الحافة . بشير مفتي : شهادة في التجربة الروائية: حدود التجربة واسئلة المابعد
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
شهادة في التجربة الروائية: حدود التجربة واسئلة المابعد
20/06/2007
  
 
تنحو الشهادات عادة لتقديم حوصلة حول تجربة كاتب ما في مجال ما، هي بمثابة الخلاصة التي توقف عندها هذا الكاتب. وعادة لا يرفض الكتاب تقديم مثل هذا النوع من الحوصلات، ربما لشعور منهم أنهم الأقرب لفهم عالمهم الخاص بمستوياته العميقة وحتي السطحية من غيرهم من القراء والنقاد علي السواء.
وقد تكون الشهادة أيضا فرصة ليجلي الكاتب غوامض نصه، وليطرح عليه أسئلة لم تطرح من قبل علي نصوصه، وهو بذلك يشارك في عملية الفهم والتفسير والتأويل.
يدرك الكاتب حتما حتي لو كان هو منتج هذا النص أنه لا يمتلك مفاتيحه لوحده، أي أنه لا يمتلك حقيقة نصه، حقيقته الجوهرية، والمطلقة، وأنه في وعيه بهذا يترك لنصه فرصة أن يشاركه الآخرون متعة الفهم والتذوق والكشف.
بالنسبة إليَّ شخصيا سأحاول تقديم شهادة عن تجربة لم تكتمل، وأظنها لن تكتمل بتاتا، وأظن أيضا -سأطيل ظنوني كثيرا- أي أنها تعِّي هذا اللاكتمال، وتدعمه، فهي تقوم علي شيء مفتوح ويتطور في النقصان ذاته.
أقول النقصان بمعني وعي الكتابة في حدودها الصغيرة والنسبية، وفي طموحها البعيد والكبير.
فهناك دائما شيء ما يجذب الكاتب، وكتابته ليتطلع للأمام، للأفق الغامض والمستور، وهو بقدر ما يتطلع/يقترب، يشعر أنه يبتعد عما كانه من قبل، وعما يروم له في ذلك الأفق البعيد.
خصوصية أية كتابة هي دائما في كونها ترتبط حتي في أقصي طموحها التجريبي بسياق زمني ما يحدد لها لحظتها التاريخية، ويبصمها بشرطية زمنها ذاك. صحيح أن هناك محاولة مستمرة للانفــــــلات من قبضة الآني والعابر، ولكنها مقـــــاومة هي بدورها ستظل مفتوحة علي زمنية ما، علي لحظة ما -وقتية بالضرورة- ولها روابط عضوية بالمكان والبيئة وتاريخية هذا المكان وتلك البيئة.
سأفترض أن الكاتب يرغب دوما في القيام بعملية تطليق بحسب عنوان واحدة من روايات رشيد بوجدرة. تطليق عقارب الساعة وزمن الماضي والحاضر، وأن مثل هذا الحلم المشروع سيكون هو الــنواة الجنينية التي ينطلق منها أي كاتب، أي البدء من الرفض ومن كلمة/عبارة مططت الآن بحيث أنها لم تعد تغري الكثيرين وهي التمرد.
يبدأ الكاتب متمردا علي ماضيه، وساخطا علي عصره وبيئته، وناقما من أوضاعه وأوضاع غيره. وبعدها يتوعي الكاتب بأن هذه النقمة وهذا الرفض ما هو إلا تلاقح طبيعي بينه وبين زمنه، تضاد طبيعي، ولكنه يؤسس لرؤية جذرية تربط الكتابة حتي وهي تجنح للعداء والمواجهة بقضايا محيطه وأسئلته.
يمكن أن يكون في مرحلة من المراحل خيــــــــط قد ربط مشاريع الكتابة المغاربية في أفق واحـــد وتجربة مشتركة.
ربطها في فترة ما قبل الاستقلال بتطلعات مشتركة ورؤية متقاربة للكثير من قضايا التحرر والهوية والبحث عن خصوصية ما.
وربطها بعد الاستقلال في تصورات إيديولوجية وجمالية للكتابة، وربما في رغبات التمايز حتي عن الكتابة المشرقية فنحت لبعض التنويعات في السرد، والشكل الروائي، واهتمت بخصوصيتها المغاربية اهتماما خاصا. كل خطاب بحسب ما يحمله تراثه من تنوع روحي وثقافي مميز.
وتقاطعت الروايات في المغرب العربي في بعض الهموم العربية الكبري والقضايا المصيرية والحساسة مثل فلسطين وغيرها.
ثم جاءت فترة انفصل فيها الخطاب الروائي المغاربي عن بعضه البعض، فلم تعد المغاربية إلا تعبيرا عن جغرافيا سياسية، أو مجموع سياسي غير متجانس ولا موحد، واختلفت سياقات البلدان، واهتمامات كتابها من بلد لآخر.
لقد ولدت تجربتي الأدبية في هذا السياق بالذات، فلم يكن هناك تقاطعات كبري، وبينما كانت التجارب الروائية المغموسة في إيقاع التجريب الشكلي واللغوي بشكل خاص تصلنا من المغرب الأقصي وتونس، كنا في الجزائر منشغلين برهانات أخري من ناحية البعد السياسي والرؤية الجمالية المختلفة.
إذا اقتصرت علي الكلام علي تجربتي فسأقول بأنني من جيل بدأ النشر، والظهور مع بداية التسعينيات. وكان الهاجس الأول هو الانفصال عن تجارب روائية جزائرية سابقة، وكان الامتحان الصعب علي مستوي المدلول والمضامين هو قول تراجيديا بلدي بشكل مغاير عن الروايات التي وقفت مع جهة دون أخري. أو التي انحازت للشهادة فقط.
كانت أول رواية كتبتها المراسيم والجنائز رواية أسئلة بالدرجة الأولي، أسئلة عن لحظة عنيفة ومبحرة في القسوة والرعب والخوف، رواية مساءلة، وعلي صغر حجمها فلقد حاولت فيها طرح كل ما نعانيه تقريبا في علاقتنا بأنفسنا، والماضي، وغير ذلك.. كما لو أن الروائي كان يشبه في جانب ما شهرزاد المهددة بالموت في أي لحظة. فتضطر للكتابة وحكي ما تحكيه خوفا من سيف شهريار الأصولي البتار.
كتبت بعدها روايات في نفس سياق ما عانيناه أرخبيل الذباب و شاهد العتـــــمة و بخــور الســـــراب لقد حاولت بتنويــــــعات كثيرة في الأسلوب والتقنيات السردية أن أتحدث عن وضع جزائري يتفجر ويتفتت من الداخل، من خلال شخصيات تجد نفسها إما مدفوعة للموت، أو ماتت من الداخل، ولم يبق منها إلا أحلام مجهضة، وكوابيس مرعبة. شخصيات مفزوعة من الموت الذي يُختار لها وليس الموت الطبيعي الذي يحدث بشكل عادي للغاية.
لقد اكتشفت أنني كتبت عن الموت كثيرا، وعن الحب المستحيل والخطر بشكل بَدَوتُ فيه مُبالغا، أو بَدوت كمن يُكرر نَفْسهُ في كل رواية يكتبها.
بل عندما صدرت روايتي الأخيرة منذ سنتين تقريبا أشجار القيامة وُجه لي هذا السؤال مباشرة، والحق أنني لم أجد ما أقوله، وربما دافعت عن فكرة أن الكاتب في النهاية يظل منشغلا بنقطة واحدة محورية طوال حياته. هي هويته وخُصوصيته في النهاية. هي ما هو عليه، ولكن كنت أؤكد ضمن تبريري لشيء لم يكن مقنعا بتاتا، خاصة بالنسبة إلي، علي أن الأدب في النهاية هو كيف؟ وليس لماذا؟. قد تتكرر القصص والهواجس بشكل مستمر لأنها تصاحبه منذ ولادته حتي وفاته. قد تتكرر لدرجة العبث، والملل، ولكن كيف تتكرر؟ وبأي تقنية وأسلوب وشكل هنا يبدو رهان الكتابة المهم والخطير والأساسي.
ليست بلاغة الأدب في تكرار الأولين، ومحاكاة أسلوبهم، واجترار قواميسهم اللغوية. البدعة الأكثر انتشارا في الرواية العربية بعد نجيب محفوظ إلي غاية اليوم، والتي تقود إلي المحاكاة أو التشويه أوالمسخ باسم التأصيل وغير ذلك.
تكمن بلاغة الرواية والأدب في قدرتها علي خلق مساحة من التواصل الجمالي بين الكاتب والقارئ، بين النص المكتوب ومن يتلقاه، وهـــــذه من نِعَم الرواية الحديثة التي برهنت علي أن عمق الرواية يكمن علي غير ما تصورناه في عالمنا العربي في بساطة الأسلوب وجماله. أليس خير مثال علي ذلك أعمال كافكا، وكونديرا مثلا.
تبقي التجارب في نهاية الأمر منقوصة، وهي في نقصانها تثبت مشروعيتها حتما. إن كل كتابة هي طموح إلي مابعد. وهي تسعي لهذا المابعد كي تمنح نفسها فرصة كي تخلد، وهي تدرك أن لعبتها الحقة مرتبطة بأسئلة لحظتها فقط، وكيف تعيد صياغتها جماليا وفنيا، لحظتها في التاريخ والمستقبل. لحظتها الخالدة تلك.
(ورقة قدمت في ندوة الرواية المغاربية المنعقدة بالجزائر يوم 14 حزيران (يونيو) 2007 والمنظمة من طرف المكتبة الوطنية وجمعية الاختلاف).
كاتب من الجزائر
 
 
الحافة : .. 2006