الحافة : هل الحياة مفتوحة من الجهة الاخرى ؟
 
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  للمراسلة
أشعار العصر العباسي لم تضف شيئاً و"اليوت" و"بلايك" سارقان
20/06/2007
  
في محاضرة "اتجاهات نقد الشعر العربي" في المجمع الثقافي
أبوظبي - “الخليج”:

أقامت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث محاضرة بعنوان “اتجاهات نقد الشعر العربي، عبد الله الطيّب نموذجاً” للدكتور الصدّيق عمر الصدّيق، نائب مدير معهد عبد الله الطيب للغة العربية في جامعة الخرطوم، قدّمه فيها عصام الأيوبي، بحضور حشد من المثقفين والمهتمين، وأبناء الجالية السودانية في الدولة.

استهل المحاضرة عصام الأيوبي بكلمة قدّم فيها الدكتور المحاضر فرحّب بالحضور، واستعرض نبذة من سيرته الذاتية وخبراته الأكاديمية، ثم تلاه الدكتور الصّديق عمر الصّديق فعبّر عن عميق سعادته بوجوده في الامارات وأبو ظبي خاصةً، واعتبر أن عبد الله الطيب نموذج رائد يحتذى في النقد لا على مستوى السودان فحسب، بل على مستوى النقد العربي كله، اذ يعتبره الدارسون ناقداً ذا مشروع نقدي، وشاعراً يُسلك في سلك النقاد الشعراء كابن المعتز وابن طباطبا، وفي العصر الحديث أصحاب مدرسة الديوان العقّاد وشكري والمازني الذين كانوا نقاداً. ومنهم أيضاً أدونيس الذي تسابق أشعاره نقده.

وقال الدكتور الصدّيق عمر الصدّيق انّ “عبد الله الطيب كان ناقداً له رؤية في التراث، لم يقصر نقده على النظر في الشعر الحديث وما ينبغي أن تكون عليه القصيدة، بل شمل التراث بنقده، وقد كان له مشروع نقدي جمع ما بين القيم النقدية والقيم التعليمية، كما في كتابه (المرشد الى فهم أشعار العرب من الانشاد)”.

وأشار الى أن عبد الله الطيب كان ينحو منحى تعليمياً في نقده كشأن النقاد في العصور السابقة، ويذكرنا بناقد قديم هو ابن طباطبا، فهو حين ينقد كأنه يعلّم الأدباء والشعراء كيف يكتبون.

وأبرز الدكتور الصدّيق عمر الصدّيق أهم ملامح واتجاهات النقد عند عبد الله الطيب، والتي تتجلى في أنه يلتفت الى تأصيل الفن الشعري، وتقوم نظريته في ذلك على أنّ القصيدة هي قوام الفن الشعري عند العرب، فإذا كان الشعر عند الغربيين يقسم الى موضوعات كاملة في الملاحم، فإن القصيدة العربية تحمل ملامح من جرأة البطولة وحلاوة القصص وحماسة الصورة، ويستشهد على ذلك بقصيدة “ألا لا تلجن دارنا” لما فيها من حوار، ويعتبر أن هذا النفس الموجود في القصيدة قصصي يقرّبها الى النفس المسرحي لأنه يقوم على الحوار، كما في قصيدة أبي تمام التي يقول فيها “السيف أصدق انباءً من الكتبِ”، وقصيدة أبي الطيب المتنبي التي يقول فيها “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”، يشير عبد الله الطيب في هاتين القصيدتين الى نَفَس البطولة عند الشعراء العرب كما في الشعر الغربي في الملاحم وأشعار المعارك والبطولة.

وأشار الدكتور الصدّيق الى أن عبد الله الطيب جعل النموذج الجاهلي النموذج العالي والمثالي للقصيدة العربية لأنه رأى فيه سحراً غامضاً، وشيئاً من النَّفَس البطولي الذي فقد في الشعر اللاحق، والسبب هو أن القصيدة العربية بعدت عن أصلها القديم، وما عاد يُلتمس فيها شيءٌ من تلك الروح.

واعتبر عبد الله الطيب، كما يرى الدكتور الصدّيق، أنّ بعض أشعار العصر العباسي لم تزد شيئاً على ما قاله القدماء، كحديث الخمر عند الحسن بن هانئ “أبي نواس”، وحواره معها، ويقول ان هذا الشاعر ما زاد شيئاً على قول الشاعر الأعشى، وان الجديد الذي أتى به الأعشى وأمثاله من العباسيين هو حديث المنادمة في خمرياتهم.

وألمح الدكتور الصديق الى أن عبد الله الطيب كان يقيم عيار الأصالة ويقارن القصيدة العباسية بالروح الأول في القصيدة الجاهلية، ويغلب عليه التأصيل كونه كان يتخذ الصلة بالشعر العربي عياراً لتقويم الفن الشعري فينظر الى القصيدة الحديثة دائماً مقارناً بالشعر الجاهلي. ويهتم بقضية السرقات التي شغلت النقاد القدماء، وقد درس الشعر العربي على أساس صلته بالشعر الغربي، وبخاصة في مرحلتي الكلاسيكية والرومنسية في الأدب الانكليزي، وفي عمله ذاك كان يستبدل المصطلحات النقدية الغربية الحديثة بأخرى عربية ملتمساً الأصالة في مصطلحات النقد، فقد اعتبر مثلاً أن في شعر العقّاد ديباجة غربية متأثراً بالأدب الانكليزي، وبالذات بسونتات شكسبير في المقطع الرابع عشر، وفي ذلك اشارة الى السرقات الأدبية والنظر في الأدب الغربي بغية الأخذ عنه عند بعض الشعراء العرب، وبهذا تكون ديباجة العقاد برأي عبد الله الطيب دون ديباجة أحمد شوقي.

لكن عبد الله الطيب برأي الدكتور الصديق لا يغفل جوانب جمالية في قصيدة العقاد في ابتعاده عن فلسفة الشعر والمنطق العقلي فيه، فإنّ ما يعجبه في قصيدة العقاد أنها جرت على نماذج من الشعر العربي القديم في رويّها ووزنها، فهي تذكّر بقصائد مالك بن الريب وحسيم عند بني الحسحاس. ويرى أن العقاد قد أفاد أيضاً من أنفاس الماضين، وقد أشار الى قضية السرقات في النظر والتأثر في كتابه “اتجاهات النثر الفني في السودان”، اذ اعتبر أن نقّاد النهضة في السودان انما كانوا يحاكون الكتاب المصريين، والذين كانوا بدورهم يأخذون عن النثر الغربي في التفنن والصياغة، وان كان روح الحداثة لديهم على صلة بالشعر القديم.

وأكّد الدكتور الصّديق على أن عبد الله الطيب قد درس جدلية التأثر والتأثير بين شعراء الغرب والعرب في كتابه “الفتنة باليوت” فأشار الى أن السحر الغامض الذي عرف به “اليوت” انما أخذه من أخيلة الصحراء والشعراء الجاهليين، وتجربة الصعلكة. كما فعل الشاعر “بلايك” الذي تأثر بوصف ابي الطيب المتنبي للأسد في وصفه هو للنمر في احدى قصائده.

واعتبر أنّ عبد الله الطيب كان يُعمل في كل ذلك عيار التذوق، ويجادل القدماء كأنه يجلس معهم، فله نظر في أفكار الأصمعي والمرزوقي والجرجاني، فيفضل كتب سيبويه على كتب الجرجاني، ولا يعجبه طه حسين. وكان يعوّل على النفَس الموسيقي فيشكك في شعر بعض الشعراء لأن في نفَس الشعر عندهم تبايناً لا يشبه سيرتهم. ويرفض مصطلح الحداثيين في الوحدة العضوية والقول بأن في القصيدة العربية الجاهلية تشتتاً يعيبها. كما يرفض تحليل النقاد لعلاقة أبي الطيب المتنبي بخولة أخت سيف الدولة الحمداني، وبكافور فقد كانت له شكوك في حب أبي الطيب لكافور، وفي سرٍّ خفيٍّ جمعه بخولة.

واختتم الدكتور الصدّيق عمر الصدّيق محاضرته بإشارة الى أن عبد الله الطيب قد رأى جمالية المزج بين الطبيعة ومعاني الغزل عند أبي الطيب في صور بيانية يؤديها أداءً لطيفاً مازجاً بين عواطفه ووصف ما رآه من مناظر الطبيعة. وأنّ شعراء المديح النبوي انما أخذوا عنه هذه الخاصية الجمالية، خاصية الحديث عن الأماكن لزيادة التحنان، كما فعل شعراء الجاهلية.

الحافة : .. 2006