|
وهم الحداثة ـ مفهومات قصيدة النثر نموذجا
26/02/2007
تأليف :محمد علاء الدين عبدالمولى
يذكرّ المؤلف الشاعر السوري محمد علاء الدين عبدالمولى (عشرة دواوين وعدة جوائز عربية وسورية) يقول الباحث عبدالعزيز حمودة ان الحداثة الغربية أعادت جدولة العلاقة بين الإنسان والآخر والقوى الغيبية والوجود بينما اشتغلت الحداثة العربية بعلاقة الإنسان مع لقمة العيش والسلطة والتخلف الاجتماعي والثقافي.
ويشكو من غزو المذاهب الغربية للثقافة العربية، ومن توزيع ألقاب التبجيل الثقافية من دون وازع حتى صار اللا معيار هو السائد وأصبح شاعر التفعيلة شاعر السلطة وشاعر القصيدة النثرية معارضاً، كما يذكر بأن مفهومات الحداثة الشعرية الأوروبية نشأت في بيئة أوربية استجلبت قسراً إلى النص العربي، حيث ازدهرت شكلانياً ككتابة بلا ملامح تحت شعارات مثل «النص المختلف» و«النص البديل» و«نصوص الرفض» و«الفن المغاير». المؤلف لا يمانع الحوار مع سوزان برنار وتودورف، لكن من موقع الندية ويرفض اسم «قصيدة النثر» غير خائف من تهمة «الأصولية» مثل محمود درويش الذي صرح عندما سأل عن رأيه في قصيدة النثر: أنا أخاف من الميليشيات... فالأمر لم يعد يحتمل المجاملة والخوف.
حتى يكشف المؤلف (أزمة المرجعية ومرجعية الأزمة) وان المدعوة قصيدة النثر (ضد نفسها) وعبثية، يبدأ مع بيان انسي الحاج الذي دعا إلى الهدم في كتابه «لن» عام 1965 والذي لم يرَ في التراث الشعري إلا القافية والوزن ووصفه بأنه رجعي ومنحط ولم يتحفنا بأكثر من قصيدة فرنسية مكتوبة بلغة عربية أو مرسومة بالحرف العربي، ومليئة بمفردات عصبية ثم يثني على أدونيس الذي كان أكثر تحوطاً مع مصطلح قصيدة النثر فسمى «قصائده» غير الموزونة ( كتابة الشعر نثراً) أو نصوصاً أو( شكلاً من الأفق الكلامي) كما فعل مع المزامير في أغاني مهيار الدمشقي.
تنطلق سوزان برنار في كتابها (قصيد النثر من بودلير حتى الوقت الراهن) من محددات وشروط الشعر الفرنسي، مع القول ان حساسية القارئ هي الحكم فالمسألة شخصية. وقد اختلست أفكار برنار في مجلة شعر بطريقة قسرية مجتزأة ومستمدة من فقرة واحدة مبتسرة من «مدخل» كتابها لا من مجمل نظريتها وأفضل وصف لهذا السلوك هو «إهدار السياق التاريخي للظاهرة الإبداعية».
يصل المؤلف إلى أن مأزق قصيدة النثر متعلق بمأزق الأمة في نكستها وهزيمتها وحداثتها الزائفة التي قصرتها على الشعر فوقعت في مجموعة من الأوهام حددها أدونيس بثلاث: وهم الزمنية بمعنى الاعتقاد بأن الحداثة مرتبطة بزمن بينما هي خصيصة تكمن في الإبداع الأصيل ووهم المغايرة مع القديم ووهم المماثلة مع الغرب باعتباره مصدر الحداثة.
يستغرب المؤلف شأن مبدعين يعادون تراثهم هذا العداء(انسي الحاج) ويذكّر بأن أدونيس ويوسف الخال كانا يوازنان بين الهدم والبناء بل أن أدونيس صار من الرموز الكلاسيكية التي أبدعت في جدل الاتصال والانفصال بين المعاصرة والتراث، فالحداثة تعني «الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى ما نسميه المعاصرة» كما يعرفها الجابري.
ويمضي الباحث إلى دراسة خريطة النتاج النثري ماراً بالتجارب الجنينية للقصيدة النثرية فيقف عند خير الدين الأسدي في «أغاني القبة» وأورخان ميسر في «سريال» ونثريات جبران جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني ليجد أن أغاني القبة ـ التي سماها الأسدي شعراً منثوراً ـ متفوقة على جنس قصيدة النثر بأشواط ويرد على محمد جمال باروت في آرائه في «أغاني القبة» في كتابه «الشعر يكتب اسمه» القائلة إنّ أغاني مكتوبة في إطار ثقافة ماضوية محضة وان قيمتها فنية تاريخية لا أكثر .
وأنها لم تسهم في النهوض الوطني! بالقول انه يجد فيها قيماً جمالية تتعلق باللغة والرمز والصوفية والرؤية والإيقاع النفسي والعلاقة مع المطلق وإطلاق مكامن اللاشعور بل انها تتفوق على شعر أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومحمود سامي البارودي دون أن يدفع المؤلف إلى الدعوة إلى إتباعه.
ويختلف مع باروت حول تقييم تجربة أورخان ميسر في سريال بوصف تجربته بالسريالية فعلى الرغم من «سرياليتها» فإنه لا يجد فيها لغة مستهجنة أو صوراً متقعرة مع اعتداد صاحبها بحرية اللاشعور فإنه يضبط نصوصه ويسم تجربة اندريه بريتون بأنها (رمزية متطرفة).
ويرى أن كتاب باروت لم يجابه قصيدة النثر ويسائلها ويختبرها بقدر ما كان تطويباً لها عن طريق تأريخها نقدياً بتواطؤ مع ثقافة السائد ومحاولة وضع قوانين لقصيدة النثر. كما يعرج المؤلف على نصوص جبران خليل جبران الذي لم يتبع الغرب أعمى وقبض على العالمية والمحلية معاً وميخائيل نعيمة الذي كان يكتب نوعاً من كتابة نثر القصيدة لا قصيدة النثر واحترم الوزن دون القافية.
لا يقتنع المؤلف بأن انتشار قصيدة النثر في وسائل الإعلام يمنحها الشرعية، فقوة الإعلام ليست دليلاً على المصداقية الأدبية، وفيه إقصاء للخصائص الداخلية للظاهرة الكتابية ويشير إلى أن كتاب قصيدة النثر صوروا أنفسهم كمحرومين من الانتشار وضحايا. ويكشف الأمر عن مسألتين: إما أن مسوّقي الظاهرة يريدون دحر النمط التقليدي ( قصيدة التفعيلة) لصعوبتها وشروطها أو أنهم جهلاء وأصحاب ثقافة شفهية تخشى من الاتهام بالتخلف وعدم مواكبة العصر.
ويورد آراء متطرفة لحلمي سالم الذي يستطيع أن يحرق 90 بالمئة من الشعر القديم وهاشم شفيق الذي يرى أن المستقبل لقصيدة النثر ويشبه دفاعهم عن قصيدة النثر بآراء أنصار النظرية الماركسية بعد انهيار الأنظمة الاشتراكية، وبشيء من التدقيق، يكشف أن بعض رواد قصيدة النثر تضايقوا من غياب النقد واستسهال الكتابة مثل انسي الحاج الذي احتج على ما آلت إليه أوضاع قصيدة النثر من «زعبرات».
ويحلل نماذج من قصيدة النثر التي وصفها محمد جمال باروت بأنها (قصيدة التفاصيل) ليؤكد أن قصائد التفعيلة لم تكن تخلو من التفاصيل (نزار قباني، صلاح عبدالصبور، أحمد حجازي، عبدالوهاب البياتي) وتكتظ بالحياة اليومية ويخلع عنها هذا الوصف الذي صار خاصاً بها، كما يردّ تسمية القصيدة الشفوية فاضحاً جهل من أطلقها بمعنى الشفوية ويورد نماذج رائعة من الشعر العامي الشفوي المصري الذي يمور بالمجازات والصور والإيقاع والوزن بدلاً من الأخبار والوصف والتقرير والاستطرادات والثرثرة والتداعيات ـ المختلفة عن الإطناب الإبداعي ـ والتي ملأت قصائد عادل محمود .
ومنذر مصري... ويرد دعوى المماهاة بين الوزن الشعري والوزن المؤسساتي ذاكراً أسماء من سدة السلطة ممن جددوا في إيقاعات القصيدة العربية مثل القاضي ابن سناء الملك والوزير لسان الدين الخطيب. ويتفحص مفهوم الكلمة العادية والقاموسية ليكشف حقول قاموس الماغوط بالمفردات القاموسية السؤال ليس المفردة بل كيفية استعمالها ثم أنّ ما هو يومي لدى المتنبي صار من لغة المعجم في الوقت الراهن.
يضيء المؤلف نماذج من قصائد السبعينات السورية مثل ديوان حسان عزت (تجليات حسان عزت) الذي لم يكن شفوياً حد الابتذال ولكن دون أية تجليات وديوان سليم بركات (الجمهرات) الذي تميز بخصوصية سلبية هي زخرفة اللغة بألوان من الشطحات ومعاناته من (ورم لغوي) ومرد ذلك عقدته اللغوية التي أراد بها أن يتحرر من هيمنة الآخر العربي فصارت عبئاً عليه ومحمود السيد في ديوان (مونادا دمشق) الذي لم يقطع مع جماليات العربية.
ويلخص سمات شعر جيل السبعينات النثري السوري بتضخم عنصر اللغة على حساب الأدوات الأخرى أو تضخم الواقع على حساب الحوامل الأخرى للغة ولولا بعض الأسماء مثل نزيه أبو عفش وممدوح اسكاف لكان جيل السبعينات جيل انحطاط شعري بكل معنى الكلمة.
و يدرس المؤلف نماذج من لبنان (عباس بيضون، ومحمد العبد الله، ومحمد علي فرحات، وبول شاوول ومحمد علي شمس الدين) مقراً بمتعة نصوص «صور» وماغوطية نصوص محمد العبد الله ووقوع شاوول في الثرثرة والشكلية وكتابة الاحجيات كما يشيد بأسبقية مها بيرقدار في «أدب المرأة» .
ومن مصر(حلمي سالم وجمال القصاص) ويكتشف فرقاً بين شعراء القصيدة النثرية في سوريا ومصر، فالسوريون غرقوا في التفاصيل والجزئيات في حين أن المصريين هربوا من التفاصيل إلى التفصيلة وكان فحوى هذا الهروب هو العلاقة الجمالية بين الرائي والمرئي من خلال زاوية النظر. يصرخ المؤلف مع محمود درويش (أنقذونا من هذا الشعر) ويدافع عن قدسية الشعر وغريزة الإيقاع ويذكر بتحذير سوزان برنار من الشعراء المزيفين الذين ينزعون إلى العبث والفانتازيا إذ لا يمكن للعبقرية أن تكون بلا قانون كما يقول الناقد هربرت ريد.
أحمد عمر
*الكتاب:وهم الحداثة ـ مفهومات قصيدة النثر نموذجا
*الناشر:اتحاد الكتاب العرب
دمشق 2006
*الصفحات:238 صفحة من القطع الوسط
البيان
|