الحافة : هل الحياة مفتوحة من الجهة الاخرى ؟
 
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  للمراسلة
هنري صعب في ) أنا وأشيائي) قصيدة النثر في جموحها الأسطوري والتاريخي
21/02/2007
  
زهير غانم


العالم في غرفتي أو من غرفتي هكذا يمكن للشاعر هنري فريد صعب بعد تجارب عدة في قصيدة النثر أن يحاور أشياء في غرفته وأية أشياء كل ما له علاقة بحياته وحركته الداخلية عبر استكناه واستنطاق مشاعره من حيثياتها الداخلية والخارجية من بوحها ودلالاتها وعلاماتها ورموزها فهو عبر أربع عشرة قصيدة يحفر المكان الذي تتوضع فيه هذه الأشياء ومقدار علاقته بها وعشقه لها وتأملها وحواره لها خاصة حين يتعرض مع أشيائه لاجتياح الاصدقاء سواء مكان الجلوس، المكتبة، المكنسة، السرير، الزر والعروة، الورقة البيضاء، الممحاة في آخر قصيدة وغيرها الكثير وهو الذي يتحدث أيضاً عن مسبحة أمه كذلك عن خاتم أبيه وعن المرأة أيضاً عن سوسة الخشب والنخر في السرير والقلق وبعثرة السرير ومحتوياته ومن ضفادع أشيائه التي تنق الى أوديسيوس بطل أوديسة هوميروس الى سمكة أكواريوم مرمية على بلاط حجرية حتى المكنسة شفطته مع ما تشفط من غبار فغدا مقطع الأوصال واهناً مستغيثاً صارخاً وكأن الشعر الموضوعي الذي يحدد موضوعه بدقة لكنه ينقل ذلك الى صقل الذات ليستصرخ معطياتها فالباب بوجهين كما جانوس في الأسطورة وهو يتقي الميدوزا كي لا يتحجر عبر المرأة وهو في قارب أوزوريس في رحلته عبر العالم الآخر هو على مسافة من أشيائه وهو منكر لها معزز ومكرم أيضاً يتوافقها ويتآلف معها يتنافرها ويختلف معها يحاورها يتصاوتها يتصامتها ثم كأنه يتأملها يتساورها ويتساررها ويذهب فيها الى أساطيرها وخرافاتها وتواريخ الروح لتكثيف الزمن واستجلاء البعد الروحي والثقافي له ككائن، له عناصره ومعطياته وأشياؤه وله بوحه والكثير من رموزه ودلالاته حتى الفتشية التي لديه في استغراقه الأشياء وجعلها تتحدث من خلاله هو من نوع بث الروح في مواتها كما حوار الزر والعروة والسبحة والخاتم ومريم العذراء وغار حراء أيضاً··!

إذن لا يقول الشاعر الشعر ببساطته ولا على مثال فقصيدة النثر التي ركزت على اليومي في الزمان على الراهن والواقع والحدث والحيثيات والتفاصيل والدقائق لان له قلق في تكة الساعة وفي اعتكاس مرايا الأشياء في ذاته لكنه استعار من شعر التفعيلة الأسطورة التي استخدمت كثيراً الأساطير الوثنية والحكايات الدينية وكأن الانسان يتشيأ مقدار تعلقه بالأشياء وتقديره لها وكذلك تتعزز روحه وتتكاثف وتتقاطر وتتخمر وهي تتروحن بواسطة كلمات الشاعر وأشيائه تتحدث عن نفسها تتحدث اليه وتتحدث إلينا من خلال القصائد حتى في جيولوجيا الأعماق التي يستحفرها ويستحضرها عبر الورقة البيضاء ثم جدلية الصحو والمحو التي يمارسها عبر الورقة كما عبر الممحاة فهو بعد أن كتب ما كتب واستظهر وفجر ما فجر من مجازات ولغة وتعابير ومعان لجأ الى المحو في النهاية وكأنه كتب فوق الرمل وجاءت الامواج ومحت ما كتب وهو لا يقصد ذلك إنما يقصد الوجود والحضور من خلال الكتابة ويقصد الغياب ويتقصده من خلال البياض بياض الورق وفاعلية الممحاة··!

ولا ندري إذا كان الشاعر في تجويفه للأشياء وتجوينه لها عبارة عن تشريح باطني شعري وصوري لها أم أنه يتجارفها ويتضايفها كما يرغب ويرتئي لها أن تكون وهو في غواياته وصباباته تجاه الأشياء، كأنما يذهب الى الروح الكامنة فيها ومد التعبير الى حد الوجود وربما الى شطح شرقي إشراقي في بعض مناحيها وكأنه يحاولها ويخفق ويحاولها وينجح وكأنه يريد الوصول ولا يصل وربما يريد الوصول ويتجاوز لكنه يقع على جوهر الاشياء وعلى أعراضها أيضاً ويربطها بخيط واهٍ أو متين مشدود بالأسطورة والتاريخ والإيمان والإنكار والتمرد والإدغان وإلا كيف نفسر كل ذلك الإشكال القائم بينه وبينه ليصل الى يوليوس قيصر وإلى المكتبة التي هي من أشياء الشاعر ومن محتويات عقله وروحه وذاكرته وهو في ترجيعاته يستدرج البعد الثقافي والروحي لما هو بصدد احتسابه كماً ونوعاً وموضوعاً وتفاصيل لكن الصورة لا تكتمل سوى به أنا وأشيائي وكأن الأنا هي المحرق والشعلة والضوء الذي يتوهج ويخسر على الأشياء وكأنه يحاول الوجود بإثبات الأشياء وكذلك بنفيها على الشاكلة المألوفة التي هي عليها فهو يعيد رسمها وتدوينها شعرياً بكل الطرافة والدهشة الموكولة لها في تباريح وتراويح القصيدة إنه يبوح ويضرع ويعترف كما ينكر ويستنكر ويلتبس ويخترع تمرد الأشياء عليه وقياس الحياة بها كذلك توضيب المكان من حولها كما لو أنه يوضب محتويات قلبه··!

وحيث القصيدة هي الوعاء الأمثل لدى الشاعر إلا أن اليومي فيها حاضر في التقديم والشكل لكن اليومي ليس الوحيد في قصيدة النثر هنا ففيها الأسطورة والتاريخ ونقل اليومي الى فضاء مختلف كذلك الذاتي فيها يتحول تحولات محسوسة وسديمية أيضاً ومع الذات تتحرر اللغة من توصيفها ومواصفاتها حيث الشعر لغة في اللغة اختمار وكثافات وتقطير وتنقية وتصفية، كذلك شحن وتوتر وتموج وترقرق وعذوبات وافتتانات لا حصر لها وصبابات وغوايات تستنهض الشاعر والشعر معاً في مثل هذه الحقول التي يتهادى فيها ويهدهدها حتى أن الشعر الذي يزدهر ويزين ويتزيا القصيدة يصير ذاتياً أكثر فأكثر وحين ينحدر الى الموضوع والمحسوس يخف ويشف يستكشف ويستبصر ويضيء وكأن عليه احتمال الاختيار، اختيار ما يرغب في عشرنته وحمله الى ملكوت اللغة والقصيدة وهو ينجح في التوالي والتتابع عبر الأشياء عبر شطرنج الأشياء الذي يتلاعبه بنفسه ويتلاعبه مع غيره ربما مع صوته وصمته وهو يتصامت الكثير من خلال بروق الاسطورة والتاريخ ورعودهما حيث هذه التخارجات الشفيفة الرهيفة التي يتشاوف فيها ويتماهى معها كشاعر أراد القول أنا هنا في أشيائي وتعالقات حياتي لكنني أليس فيها طاقية إخفاء كي أتحسس وأتلمس أعماقها وكي أتضامن وأتعاضد معها لنقلها من منازلها العديدة الى منزلة الشعر التي هي منزلي ومنزلي أيضاً··!

اللواء

" أنا وأشيائي - شعر 2007 " هنري فريد صعب - بيروت " دار نلسن للطباعة والنشر " 90 صفحة قطع وسط غلاف نورمانجت
الحافة : .. 2006