الحافة . د.فرحان اليحيى : تداعيات الغربة في الشعر العراقي المعاصر 1980-2000
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
تداعيات الغربة في الشعر العراقي المعاصر 1980-2000
26/06/2007
  
  
يرتبط شعر الغربة بالمكان ارتباطاً جدلياً، كما يرتبط بالواقع المتردي. وقد يقف الشاعر تجاه هذا الواقع موقف المتمرد، منطلقاً من الإخلاص للذات، وصدق الانتماء إلى الوطن والأمة، ويحاول أن يقدم من خلال شعره رؤية تنسجم مع موقفه الفكري والعاطفي، ومن ثمَّ تتولد مشاعر الغربة والضياع، فما نستشعره في قصائد الشاعر من حزن وألم ومعاناة، إنما هو حصيلة الاغتراب عن أرضه ومجتمعه. ومن هنا تبدو الغربة سبباً ونتيجة معاً، لأن القمع يؤدي غالباً إلى الغربة، وهي بحد ذاتها حصيلة ذلك القمع، وبهذا التفاعل الخلاّق تصبح العلاقة بين الغربة والانتماء جدلية.

في ضوء هذه العلاقة نحاول المقاربة من شعر الغربة العراقي خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي، لإبراز بواعث الغربة وتداعياتها على مستوى الواقع والفن.

لقد كان للحرب المدمرة والحصار المضروب على العراق، فضلاً عن قضايا الحرية والديمقراطية أكبر الأثر في غربة الشعراء العراقيين بعيداً عن وطنهم وأهلهم ومجتمعهم، بحثاً عن ملاذ آمن يكفل لهم العيش، ولكن هيهات، فما دام العراق يمرُّ في محنة وتنهاشه الدول الكبرى، فلن يهدأ له بال، ولن يقر للعراقيين قرار، ولا سيما المغرَّبين، لأنهم يعانون غربتين: غربة الذات، وغربة الوطن، ويظل حلم العودة هاجسهم ومصدر قلقهم الدائم، وقد طغت موجة الحزن على معظم نفسيات الشعراء العراقيين، وهي نتيجة منطقية للتراكمات النفسية والاجتماعية، ولعل التناقض بين الذات والعالم الخارجي، والمفارقة بين الحلم والواقع المرير مصدر حزنهم وقلقهم، وخصوصاً إذا وعى الشاعر أن هذه الأخطار والسلبيات التي لا قبل لها فيها، كفيلٌ بأن تجلب له التعاسة وخيبة الأمل، وهكذا ينعكس الواقع بفظاعته على الشاعر العراقي وشعره، ويستنبت عذاباً مضنياً، فها هو الشاعر (سمير السعيدي) في ديوانه (سيرة تأنيب) يحكي تفاصيل الغربة والتشرد، مفعمة بحرية المكاشفة والبوح النفسي في فضاء المنفى، ويرسم ملامح الحزن وفضائه بالألوان التي تحمل دلالات تعبر عن فضاءات جديدة من انشراخات الروح. فالأزرق بدايته والأحمر صرخته الأخيرة، كقوله في قصيدة (رسالة): "تبدأ بالأزرق/ريثما يهطل الرمادي على جسد الورقة/ فلتهوِ بعضُ الكثبان/ على أسرة السطور"(1).

فالعلاقة المتداخلة والمتبادلة بين اللونين: الأزرق، والرمادي، تعبر عن القاع الاجتماعي، ويتسرب هذا الألم عبر الذات إلى الروح:

"فيسود الأزرق تدريجياً/فوق فضاءات الروح/ وتنهال العتمة/فوق ثيابي/ رملاً/ في الطرقات"(2).

وفي قصيدة (موقف) تنكشف لديه العلاقة ما بين استقامة ظهره وانحناءاته السابقة، وعندها تتوقف الأسئلة في لحظة اكتشاف لحالته الراهنة:

"من كثرة ما انحنيت/صار ظهري مستقيماً/ وما عدت أُلقي السؤال/ لشخص سواي"(3).

فهو يكتب عن هزيمة الإنسان خارج الوطن، بلغة مشحونة بالحزن والمرارة والجوع المزمن للدفء والحب والأمن، وتأتي اللغة لرسم ملامح الشخصية مشبعة بالدمار والهلاك (الهاوية، الانحناء، الكثبان، العتمة، النزيف، الجحيم) وهي تعبر عن رؤية الشاعر لمستقبل قاتم.

وبلغة تتفجر ألماً وحرقة على التشرد والرحيل المستمرين:

"هاهم يرحلون/وأنت الوحيد/ الذي رتَّبت أقدامهم/ في المطار"(4)

تأتي اللغة مباشرة إلى فضائها، حيث الإسهاب في تفاصيل الحزن ومرارة الرحيل بعيداً عن الوطن، تستدعيها الحالة الراهنة عند الشاعر، كما تأتي المشاهد مثيرة تبعث على الدهشة والانبهار حيال هذه المفارقات الحادة؛ فالعصافير التي ترحل بعد سقوط أعشاشها، والغرف التي أضحت  بلا سقف، والأشياء التي تفقد مبرر وجودها: الجسد بدون رأس، والأحلام المسكونة بالرعب والحذر، وموجة ترتجف، وجحيم يشبه الانبهار، والحياة التي يلاحقها الموت، إنَّه عالم مليء بالخراب والغرائب، وهو معادل موضوعي لمأساة الغربة بأبعادها النفسية والروحية والاجتماعية، فلم يعد للشاعر في المنفى وطن في العالم، يسكن فيه ويحلم، بل صار الشعر وطنه، والوهم حياته:

"وأصنع من طين الكلمات بلاداً/وأسرج بالوهم حياتي"(5).

وثمة بعد من أبعاد الحزن، وهو البعد الأسطوري المحلّي، إن جاز التعبير، يجسده الشاعر (ناصر الحجاج)، ليغدو رمزاً للشر يتفجر مرارة وحزناً، فهو يكشف عن طرف لم يضمر تماماً من وطنه العراق، إنه شبيه بالأسطورة المحلّية، يوظفها الشاعر في إحدى قصائده، وهي عن امرأة في جنوب العراق قتلت غدراً ودفنت خفية، وحين عاد أخوها وسأل عن قبرها استدل عليها بطرف عباءتها الذي ظل خارج القبر، وبهذا الكشف يتخذ شعر الاغتراب والنفي اتجاهاً جديداً، بحيث يشكل تجربة عراقية، فيها من الفرادة والتجديد ما يجعلها سيمفونية عزائية عن الوطن والأهل والأحبة، وهو بهذا العمق والتوغل في أعماق هذه الجريمة، يهدم الشعر مفردات الظلم والاضطهاد، ويفتح ملف الإنسانيَّة على مصراعيه لحقوق الله والإنسان العراقي، مُواطِنِ شعره، ربَّما يتجاوز الشاعر بحساسية ورَهافة وتماهٍ مع اللغة وظلالها ورؤيته الفنية العميقة، جدارية فائق حسن المكتظة بحماماته المتحفِّزة للطيران، ليفكَّ القيد عن جوانحها فتطير:

"أنا عالم الأحزان غيباً/والشهود ماثلون/ غريب الأوجاع/ أنا مثل الفرات نهرٌ غريب/ يعقب الحزن للشروق والغروب/ ويدوران مثل مد وجزرِ/ أنتِ الفرات التي امتزجت أنفاسه بالخطوب/ أنتِ أحزان رافدين وشعب/ قلت من بعض/ فأضحكنا النحيب/ تستحم الأرواح في موطن الموت/ ويذوي شبابنا والمشيب"(6) وبهذا يكون الشعر عنده بكاء وضحك، وغضب ورضا، تراكم الحزنُ؛ فالجرح على الجرح في المدى، والظلم على المظلوم، واغتراباً وغربة في اغتراب.

ومن تداعيات الغربة اليأس المفرط، وهو نتيجة منطقية للإحساس الشديد بقساوة الواقع والبعد عن الوطن والأهل والأحبة، فضلاً عن ضيق الأفق ورتابة الحياة. وتأخذ الغربة عند الشاعر (مصطفى المهاجر) بعداً زمنياً مغدقاً في الذاتية، إذ يعبِّر عن خيبة الأمل واليأس تجاه غده، وينفض يده من أحلامه الخادعة، مجترَّاً أحزانه البائسة، قائلاً: "وأبكي لأنَّ غدي/يَدفنُ الآن/ أحلامه بين يديه/ وأبكي لأن غدي/ لا جديد لديه/ وأبكي/ لأن غدي/ صار أمساً/ تموت الأماني/ على شاطئيه"(7).

ينطلق بناء النص من بؤرة مركزية متوترة (وأبكي غدي)، ثم تتشظَّى إلى ثلاثة مقاطع أو جمل، بواسطة هذا التكرار، الذي يسهم في تصاعد الإيقاع، ويعزز الصلة بين المقاطع، ويشدُّها إلى المركز، ثم يبلغ هذا التبشير الدائري ذروته المحتدمة مفضياً إلى نهاية فارغة صامتة هامدة (وتموت الأماني على شاطئيه).

وإن هذا التمازج بين الظواهر المختلفة والمتناقضة (الموت، الحياة، الأمس، الغد، الأماني ـ اليأس)، هو الحقيقة الشعورية التي استقرَّت في نفسيّة ا لشاعر، وحين يستبد اليأس بالإنسان إلى حد الاستغراق، فإنه يخفي الوجه الآخر في التركيب الدرامي؛ فالجانب القاتم يمازجه الجانب الساطع؛ والإنسان في قمة الضحك هو بكاء، من باب شرُّ البليّة ما يضحك، وهكذا فمن السذاجة تصور الجانب الأُحادي وإغفال المضمر في البنية الدرامية، ومن هنا فالشاعر حين يتشاءم من غده، فإنه بالمقابل يحلم بزمن آخر مغيّب يأتي بجديد، تاركاً بصماته على جدار الحياة، لهذا جاءت العبارة في النص تقريرية ومبررة حياتياً وفلسفياً ونفسياً (لأن غدي...). ومن هذا المنظور فإن أحزان الشاعر مصدرها المعرفة، أي الإلمام بكل شيء، وأصبحت ظاهرة الحزن تصدر عن النظرة الروحية للأشياء في شتى جوانبها: (الغربة، الضياع، السأم، التمزُّق التشظّي ـ العدم..)

وإذا كانت الغربة عند شاعر تنحو منحى اجتماعياً، أي داخل المكان والزمن، فإنها عند شاعر آخر تأخذ بعداً أكثر عمقاً واتساعاً، فتشمل الوجود كله، لأن الإفراط في الذاتية إلى حد العزلة والوحدة، والنظرة التشاؤمية إلى الحياة، تسهم في تغريب الذات عن الصراع الحقيقي، وإن هذه الرؤية الحادة ناجمة عن عدم تطابق الواقع مع المفاهيم والتصورات التي يحملها بعض شعراء الاغتراب، فهذا الشاعر (صلاح أحمد) في ديوانه (ترانيم بروفيوس) تتشظَّى قصائده من هذه البؤرة المتناهية التي تحمل دلالات في سلسلة لا متناهية من ظواهر الاغتراب: كالتمزق، والقلق، والضياع، والشك، والتفرد، والاختلاف الممتزج بلحظات الإشراق، مشكلاً الهويَّة الروحيَّة للشاعر، وهذه الإشراقات ما هي إلا تكثيف للحس المأساوي الممتد على أفق اللحظات، هذا الجنون الأبيض/ القلق الحقيقي النقي هو احتجاج شجاع ضد العالم، وحين يتمرد الشاعر على الانتماء إلى أيِّ مكان أو أيِّ عقيدة، فإنه يتجاوز حالته القدرية ويتأبّى على المراتب والتسميات ويرفض المساومة على الذات مقابل الأمن، فإنه يقبل قدره قبولاً إرادياً واعياً، ويعيد بناء ذاته من جديد، من هنا تتحول الغربة الداخلية إلى غربة كونية، وبهذا يقترب الشاعر من الشعراء الوجوديين الذين يرفضون العالم رفضاً أبديا. فلنقرأ هذه القصيدة:

"أتيت هنا خالياً من الماضي ومجرداً من التاريخ/ وعندما وصلت إلى آخر قمَّة الجبل في حدود العالم/ لم ألتفت حتى التفاتة واحدة/ أتيت تاركاً كل شيء/ وباحثاً عن الآن"(8)

هذا الفهم الوجودي قاد شاعرنا إلى الانسلاخ عن الآخرين والعالم، وهذا يعني وعي الذات والآخرين والعالم؛ لأن الوعي المبدع معادل للوعي الكينوني، أي قبول الإنسان لقدره كحقيقة، ويبقى محتفظاً بفاعليَّة ونضارة وعيه الإنساني وقلقه الأصيل، غير أن هذا الرفض المطلق للوجود، والترفع عن النضال اليومي ينتهي بالشاعر بالابتعاد عن حركية الواقع والضياع والانزواء في دهاليز الذات، وقد قاده هذا الجنون الأبيض والعزلة عن العالم إلى العدمية والعبثية، مستسلماً لمصيره المحتَّم، ومنحازاً إلى ذلك الجنون الذي سيبقى ما بقي الإنسان، إذ يقول:

"يا ساخراً من حالات الجنون/ لا تصغِ إلى أصنام العقل/ فمصيرك هو الجنون/ يا خائفاً من تأخُّر الفجر/ تأكدت أن الآفاق ستنتهي بالقبور.

يا آتياً من أحشاء العدم/ لا تودِّعِ العدم/ فلك معه لقاء"(9)

لعل هذا التطرُّف في الرؤية والإغراق في الذاتية عند الشاعر المغترب، يرجع إلى خواء الحياة العربية من التجديد والإبداع على المستوى الثقافي والحضاري، وما إلحاح الشاعر على هذا الموضوع إلا رغبة حقيقية في الخروج من واقع العقم والتكلُّس والعجز الذي يلف حياة الشاعر وحياتنا، إلى حياة دائمة التجدد تكسب حياته معنى في هذا الوجود.

ومن أبعاد الغربة السأم، وهو قمة الحزن، والضياع الذي يشكل جوهر الغربة ومحرك الصراع ويتجلّى في البحث عن الذات والعالم، وهو يصطدم بظواهر أزلية كالموت والزمن، فقد عبر عن حقيقة الموت، لأن العلاقة بين الزمن والموت جد وثيقة، فالموت يعادل الزمن، والشاعر حين يدرك أن استهلاكه الزمن يمشي نحو الموت، يحس بالفاجعة، فهو عند حديثه عن (النهار والليل والفجر والغروب والشفق وكذلك البدايات والنهايات، إنما يعبر عن خوفه من الموت؛ لأنه يئد المشروعات والأحلام. تجاه حقيقة الموت يقف الشاعر (صلاح أحمد) موقفاً مثيراً، انسجاماً مع ذاته المتمددة على الوجود كله، فلا غرابة أن يكون له مع هذا القدر شعائر وطقوس"

"وأعيش الآن في جوف الموت/ بلا أمل/ بلا جمال/ بلا ألوان/ أعيش الآن في أحشاء الموت/ وأتجرَّع جُرْعات الموت/ وأرقص مع الموت/ وأحتفل مع الموت/ وأنا مع الموت/ وأحارس الحبَّ مع الموت/ أصبحت أنا الموت، والموت أنا"(10)

هذا البيان الشعري الصارخ ما هو إلا عشق للحياة في أبهى صوره وتجلياته، ونزوع أصيل إلى نقاء العالم وطهره، لأن الحديث عن وجه هو تجلية للوجه الآخر في التفكير الدرامي، فقد انطلق الموضوع من البؤرة النصية (الموت)، لبناء النص وفق إيقاع دائري متوتر، ثم استمد حركته ونموه بتكرار كلمة (الموت)، والتي لم تقتصر وظيفتها على المنبه الفني والتأكيد على الفكرة، بل تشظت بدورها إلى جمل أو أنساق شعرية، لتضع فضاءها على ساحة اللغة، مشكلة البنية الإيقاعية الداخلية للنص، وينتهي هذا التبئير الدائري إلى ذروة تجمعت عند نهاياتها الشحنة التنويرية بعد أن شحن الجمل كلها، فإذا بنا أمام اللحظة التنويرية المدهشة الآسرة في الجملة الأخيرة (أنا الموت، والموت أنا)

فالنسق العام لهذا النص يغلب عليه النظام الهندسي الدائري الذي يبدأ بكلمة (الموت/ البؤرة) ويفضي إلى الخاتمة. وإن كلمة/الموت/ كما تبدت في النص ذات دلالات حسية ونفسية وروحية وفلسفية، ومن هنا يظهر الثائر الغريب، مدججاً ببعض المبادئ الفكرية الفلسفية التي تحصِّن النص الفني العربي أمام النقد الأدبي العالمي، وبهذا يمكن أن نزعم أنَّ بعض شعراء الغربة العراقيين استطاعوا أن يلامسوا شعر الغربة الإنساني في بعض قصائدهم.

وفي التأويل يمكن القول: إن هذه الأنساق الشعرية في بنية النص تحيلنا إلى نهايات فارغة ومفتوحة، وكأنها دعوة للمتلقي إلى التأمل في الوجود والمصير المجهول الذي ينتظر هذا العالم المأفون.

ومن أبعاد الغربة، البعد العاطفي، ومن أبرز تجلياته الارتباط بالمكان، بوصفه هويّة الشعر، وعمق الإنسان ومنطلقه إلى ما يصبو إليه. وقد أصبحت الغربة في المنفى امتداداً للغربة في الوطن، وتحولت إلى ساحة من الصراع بين الذاكرة والواقع؛ لأن الهجرة من الوطن وحلم العودة إليه سهم يتحرك في اتجاهين متعاكسين، ولكن من منطلق واحد، هو الوطن، ونحو هدف واحد هو التماهي به، ذلك أن الغربة عن الأرض سبيل إلى الانتماء على الصعيد النفسي والاجتماعي، حتى ليبدو الوطن في صورة النهر والنخل والقرية والمدينة، وهي رموز معادلة للوطن الكبير، ورغبة عارمة للرجوع إليه والالتصاق به. فهذا الشاعر (ناجي حسين) يرسم بالكلمات الرقيقة الشفافة صورة الوطن بنخيله ومدافئه وأشرعته وأنهاره، ويجانس المفردات غير المتجانسة عن طريق الانزياح اللغوي: "سفح قصائدي/ أرجوحة الظل/ أبجدية الحجر/ سنابل الضوء/ فضاء الحلم/ نخيل العمر" ويستخدم المفارقة والإقحام والتضاد:

"نخيل العمر الذي توهَّج في دمنا/ فيا أيتها الريح/ أيقظيني من عتمتي/ كل المدن تجمهرت في قلبي"!(11)

ولا يتوقف الشاعر عن الغناء والحزن، إذ أنه ورق أبيض أليف نثرته الغربة ولم يتمزق، يعود مركباً مضيئاً إلى موانئ البصرة:

"مدينتي/ أيُّ الزوارق في عينيك/ مسرفة في البكاء/ ها أنذا.../ مركب بقنديل يضيء الموانئ في صحوة البحر"(12)

وها هو الشاعر (طعمة المدحجي) في منفاه (هولندا)، يتحرَّق شوقاً إلى الوطن، ويذوب حنيناً وعشقاً إلى ربوعه الجميلة، لعله يخفف من أحزان الغربة وألم البعاد، ويتبدل خريفه إلى ربيع: "على ضفة الحزن/ بذرت بقايا الحنين/ ولذت بصمتكَ ردحاً/ فقد يتبدى بالخريف/ الربيع/ جديداً"(13)

وبلغة تتفجر حرقة ولهفة على القرية التي غادرها الشاعر (محمد سعيد حسين) وأعطته ما عندها من حب ودفء وأمان، فكان الزاد الذي يقتاته في ليل الغربة الموحش، فأعطاها من بعض ما عنده:

"متخم بالغربة.. والحلم عزائي/ والوعود.../ هي بعض الزاد للعمر الجديد/ ربّ ضوءٍ خافتٍ قد لاح في ليل حنيني/ إنها "كرفس"(14) تناديني: ترجَّلْ/ ودعِ الغربة يا طفلي المدلل/ عِشْ معي ساعة عشق/ ربَّ يوم لا يعود/ تكتب الشمس على خدّي قصيدة/ ثم ترحل"(15)

أمَّا الشاعر فايز العراقي فهو مسكون بالحنين والرحيل؛ ولهذا يسكن الوطن ذاكرته الأولى التي تشكل وعيه ورؤيته، حيث (العراق) يكتب بأماكنه وحضارته بعداً أسطورياً، وبعداً معرفياً وروحياً ونفسياً وعاطفياً، حيث الهدهدات الأولى (لأمِّه) قبل أن تسكنه العواصف، ففي ديوانه (أناشيد الأبدية) نقرأ قصيدته (هدهدة أمي: "أحسبها القصيدة تنتفض من عظامها النعاس/ تحتل ذاكرتي/ والليل لمّا يترجلْ بعد/ من جواده الأبيض ، أحسبها القصيدة ، بل ربّما أمي/ قمر يرفو جنون الليل/ بأسلاك الفراق أشواك صفراء/ تنكش دمي/ تنثره/ فوق الطرقات حبة حبة/ تنزعين جرحي من ظلال الغربة"(16)

كما تتشظى ذاكرة الشاعر الملتهبة بالحنين إلى تفاصيل الطفولة، حيث المهد/ الكاروك، وينبش مخَّ الأيام، باحثاً عن أمه في الذكريات اللامعة كالنَّصال، ثم يرمز بكلمة (ليزا) إلى (العراق والمحبوبة) فيخاطبها ويتماهى فيها: "كنت عجينة الأزل/ والتراب الذي ترفض فيه الأقحوان/ كنت تمحين جراحك الخضراء/ تلملمين موتك/ ترمينه بوجه وردة نافرة/ وهكذا عبر شعراء الغربة عن مشاعر الحنين والارتباط بالأرض والأهل من خلال النخل والنهر والطفولة بلغة استجابت ـ على نحو خاص ـ للعاطفة والمناخ النفسي، فاحتوت الأحاسيس والمشاعر احتواءً متموجاً، كما امتزج الحنين بقسوة الواقع واستيلاء اليأس والخيبة على نفسيات الشعراء العراقيين في المنافي، ولم تكن تجربة الغربة حنيناً منقطعاً إلى المكان فحسب، بل شملت الإنسان والرموز الحضارية والتاريخية، فاكتست بهذا بعداً إنسانياً وثقافياً. وقد ارتبطت الغربة المكانية بالغربة السياسية، التي حتَّمت عليه أن يعيش في المنفى، حيث تحوَّلت حرقة الشاعر إلى فن موظف في السياسة، فاستغل واقعه وواقع شعبه المحاصر، لإدانة النظام الحاكم بوجهه السياسي، فهو غريب غربة النهر لا يأتلف مع الحاكم والمدينة، وقد بدت بغداد في شعر الغربة شاحبة كئيبة يطحنها العذاب والويل، وكم نقم من قبلُ الجواهري، والسيَّاب والبياتي وغيرهم من شعراء المنفى الأوائل على بغداد يوم كانت كذلك بهذه الصورة القاتمة، وهنا تصبح المدينة رمزاً للوضع السياسي المتأزم، وليست كآبة بغداد عندئذٍ إلا انعكاساً لكآبة الوطن والحياة العامة، بوصفها واجهة البلاد ووضع القرار، فها هو الشاعر (جاسم مراد ـ في لوس أنجلوس) الأمريكية ـ يرثي بغداد، ويتألم لوضعها البائس، ولم تحجبه هذه الرؤية عن ماضيها المجيد، أيام كانت حاضرة العلم والثقافة والأدب، كما يستنهض العزائم لرفع الحيف والحصار عنها، لتعود شامخة مرفوع الهامة:

بغداد عذري إن شكوتُ زماني
 
 
 
 إنِّي أراكِ كثيرة الأحزانِ
 
حربانِ لم نعرف لها شأواً سوى
 
 
 
 أنَّ الظليمَ أراد كسبَ رهانِ
 
بغداد حقاً والجراحُ كبيرةٌ
 
 
 
 لا أرتضيك مفازة النيرانِ(17)
 
 
 
 
 

وهذا الشاعر (سعدي يوسف) الذي حمل صخرة عذابه أكثر من ثلاثين عاماً، وهو يبدل بلداً بآخر مثلما يبدل حذاءه ـ بتعبير بريخت، يُظهر (بغداد تئن)، مشبعاً بفجيعة الروح، حيث مدينة الشاعر تقاوم الموت، وتنبض مثلما القصيدة تنبض بروح الفن:

"أسمع شمعاً يقطر في ماءٍ/ ماء يقطر في شمع/ أسمع أشجاراً تقطر أشجاراً/ أسمع أسماءً تقطر ماءً/ أسمع في الصمت دماً يقطر/ أسمع بغدا تئن..."(18)

هذا التكرار لكلمة (أسمع) أسهم في تصعيد حرارة الموقف حتى بلغ ذروتها في عبارة اسمع بغداد تئن، فكان بمثابة المنبه الفني والمولد المركزي للنص.

في حين أن الشاعر (ناجي حسين) يحلم بعراق جديد، وقد نفض عنه غبار الذل والانكسار، وكشف أقنعة الزيف والخداع، داعياً أبناءه إلى تلبية نداء النفير لتحقيق هذا الحلم:

"وصدق العراق كوجه النخيل/ وصوت البلابل والمستحيل/ إذ جنَّ ليلي/ سيخرج هذا العراق/ العظيم إلينا/ ينادي بعمق الأصيل/ يا ولدي أيُّها المتشظي من الزيف/ هذا ترابك.. هذا انقلابك/ دعني أراك تشق رمالك مثل النهار/ ومثل الذين أزاحوا/ خطاك عن الدرب أو كسروا قدميك على قدميَّا.

وهذا الشاعر (حامد حميد) في (برلين) يؤرخ مأساة الوطن والرحيل، ويسبر أغوار الغربة بصور متلاحقة وسريعة أشبه بالفلم الوثائقي، ويحمل النظام ديَّات القتلى والمصلوبين في الوطن والمنفى، إذ يقول في قصيدة (حصار الأزمة):

"ثلاثة عشر عاماً/ والهوَّة تتَّسعُ/ ويصفعنا الزمن بباطن كفِّه/ نتدحرج على قارعة الطريق/ لاهثين وراء قوافل هجرتنا/ بلا ضجَّة/ كمن ينطح صخرة/ نبحر في الفجيعة/ .../ تتقاذفنا الحروب في أحضان أسياد/ يمتطون العبيد/ يتقاسمون كعة القتيل/ ثم نلوذ بقارات بيض/ لا نقدر أن نبسَّ بلعنة المقلوب"(19)ومن هنا يتضح للقارئ أن الغربة الفردية عند الشاعر، لا تلبث أن تصبح غربة اجتماعية مرتبطة بعذابات الوطن والآخرين.

وتأخذ الغربة بعداً نفسياً عصابياً، نتيجة الشعور العميق بحجم المأساة والهم اليومي المؤرق لكل واحد من شعراء المنافي، ومن هنا كانت الصورة عصابية: "أصبحت أصابعي تجاويف مظلمة/ لم تعد تصلح/ لمسح أدمعي"(20)، وقد تغرق في أجواء ميتافيزيقية أحياناً أمام فظاعة الفاجعة وقلق الذات، فيشد الجنون الشاعر إلى مكان بعيداً في ظلمة العدم، كقول الشاعر (سليمان جوني) المقيم في (الدانمارك) في قصيدة (مرآة الدهشة): "كل ما ينكسر في الخارج يرنُّ داخلي/ … بإمكان المرء أن يغري القذارة الآن/ فليس ثمة وقت للخراب غداً ،… نحن الذين لا مدافن لنا/ أبداً/ سنبقى على قيد الحياة"(21)

هذه الكلمات: (القذارة، والخراب، والمدافن) توحي باليأس المطبق، والنهايات المظلمة، كما توحي بالعذاب الأبدي، وإن هذه الرؤية نابعة من فوهة الشعور بالغربة والضياع.

من خلال هذه الدراسة يتبيَّن للقارئ أن شعر الغربة العراقي كان نتيجة استفحال الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العراق، وقد كان لها وقع مؤثر على نفسية الشاعر العراقي في الداخل والخارج، من حيث هو متمرِّد، وقد استقى مبادئ الاندماج الروحي وصدق الانتماء من قضايا الشعب والأمة، حيث أشار الناقد غالي شكري إلى أن صليب الشاعر هو المنفى الاضطراري وليس الوجود كله؛ والنفي هنا حالة محسوسة داخل الزمان والمكان، وليس إحساساً كونيَّاً، فما نتلمسه في قصائد الشاعر من سأم وفجيعة وضباب، إنما هو نتيجة الجليد الذي تفصل جباله بينه وبين وطنه8"(22).

وما وجدناه عند بعض شعراء المنفى العراقيين من إرهاصات للفكر الفلسفي الوجودي ما هو إلا نتيجة التناقض الحاد بين الحلم والواقع البائس، فالشاعر بثقافته النظرية يحكم بالتغيير، ولكن معطيات الواقع تخذله، ومن هنا تتكثف المأساة فيشعر بالضياع والسأم، ويبقى اعتزال المجتمع والاندماج فيه، أو علاقة البين بين شأناً خاصاً وربما سراً من أسرار الشاعر نفسه. وإن أزمة الشعر العربي المعاصر بعامة، هي الافتقار إلى أساس فكري فلسفي صلب يحميه من التقلبات الفكرية العشوائية، التي تبعده عن الواقع في قصيدة الغربة، والمأساة في كثير من الأحيان أن الشاعر لا يقرُّ بمسؤوليته في تخلف المجتمع، وإنما يلقي اللوم على مجتمعه وقادته، ناعتاً إياهم بأبشع الصفات.

وعلى أيِّ معيار، فإن شعر الغربة العراقي يحمل في ثناياه بذور التجديد والتمرد على الواقع، وعلى السياقات التعبيرية التقليدية، وهو ـ في جوهره ـ امتداد لشعراء الجيل الأول كالسيَّاب وبلند الحيدري والبياتي، وإن في بعض القصائد أصداء وتناص من شعر هؤلاء، وهذا أمر مقبول، كما غلبت على بعض القصائد الغموض والفوضى أحياناً، بالإضافة إلى التكرار (الإيقاع اللفظي)، والاختزال والتكثيف وكذلك السرد والبؤرة النصية، والتركيبة الدرامية، وهي من سمات قصيدة النثر ويمكن القول: إن هذا الشعر هو التجسيد الفني الأكثر واقعية لمعاناة الإنسان العراقي، والأشد التحاماً بالوجدان الثوري والعاطفي للأمة، بكل أبعاده وتداعياته، وهو بهذا الحضور يشكل رافداً حيوياً وخصباً لشعرنا المعاصر.


--------------------------------------------------------------------------------

(1)  الوركاء، (حلب)، السنة الثانية، ع9، أوائل ك2/ يناير 1996، ص3.

(2)  المصدر نفسه.

(3)  المصدر نفسه.

(4)  المصدر نفسه.

(5)  المصدر نفسه.

(6)  ناصر الحجّاج، نبوءة مجنونة، بيروت: دار المحجّة البيضاء، 1998، ص11.

(7)  مصطفى المهاجر، وحدي، ط1، دمشق: المطبعة التعاونية، 1417/1996، ص45.

(8) صلاح أحمد، ترانيم بروفيوس، دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2001، ص49.

(9)  المصدر نفسه ص30.

(10)  المصدر نفسه، ص 47.

(11)  ناجي حسين بلح على شرفة الذاكرة، دمشق: دار الينابيع، ص29.

(12)  المصدر نفسه.

(13)  الوركاء، حلب السنة الثانية، عُ، أوائل ك2/ يناير، 1996، ص5.

(14)  كرفس: اسم قرية الشاعر.

(15)  ملحق الثورة الثقافي، العدد 201/ الأحد/ 20-2/ 2000، ص13.

(16)  دار الموقف، مدارات ليزا، دمشق: دار الموقف، 1996، ص28.

(17)  الوركاء، (حلب)، السنة الثانية، ع9، أوائل ك2/ يناير، 1996، ص4.

(18)  ملحق الثورة الثقافي، العدد 173/ الأحد/1/8/1999، ص7. 

(19)  الوركاء (حلب)، السنة الثانية، ع9، أوائل ك2/يناير 1996، ص5.

(20)  المصدر نفسه، ص10,

(21)  المدى (دمشق)، 33 (3)، 2001، ص30-32.

(22)  غالي شكري، شعرنا الحديث... إلى أين؟، القاهرة: دار المعارف 1968، ص209.
  

 
الحافة : .. 2006