|
يوميّـات من قلعة فيبرسدورف
24/01/2007
1
يتحوّل آب الى جهامة أيلول. وفي رأسي كالغيوم ، ترحلُ الجبال : كتـَلُ الأفكار كثلاجات القطب تتنقّـلُ بضع َ خطوات في كلّ أبديّـة . القرية ما زالت تحتفظ بأسرارها ، رابضة ً بين حقول ٍ تنبسط ُ الى آخر الأفق . ما زال في أركانها بضع ُ عجائز ، يتبادلن َ آخر الإشاعات ، في الغسق ، قريبا ً من البركة حيث تطفو بجعة ٌ وحيدة . أعرفُ البيوت ، وحانتها الغارقة في دخان غلايين الريفيّين؛ أصغي لساعات ٍ الى أجراس الكنائس العتيقة . صفَحاتي تطفحُ ليلاً ، تتجمّـعُ الكلماتُ مثل طيورٍ جارحة في سماء ٍ خافقة ٍ بالنـُذر، زمني طوعُ يدي ، مستعدّ للرحلة القا دمة . حُرّ ٌ في أن ألامسَ جذرَ المصيبة التي تطاردني عبرَ أيّامي ، من بلدي النائي . أو أن أنسى المضائق ، وأنطلق صوبَ البحر . كم من حياةٍ ، إلهي ، مرّت بي مُعْـولة ً ، آتية ً من هناك ، معصوبة َ العينين لئلا ترى... الشرّ ، تلك المطرقة ، كم من حياة ٍ تسحقُ كلّ يوم ! كلَّ من لم يعُـد واقفا ً في مكانه ِ تحت الشمس .
2
الريحُ هنا ، شماليّـة ٌ من القطب ينشطرُ لها الطين ُ في الأراضي المفخورة ؛ تتقشّـفُ لها أيدي الفلاحين . تـُـقلقُ مَنسوبَ الماء في الآبار . ومن رَهبة ِ هبوبها ، تبقى المحاريثُ عاطلة ً في حافة الحقل ، والرفشُ في سُبات . لو أن ّ أحدا ً تجرّأ على الخروج ، فالشتاءُ غُرابٌ أسحَم ، يهبّ في وجهه كعباءة أرملة . ولي مدفأتي ، في غرفتي الصغيرة المطلـّة على غابة . أصغي الى قرقعة الدَرَفات ، الى مصاريع النوافذ الموشكة على الإقلاع ، فالعواصفُ أليفة ً صارت ، والإصغاءُ إليها عادة . لا أنا بالهادئ ، البارد الأعصاب ولا بالمتوجّس ، القلِـق ، المتوثــّب على أقلّ خَشخشةٍ ونأمة . حَفنة ً بعد حفنة ، َيتذرّى العُمر . كأنّهُ الحصاد ، والمِذراة ُ في اليد ، والريحُ مُقبلة . تطفحُ عُزلتي مثلَ جَرّة تحت حنفيّة الصمت . أنا ملئٌ ، تقدَّ مْ ، أيّها الظلّ . ادخُلْ الى بيتي . وانهَبْ ما تشاء .
|