرهقة، والأغلب مربكة، نتيجة لكثرة التفاصيل وتشظيها وتبعثرها. يصبح النصّ، في هذه الحال المحمومة بالتفاصيل وملحقاتها، ضرباً من اللهاث وراء اللحظة قبل أن تغيب الى الأبد. نلحظ، في هذا الإطار، أن الشاعر يستنفر ذاكرته، في حدودها القصوى، حتى لا يختلّ المشهد، فتُصاب الصورة بالتشوّه. ومع ذلك، نادراً ما يتعثّر شرف الدين وهو يستجمع أجزاء الصورة، وهو يعيد صوغها في مصنع الرؤيا الشعرية. تقنية صعبة، على الأرجح، غير أنها أخّاذة، وأحياناً مدهشة تضفي على النص شيئاً كثيراً من سمات سينما الحركة.
يكتب شرف الدين في نصّ بعنوان: "سعال": (سعالك في الليل، وأنت تقود الأوهام بالسكين، ترهبها بالسكين، تجبرها على البقاء معك. تجوع بصمت، وتخنق النوم بوسادة ممزّقة. جراحك مرسومة كالوجوه. تضرب الباب بقبضتك، والجدار برأسك، وتنام مكسور المعصم والقلب. سعالك في الليل، والجميع يقول أنك جننت، وطليت زجاج النوافذ بالأسود، وأنك تعوي كالذئاب فوق سطوحهم وتتكلم مع نفسك وتضحك).
زوايا الصورة
المشهد كما نلحظ، في النص أعلاه، مركب، على نحو يزدحم باللحظات المتسارعة بوتيرة عالية. الصورة الشعرية يجري التقاطها من جهات متعددة الأبعاد والزوايا والمؤثرات الصوتية والضوئية، إذا جاز التعبير. نوبة السعال تستولد الصورة في خلفياتها القريبة والبعيدة. تستدرج مناظر السكين والوسادة والجراح والجدار والمعصم والزجاج وعواء الذئب. ذاكرة تأكل ولا تشبع. تستنفد التفاصيل في أعماقها الخلفية ودلالاتها النفسية، على نحو يجعل من الجزء مساوياً للكل. يخيّل إلينا، في هذا السياق، أن الشاعر يستثير هذه اللحظات في ديناميكيتها الجزئية ليستخدمها ذريعة في تكوين البنية الكلية للصورة. هذا صحيح، الى حد ما، في التقنية المشهدية. غير أننا سرعان ما ندرك أن لكل من هذه اللحظات ـ الأجزاء، قيمتها الكلية أيضاً. اللحظة، في هذا المنحى المحموم، وسيلة وغاية في آن معاً. يصعب أن نقع، في نصوص شرف الدين، على معنى كلّي يخلص إليه. اللحظة الواحدة هي ما يستقدمها الشاعر إليه، ثم يقذفها، من جديد، صورة كلية، زمناً كاملاً في حدّ ذاته، توهجاً رؤيوياً تابعاً للصورة الأشمل ومستقلاً عنها.
الأرجح أن هذه التقنية هي التي تنظم العملية الشعرية في النصوص المذكورة، ولكن على نحو لا يفترض، بالضرورة، السقوط في شرنقة من الرتابة. على النقيض من ذلك، نرى أن هذه الجدلية بين تفاصيل الواقع وحيثياته، من جهة، وتفكيكه لصوغه، من جديد، تتطوّر من نصّ الى آخر لمصلحة تكثيف الصورة الشعرية لتصبح مرتكزاً هو الأساس يطغى على الواقع المادي الملموس. يبدو أن النصّ بعنوان "شهداء الشوكولا"، يمثل حالة محدّدة من الارتقاء بالصورة الشعرية في اتجاه أجواء صاخبة جداً من ذلك الاحتكاك العنيف بين اللحظة، في محتواها الواقعي، وترجمتها وهي تتحول الى ظلال شعرية مشحونة بطاقات تعبيرية شفافة.
يكتب شرف الدين في النص المذكور استجابة لأطفال عراقيين مزقهم تفجير انتحاري أثناء توجههم الى المدرسة: (الأطفال شهداء الشوكولا لم يحفظوا دروسهم ذلك اليوم، ولم يكتبوا واجباتهم. أحزنهم أنهم يأكلون الشوكولا وحدهم. فكروا أنهم أنانيون. توقفوا عن قضم الشوكولا، وانفجروا. الأطفال شهداء الشوكولا لم يغسلوا وجوههم جيداً، ولم يكملوا كتابة فروضهم المدرسية. أرهقتهم حرارة الشمس المحشوة بالصمغ، وأوجعتهم أحذيتهم الضيقة قليلاً... أطفال العراق الفقراء تمنوا نهاية أخرى، وأغمضوا أعينهم بقوة. نهاية تليق بضحكاتهم، وبصفوف أسنانهم الناصعة التي أبرزوها لتوهم... حلموا حلماً مزعجاً. صرخوا في نومهم. رأوا الملثمين يقطعون رأس الشوكولا. ازداد الحر. تمدد الهواء في رئاتهم. تحولوا بالونات صغيرة، طاروا وانفجروا...
نواة اللحظة
بمقدورنا أن ندرك، على الفور، من خلال النص أعلاه، ان ليس ثمة حالة شعرية جاهزة، تتشبع بها ذاكرة شرف الدين على نحو مسبق. لا شيء من هذا القبيل، على الأرجح، اللحظة الواقعية التي يشهدها الشاعر، تستولد أختها وثالثتها ورابعتها... وهكذا دواليك. وبالمثل، لا ينتقل الشاعر من لحظة الى أخرى، إلا بعد أن تتحوّل هذه أو تلك الى كشف لتجلياتها الشعرية. اللحظة، في هذا السياق، هي النواة التي تجذب إليها نواة أخرى. لا تتحرّك، قيد أنملة، قبل أن تستكمل ذاتها في اللحظة التالية. يتابع شرف الدين هذه التقنية على نحو يشبه عمل الكاميرا الفوتوغرافية سريعة الطلقات. الأطفال شهداء الشوكولا، تطاردهم عين الشاعر، حتى في لحظاتهم البعيدة غير المرئية. تسجلها بشغف كبير، وتسعى الى ألا تستثني منها شيئاً، حتى لا يحدث في الصورة الكلية فراغات جوفاء. قد يعزى هذا، بشكل أو بآخر، الى نفور الشاعر من الحفر العميق في اللغة، وفي المفردة الواحدة، على وجه التحديد، واستبدال هذا الأمر بمشهدية الصورة المتحركة وصولاً الى الحالة الشعرية. من أجل ذلك، لا نعثر في نصوص شرف الدين، على الاطلاق، على معاناة تذكر مع اللفظة الواحدة أو العبارة لاختراق ما ينمو حولها من معوقات متوارثة لإعادتها الى حالتها الأولى من الصفاء.
ومع ذلك، تشير هذه التقنية، الى أن الشاعر يستعيض عن الحفر العميق في اللغة للعثور على معنى المعنى، بالحفر في المشهد الواقعي المحسوس لاستيلاد ما كان ينبغي على اللغة أن تستولده. يصبح المشهد، بلحظاته المتهافتة، هو الجسد الحقيقي للنص، ليس بديلاً من اللغة بل ملازماً لها. وبدلاً من أن تنطق اللغة بوقائع الرؤيا الشعرية، يتولى المشهد هذه المهمة، على نحو لا تكلف فيه.
يقع الكتاب في 64 صفحة من القطع الوسط. ويتضمن نصوصاً سبعة هي: مدد؛ النشوة؛ سعال؛ شهداء الشوكولا؛ الزهرة القرمزية؛ المفتاح؛ العروس.


المستقبل

جهاد الترك
الحافة : .. 2006