|
رصيف القيامة لياسين عدنان ولي فيها عناكب آخرى لطه عدنان
20/06/2007
شاعر يكتب قصيدة مرة وآخر إلكترونيا
رغم أن ديوان "رصيف القيامة" للشاعر المغربي ياسين عدنان قد صدر عن دار المدى السورية <2003> ، وديوان الشاعر المغربي طه عدنان "ولي فيها عناكب أخرى" صدر عن منشورات دار الثقافة – الإصدار الأول <2003> .إلا أن ثمة ملامح استقرائية تتقاطع جميعها كي تجعلنا نحاصر بأسئلة الكتابة الشعرية اليوم ولعل عمق هذا التناول الشعري في الديوانين معا ، يعيد صياغة قوانين الرؤية التي ظلت تتحكم في مشهدنا النقدي الشعري . مما يجعل أية مقاربة لهذين التجربتين مرهونة بمدى جاهزية تحررها من سلطة ما نسميه "رقابة الجاهز" . إذ تقدم النصوص الإثنى عشر الموزعة بتساوي بين الديوانين معا ملامحها الشعرية دون ترف شعري ، حيث اللغة عارية من "الحصانة" التي تقدم دائما كنافذة وحيدة للقراءة . حصانة الاتنماء والاختباء وراء مقدس القوانين الجاهزة للنص الشعري ، هذه النصوص الهاربة ، هي جزء من هذا التشظي المزدوج للعالم / وللذات ، لتختصر هذه الأخيرة المسافة وتجعل من العالم شكلا انفلاتيا غير محدد الملامح ، هو الأخر فينا وهو الأقرب أيضا بحكم تحوله ل : ملف - Fishier يمكن أن ينسحب بنقرة شاعر ، نقرة واحدة فقط : suppr . إذ في النهاية " من يصدق القصائد؟؟؟؟؟" الشاعر عدنان ياسين ، يريد القصيدة " كقهوة السكران "<ص35>والشاعر طه عدنان يشكك : أي ضرورة للشعر / أي جدوى من تشريح الأوجاع<ص11>. ولطالما انخرط الشاعران معا في "معارك الأسئلة" ، أسئلة فقط لا تبحث عن جواب لها إلا من خلال الكتابة ، لذلك ، لا تبدو القصائد "عش استراحة" بل صيرورة دون كيشوت حداثي ، يحارب الهواء بعقلانية أكثر ، وبدراية العارف ..فحتى القصيدة المفتتح للديوانين معا : بحيرة العميان ، و قصيدة كونية : مسودتان بليغتان تقدمان توصيفات جاهزة لكتابة قصيدة ، فريلكه يتجاوز نفسه ليلقن القلق لغيره ، وتبدو صيغة توظيف الضمائر بالغة الأهمية في الإفصاح عن شعرية العالم الذي لا يحتاج في المقابل لحواجز تركيبية يقول طه عدنان في مسودته :
أترك شعري .................<ص5>
هذه المسودة الشبيهة بالأتبيوغرافي الشعري تفتح أمام النص الشعري تفاصيل تستمد مرجعياتها النظرية من تقنية الوصف كما في السرد ، لذلك تبدو ملامح تركيب الجملة والصورة الشعرية أقرب لرؤية الحكي في انتظام شفاف يقدم الشاعر طه عدنان في قصيدته الكونية ملمحا أساسيا لذلك :
أترك شعري منكوشا كقصيدة نثر / أقطب جبيني مبالغة في التركيز / أقوس حاجبي افتعالا للجدية : ها أني أبدو مهموما وغامض كشاعر كوني <ص5>.
في قصيدة رصيف القيامة يستبق الشاعر عدنان ياسين العدم ، فيعيد كتابة الخواء باعتماد حكي متقطع تبدو فيه اللغة جافة ، غير ملتزمة بقوانين إلا قوانينها التي تتماسس بشكل تلقائي أمام الجحيم ، ولعلها قصيدة الأبلغ في تخطيط استباقات سوداوية تقدم نموذجا كامل وقف على انهيارات الحقائق ، وانكتب محتفيا بعدمية الذات بل إن اليأس المبطن في قصيدة "زهرة عباد اليأس" يترجم عمق هذا المنحى التراجيدي :
الحياة جنازة فادحة ...... أينك أيها الزلزال الصديق أينك لأبرهن أني جدير حقا بهذا اليأس <ص27> وفي منحى سابق ، يؤكد الشاعر الراحل الحاضر أحمد بركات "أبدا لن أساعد الزلزال" وهي مقولة شعرية كانت ترتكن لاستلام آخر خيوط الانعتاق ، آخر سلالة اقترحت "الأمل " أفقا انتظاريا ..يأتي الشاعر بعدها محملا بثورة تجاوزية تخلق أفقا جديدا غير آبه بالبياض ، ولعلها المفارقة الأعمق حين نتأمل مسار القصيدة المغربية الحديثة بين الثمانينات والتسعينات ، لقد أمسى العالم "صحراء " فقط .. في قصائد طه عدنان احتفاء بسخرية المعنى ، لكنها مبرمجة بشكل تتحول معه القصيدة لدردشة افتراضية ، إفراغ اليأس على قارعة clavier أما الفأرة فهي سبابة الشاعر هي نافذته ، حركته ، هي جسده ، هي حواسه .. لذلك يؤكد طه عدنان في قصيدته "الشاشة عليكم" :
أنا هنا حر تماما <ص50> أكتب القصيدة تكنولوجيا <ص15>
فعلى جهاز الحاسوب ، يتخلى طرفة بن العبد أو يأس عدنان ياسين على روابط الشعر المعهودة ، تنجلي الحروف ، تتحلل الجملة ، يتشفر المعنى ، وتتعمق المفارقة في ملمس "الحس الثوري" الطاغي في بعض مقاطع" ولي فيها عناكب أخرى" الشاعر المدجج بقميص تشي غيفارا المناهض للعولمة ، وهو الهيبي الحداثي ، الأكثر واقعية من جيم موريسون وأبوابه ..العارف بقوانين اللعبة ، الباعث لعري الكتابة ، فكلما تحولت اللغة لعالم جاف بدون "نياشين البلاغة" كلما :
جدار اللغة تتهشم <رصيف القيامة/60>
والسر يقدمه طه عدنان بهذه التوليفة :
كلمات السر فأرتي ، مهاوي الكوكيز ، الويب والواب ...<ولي فيها عناكب /ص57>
أبعد هذا الترسيم ، يمكن الحديث عن أنظمة تتحكم في سياقات اللغة الشعرية ؟ م الذي يجعل قصائد عدنان ياسين وطه عدنان أقرب إلى نفس العدم ؟ ألا تمثل القصائد نفسا واحدا لهذا التوأم ، جسد واحد ، يأس واحد ، لكنه نفس متعدد ، أكثر ازدواجا ، ولعل اعتراف طه عدنان في قصيدته الكونية :
علي أن أرجع إلى القصيدة إلى غرفتها البيضاء <ص7>
يماثله اعتراف ياسين عدنان :
أينك أيتها الروح القديمة التي كانت تضحك كطفلة في قصائدي الأولى <ص35>
المصادفة الغريبة ، أن قصائد ياسين عدنان حاولت ما أمكن أن تتلمس ضوء هذه الروح القديمة ، في مقابل تحلل نصوص طه عدنان من روح غرفته البيضاء ، لكن ما يعمق المفارقة بشكل أكثر استفزازا هو الرواح الداخلي ، بتضاد غريب مما يزيد من تعميق توحد الديوانين معا للبحث عن استجابة اللغة الشعرية لرؤية واحدة وأوحد ..ولعل قصيدة "حديقة المهملات" إحدى أوجهها ، أو قصيدة "وئيدا أحفر في جليد حي " ، لكن لنحدد تماثلاتنا بدقة مع اختراق التقاطع الممكن :
* القصيدة الكونية بحيرة العميان
* الشاشة عليكم رصيف القيامة
* في الطريق الى عام ألفين: نشيع هذا العالم الضاري الى مثواه الأخير <ص38> * i love you : وصفة شعرية. إن قصيدة بحيرة العميان للشاعر ياسين عدنان هي القصيدة التي يبدو شاعر القصيدة الكونية "مهموما وغامضا كشاعر كوني " يرغب في كتابتها ..في المقابل تشظي الذات الشعرية وانحلالها في قصيدة الشاشة عليكم أفق متوقع لذات رصيف القيامة لذلك نرغب في تمثيل هذا التقاطع بهذا الشكل :
ثمة زواج أبدي ، تسعى كل ذات خلاله أن تتحرر من رقابتها الخاصة ، أن تنفلت كليا ليس طمعا في استقلالية نصية ، بل لتندمج في كلية نصية واضعها يدرك خبايا مقولة تودوروف "حيلة التخيل : The craft of fiction" لكن استقراء هذه الخبايا يتطلب تفكيكا آخر للنص الشعري ، استقراء ينطلق من حيل النصوص ، ومن معرفة تتوازى مع البناء الشعري ، في النهاية يقدم النقد استنطاقا يتأمل المنهج والنظرية ، ولعل ذلك جزء من المرض المزمن الذي يحول دون أن يخلع الناقد جبة الأحكام المسبقة .. في التقاطع الثاني المقترح في هذه القراءة ، تنطلق من المقطع الأخير لقصيدة " في الطريق لعام ألفين" يؤكد الشاعر ياسين عدنان أنه "لم يحدث شيء" رغم أن الشاعر طه عدنان في "i love you " يشير لعنصر الإبحار الرقمي ، وهو ملاذ في النهاية ، يختبر من خلاله الشاعر "الذي يحدث حقا.." وبذلك تلتقي القصيدتان في مقولة واحدة مترابطة ذهابا وإيابا ، في أن ما يحدث حقا هو " ما لم يحدث بالمرة" حتى الاندماج "السريع في قبيلة العولمة" يتحدد انطلاقا من وصفة شعرية خاصة إفراغ عنصر المعنى من جميع سننه ، فقط تظل البياضات ، العدم ، الدردشات القصيرة ، التي لا تعني في النهاية سوى إعطاء هذا الصوت الشعري ذو اللسانين يدرك بحس نقدي كيفية صياغة مقولاته المضمنة داخل النص الشعري نفسه ، فالإغراق في بحر الشبكة العنكبوتية لدى طه عدنان جواب على مقولة ياسين عدنان : آه يا سكر الاستعارات المغشوش تحلل بعيدا عن فنجاني <ص35>.
من هنا صارت الحياة " مجرد حكاية تروى " {ص55} لا أحد يصدق حكاياتها . لكن ، التقدم في قراءة نصوص الديوانين معا تزيد من تعميق ملاحظة سبق لنا التأكيد عليها ، ثمة خصوصية شعرية ، ثمة قصائد مغربية تعيد الارتباط بالذات بنظم أخرى ثاوية ، قصائد لا تميز نفسها تركيبيا ولا إيقاعيا ، لا تبحر إلا من خلال رؤى الجدة ليس ابتغاء ولا ترضية لنزوة حداثية ، بل هي تجلي فعلي للحداثة في صورها المظلمة وإشراقاتها المعرفية هدفها الرسمي المعلن "تشييع هكذا عالم إلى مثواه الأخير" لعله كفن النصوص القادمة . وهنا ، تبدو الملامح الأولى للشرخ الذي مس القصيدة المغربية الحديثة في جدوائية الالتزام بالصرامة "التشريعية" للشعر .. إن العالم الذي يقتل شباظة ، أمادو ديالو هو نفسه عالم أدونيس ، الملا عمر وشارون ستون ، عالم المفارقات الغريبة ، عالم العدم. لذلك نستوعب المقطع الشعري التالي لياسين عدنان :
الأحاسيس غادر تني تباعا بأنني كنت بأنني لن أعود بأن هناك جسد كنت أرتديه {ص60} في النهاية قصيدة رصيف القيامة لن تكون إلا قصيدة ياسين طه عدنان لأن العالم الذي ترسمه يوجد في نفس القناة التي يفتح شاشتها طه عدنان .وعودة لسؤال الكتابة الشعرية ، يقترح الديوان الأول والثاني صيغا شعرية تتحدد وفق هذه الترسيمة :
رصيف القيامة : • الكلام رئة العالم • أينك / أيتها الإيقاعات الزرقاء • آه ياسكر الاستعارات المغشوش • أريد القصيدة مرة كقهوة السكران • أنتم أيها الأخرون تأهبوا للانقراض • لم نلتفت فقد خذلتنا الأعناق.
ولي فيها عناكب أخرى : • أترك شعري منكوشا كقصيدة نثر • ها أني أبدو مهموما وغامضا كشاعر كوني • علي أن أرجع الى القصيدة الى غرفتها البيضاء • أعذب الشعر أكذبه وأنا ضحية صدقي • أحرث بياض الورق • أي ضرورة للشعر أي جدوى من تشريح الأوجاع • أكتب القصيدة تكنولوجيا • الشعر لم يعد دلوه يدرك الأعماق • لست شاعرا .
أمام هذا الجرذ نكون قد وقعنا على نهاية غير سعيدة بالمرة ، فالقصيدة انتهت من تحديد الشاهد ، وختمت اعتراف موتها ، والأدهى أن تاريخ الممارسة الشعرية عرض الذات الشاعر للخذلان ، فأي ضرورة بعدها للشعر ؟؟ مع ذلك تتجه النصوص إلى مغادرة ما تسميه يمنى العيد بالخفاء والسرية ، النص الشعري في الديوانين معا يلج حريته الخاصة ، يشكلها وفق صياغات بقدر ما تمارس خرقها الفاضح في نثريتها الشعرية ، بقدر ما ترتهن لهذه الكلية التي هي عالم متشظي إلى الحد الذي لا تستطيع معه أن توقف هذه الولادة المنبعثة مع كل قصيدة ، مع كل حركة تقوم داخل عناصر قد لا تأتلف تماما لا رؤية واحدة ، ولا دلالات تنمو لبناء نسق مفرد. تثير نماذجنا المختارة من الديوانين معا ، إمكانية رصد سؤال أو أسئلة الكتابة الشعرية اليوم ، إذ تتجه "مغايرة" النص الشعري إلى التناغم الكلي مع الاغتناء بالهدم المباشر الذي نجد صداه في كل تراكيب القصائد ، وبحركية تنمو ، مقصودة في رهانها على اللامعنى ، إذ ، أي معنى لهذا العالم الذي ينتظر شاعرا ما لشعرنته ..وأية رؤية كفيلة باستجماع عناصر العملية الشعرية في كليتها . ثمة ذات تنصهر في رصيف القيامة ولي فيها عناكب أخرى ، ذات متعددة في التئامها المفرد ، ذات تمارس لعبة خطرة هي تنكيت اللغة ، والسخرية من المعنى ، أو المعنى الإضافي للعالم ، لكن أين تتموقع هذه الذات داخل هذا الترسيمة التأويلية ؟؟؟. إن شعرية الديوانين معا تنطلق من هذا التحديد المفاهيمي الواعي والمبطن بمقولة أكثر وضوحا : نفي الشعر عن الذات الكاتبة ، مقولة "أنا لست شاعرا" تفضح معالم هذا التحديد ، نفي كينونة افتراضية لتمثل روح ماردة دون ملامح ، دون هوية إلا هوية النصوص ، إن سؤال الكتابة في الديوانين معا يبتعد عن الشعاراتية ، وينفرد بصوت يرسم حريته دون تحديد ، لكن باعتراف نوستالجي متفرد فحين يذكرنا ياسين عدنان بالإيقاعات الزرقاء فلأنها تمثله المستقبلي لكن وفق رؤية تتجاوز دون أن تفصح ، قصيدة كونيتها في خصوصيتها ليست بما تدعيه ، بل بما تعترف به كنص مفتوح غني بالتأويل . وهكذا ، نعتبر رصيف القيامة ولي فيها عناكب أخرى فضاءات لمحاورة العالم بنمط مستقل يؤسس لصيغة شعرية أكثر جرأة على التجاوز والإخصاب .
|