الحافة . ترجمة وتقديم : خالد المعالي : صوت فولفغانغ هلبيغ
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
صوت فولفغانغ هلبيغ
20/06/2007
  
 
 
وقعتُ قبل أعوام طويلة على نسخة من ديوان شعري في مكتبة للكتب المستعملة، ربما كان هذا عام 1989، والكتاب الصادر عام 1979، اسمه «غياب» وشاعره لم أسمع به من قبل، ويحمل الغلاف مقاطع من القصيدة التي حملها الكتاب كعنوان. الأسطر الأولى كانت كافية لكي تشدّني، ولم أستطع إلا أن أترجمها إلى العربية:

«...إلى متى سيُصبر على غيابنا
لم يلحظ أحدٌ كيف مُلئنا بالسواد
كيف نحن منكمشون بدواخلنا
في سوادنا
لا، لم يفتقدنا أحدٌ
لدينا أيد محطمة جداً، وأقفيتنا محدبة...».

أعوام مرّت، تعرّفت أثناءها أكثر إلى شاعرها، ولكن الحظ حالفني في شكل دائم في ألا أحضر أياً من أماسيه الأدبية التي كانت تُقام له كلما صدر كتابٌ جديد، في مدينة كولونيا حيث كنت أقيم ولا أزال، فثمة دائماً ما كان يشغلني عن ذلك، لهذا بقي تواصلنا لسنوات عن بُعد. مرّة يتيمة، التقينا في ممر طويل على سلّم متحرّك ومزدحم في معرض فرانكفورت... افترقنا بعدها على وعد أن نتواصل بطريقة أفضل، أن أكتب أنا، ذلك أنني أغيب أكثر منه، وعلى رغم الاتصالات الهاتفية القليلة جداً، لكننا لم ننفذ فكرة الكتابة.

قصائده التي شكّلت بداية أساسية في سيرته الأدبية وعلامة فارقة في الأدب الألماني الجديد، بل كانت صوتاً خاصاً في الشعر الألماني الشرقي، الصوت الذي لم يكن داخلاً في إطار المزايدات التي كانت سائدة آنذاك بين الألمانيتين، حتى على الصعيد الأدبي، ذلك أنه أصغى الى صوته الداخلي، إلى سيرته، سيرة الشاعر، ولم تغيّره لعبة التوازنات وفبركة الكتب والكتّاب... ونصوصه النثرية (رواياته وأشعاره، وهي قليلة عدداً وكماً) التي طغت على إنتاجه الشعري، الذي لم ينشر منه إلا القليل، كانت دليلاً على إصالة توجهه ككاتب أصغى الى نفسه في عزلته، شاعر كوّنته الحياة وكانت كتاباته مرتبطة بتجاربه وبسيرته التي هي سيرة ألمانية بامتياز... بعيداً من الفبركة والتهاون والتعايش مع الأمر الواقع.

كنت يوم 2 حزيران (يونيو) هذا، وأثناء أحلام يقظتي أفكّر فيه، فيما أنا أجلب بريدي صباحاً... وأريد أن أكتب إليه، ولطالما فكرت بهذا الأمر في السابق وتأجل لألف سبب وسبب، لكنه في ذلك اليوم توفي نتيجة لإصابته بمرض السرطان، وآخر ما نُشر له كان قصيدة. فالشعر، بحسب صديقه انغو شولتسه، آخر ما بقي له، آخر من بقي في خدمته.

ولد فولفغانغ هلبيغ عام 1941 في مدينة مويزلفيتس، قرب مدينة لايبزغ. اعتبر والده من المفقودين خلال معركة ستالينغراد (1942). عاش مع والدته في بيت جده (من ناحية أمه) عامل المناجم الأمي ولم تترك والدته البيت، انتظاراً لعودة الزوج، وعاشت هناك حتى توفيت قبل سنوات. أكمل دراسته المتوسطة والتأهيل كخرّاط. اشتغل لسنوات في مهن مختلفة، منها وقّاد، ميكانيكي. وتنقّل بين مدن عدة. سجن لأسابيع بعد نشره من دون إذن مكتب حقوق المؤلفين في المانيا الشرقية، ديوانه الأول «غياب» لدى ناشر في ألمانيا الغربية، وكانت التهمة الجاهزة: حيازة عُملة أجنبية. لكنه استطاع بعدها أن ينشر بعض أعماله لدى دور نشر في المانيا الشرقية والغربية على السواء، بفضل دعم كتّاب مثل فرانتس فومان، شتيفان هرملين وكريستا فولف. فاز بعدد من الجوائز الأدبية المرموقة وأصدر الى جانب الروايات والقصص مجاميع شعرية عدّة وقد أثار اهتمام النقاد منذ نشره أول مجاميعه الشعرية «غياب» باعتباره قد استطاع أن يواصل منحى جورج تراكل والرومنطيقيين والانطباعيين والرمزيين الألمان. رأى فيه قسم آخر من النقاد أهم ما قدمه الشعر الألماني في السنوات الثلاثين الأخيرة. قدم هلبيغ نصاً مغايراً للأدب السائد آنذاك في ألمانيا الشرقية، إذ انه كان ينطق معرفةً بحياة العمال واستطاع أن يضفي على صوته النبرة الخاصة، التي اعتبرت استمراراً وتطويراً لتقاليد أدبية ألمانية. هنا بعض قصائده.

أربع قصائد

غياب

إلى متى سيُصبر على غيابنا
لم يلحظ أحدٌ كيف مُلئنا بالسواد
كيف نحن منكمشون بدواخلنا
في سوادنا
لا، لم يفتقدنا أحدٌ
لدينا أيد محطمة جداً، وأقفيتنا محدّبة
هذا فخر المحطمين والأشياء الميتة
تنظر باتجاهنا أشياء ضجرة حتى الموت
إنه خراب عديم المثال
ولن يفتقدنا أحد وكلماتنا مزقٌ مجمدةٌ
تساقطت في ثلج قليل
حيث ناضجة تقف الأشجار بيضاء، زاهية
نعم وجاهزة للانكسار
الكلّ، آخر ما هدّم منا أيدينا، وهي تهدمت في النهاية
كلماتنا تهدّمت: تعال، إذهب، إبق هنا
لغة مهدّمة على آخرها
ملغومة ببعضها بعضاً وكيفما كان
ونحن نركض وراءها ووراء غيابنا
مثلما تركض وراءنا في المساء
كلاب مطارِدةٌ بعيون مريضة غير معقولة.

الشاعر يواصل سفره

ينفجرُ فمي اليوم أمام كأسٍ
أذهب بوجه شارب حدّ الفراغ
في المدينة وأجمع أصوات
الذين يؤيدون موتي
والتفكير بالجذر المعتم
للبشر، يجعلني أفكّر
باختلاق يوم أحدٍ وسط الاسبوع
أعتقد بأن أحداً ما، أراد الذهاب
ولم يصل إلى أي مكان، أو أن سناً أوجعتني
وهناك حصانٌ سقطَ على مبعدة وصرخ عالياً
ولم يكن للقصاب ما يفعله
... إنتظروا إنتظروا حيث شئتم
حتى يقفز القافز من على الجسر - آخ اللاهدوء
ينادي، ينادي السفن العريضة
سأخرج من الباب وأفكّر: وداعاً
وأعتقد بأن قدري قد انتهى في رأس الرجاء الصالح
تحت علّيقة
هناك عجلة عربة
ملقاة حطاماً وتستمع
الى نباح الأمواج المسعورة، الى بكاء الشاطئ.

ذكرى تفاحة

أذهب في طرق شبعانة بياضاً تحت أشجار
ملأى بأزهار التفاح في نيسان الذي ما زال أبيض
في الصيف جلستُ على عشب رملي
أنا تحت ظلال شجرة
أرضية وأكلت تفاحةً
عصيرُها حلوٌ ولحمها هكذا طري
وفانية أزهارُ أشجار التفاح مساءً.

أتركوني إذاً

أتركوني إذاً
أتركوني أذهب الى غربة باردة
ففي البيت
أغرق
في هذه الهريسة الساخنة اللزجة
التي قاربت شفافيتها النهاية
التي تربطني التي هكذا تربطني
أتركوني في هذه الغربة الموحشة
هناك أريد أن أحطب ما حولي
أن أتبارز مع ظلالي لكي تَصْفِر الضرباتُ
في هواء بصفاء الماء
هنا يخنقني الصمتُ
هنا تمصّ هريسةٌ نيئة من يدي
أتركوني إذاً
حيث الرؤية واضحة
أو في أحجار في جدران حجرية عالية
في أسوار لأجل جمجمتي...



الحافة : .. 2006