|
محمد لفتح : أعتبر مقارنتي بجينيه فخرا
20/06/2007
> محمد لفتح، كيف تسللت إلى حدود الكتابة الروائية؟
ـ قضيت جزءا من طفولتي ومراهقتي في بيت جدتي من أمي. وعشت فيه مع ثلاثة من أخوالي كانوا يمتهنون التعليم. وهكذا انغمرت منذ نعومة أظافري في عالم أنارته ومهرته الكتب. وعندما بلغت الثانية عشرة، قرأت «البؤساء» لفكتور هوغو، وهي رواية فتنتني وأثرت فيّ بالغ التأثير. وتحت تأثير هذه الرواية الواقعية، اقترفت في سن السابعة عشرة «رواية» يغلب عليها البؤس البشري والعواطف النبيلة، منحتها آنذاك لأستاذ اللغة الفرنسية في نهاية السنة الدراسية. وكانت هذه السنة هي الأخيرة في المسار المهني لهذا الموظف الأجنبي، حيث عاد الرجل إلى بلاده و«نسي» أن يعيد المخطوطة إلي. وفي الحقيقة، فأنا لست نادما على هذا الفقدان بقدر ما آلمني ضياع القصائد التي كتبت خلال إقامتي بباريس بين سنتي 1968 و1969. وقد أسررت إلى أحد أصدقائي المقربين بأنني كثيرا ما أمزق ما أكتب، فأقنعني بتمكينه من مخطوطاتي حتى ينقذ بعض قصائدي من هذه المحرقة؛ غير أنه اختفى أيضا، ولم أر له أثرا منذ تلك المرحلة.
> أنت، على ما يبدو، سليل طبقة «راقية». كيف يمكن للمنطق الاجتماعي أن يترك مكانه لسلطة الأدب؟
ـ إسمح لي أن أدقق قليلا هذا التوصيف. بل يمكن اعتباره خاطئا فيما يتعلق بشجرة أنسابي من ناحية أبي. فالوالد ولد في قرية صغيرة قرب «تافراوت» (جنوب المغرب) إسمها «كدورت». وقد «هاجر» لوحده، في سن الحادية عشرة، إلى مدينة الدار البيضاء ليبدأ حياته المهنية. وكبقية مواطنيه، عاش شظف العيش والحياة القاسية، ليستطيع في النهاية أن ينجح في جمع رأسمال سيسمح له لاحقا بالعمل لحسابه الخاص بفتحه دكانا للأثواب بقيسارية مدينة «سطات». أما عائلة أمي، فجدتي، على الأرجح، كانت إبنة وزير، وحصتها من الإرث العائلي وهي عبارة عن أراض فلاحية بناحية مدينة فاس، كانت تكتريها لأحد الأشخاص، هي التي مكّنتها من تربية ثمانية من أبنائها، ثلاثة منهم كانوا معلمين. ويمكن اعتبار هذه الوضعية الاجتماعية أقل أرستقراطية من وضعية مشاهير العلماء، في جامعة القرويين العريقة، ومن بينهم الزعيم السياسي والعالم علال الفاسي الذي كان يقرب إلى عائلة أمي. لكن هذا لم يمنع أن عائلتي، وخصوصا أخوالي، من الإحساس بكبرياء عظيم، بل وبالعجرفة من جراء هذه الأصول البورجوازية، أي بانتمائهم إلى أسرة العلماء العريقة هذه التي ينتمي روادها إلى بلاد الأندلس الشهيرة التي غادروها بعد سقوط غرناطة.
> وكيف تقرأ تجربتك على ضوء هذه التعقيدات العائلية؟
ـ حياتي في علاقتها بالكتابة التي سأكتشفها لاحقا لا يمكن أن تقرأ في ضوء «المنطق الطبقي»، بل في ضوء «المنطق الفرويدي». كان الشجار دائما بين أبي وأمي حول مزايا شجرة أنسابهما، وكنت أعاني من هذا الأمر بشدة، حيث كان أبي يمدح زعماء المقاومة المسلحة، عبد الكريم الخطابي وموحي وحمو الزياني، وأمي تمتدح العالم والزعيم علال الفاسي. طفلا، كنت أعيش بشكل مصغر، مأساة المقاومة المغربية حيث كان «السيف» لا يستطيع التعايش مع «القلم». وعندما بلغت مرحلة التوجيه المدرسي، أردت أن أصير ربان طائرات حربية (ألم يسلك سان إكزوبيري صاحب «الأمير الصغير» نفس الطريق؟). بعبارة أخرى، أردت اتباع التقاليد الأبوية «الأمازيغية» في إنعاش ثقافة «السيف»، لكن بصري الضعيف حرمني من تحقيق هذا الحلم؛ وفي النهاية، فإن التقاليد «الفاسية» لأمي، أي ثقافة «القلم»، هي التي انتصرت على الجميع.
وفي سياق هذه الأسطورة العائلية المزدوجة، وعلى خلفية التمزق بين مخيالين ولغتين وثقافتين، أفهم الجذور المؤسسة لرغبة الكتابة الأدبية عندي؛ وهذا ليس غريبا على كيمياء الكتابة، لأن الصراع والتوتر وعدم الاقتناع كلها أعواد حطب تغذي نار الإبداع الملتهبة.
> عالمك الروائي يعج بالنساء والمهمشين. لماذا اخترت سبر أغوار اللاشعور الجمعي واللالتفات إلى الجنس؟
ـ في البداية، لنبدأ بالمهمشين. مخالطتي لفضاءات المقاهي الشعبية والحانات؛ وهي في بعض الأحيان تفرض نفسها على المرء عندما يسرف في صعلكة النبلاء الكبار في أمكنة يطلق عليها آنذاك اسم «الحراسة النظرية». هذه السهرات الدائمة دفعتني إلى التعرف على مهمشين من الجنسين، كنت أعتبر بعضهم كائنات شعرية بامتياز. وقد تحدث الشاعر هنري ميشو بمتعة عن «المعرفة بالهاوية». وتلك الهاوية التي تمنحها الهوامش تضيء أيضا «مركز» المجتمع الذي ابتدع هذا الهامش.
أما في ما يخص النساء، فقد قضيت طفولتي في أسرة موسّعة وبالإضافة إلى زوجات أخوالي الثلاث، كانت تعيش معنا قريبة عازبة. لكن الصورة النسائية المضيئة في ذاكرتي هي صورة جدتي. أتذكر أنني كنت أدور في فلكها وأعيش في كنفها، قارئا لها حكايات ألف ليلة وليلة. وفيما بعد، تعرفت على العوالم الأنثوية، أي عالم الفتيات ـ الزهور اللواتي نجدهن في روايتي الأولى «آنسات نوميديا».
أما الجنس، فقمعه يمكن، كما قال الرسام الإسباني غويا، أن يخرج إلى النور وحوشا ضارية. فالهمجية التي استعملها الإسلاميون، مثلا، في الحرب الأهلية التي مزقت الجزائر لسنوات، في القضاء على النساء لمعبرة في هذا السياق. حرق الوجه بمواد كيماوية، بقر البطون، الاغتصاب الذي يشرعه دينيا بعض «أمراء» المتطرفين عندما يختطفون النساء ويعتبرونهن «سبايا». فمثل هذا الخلط الخطير بين «الجهاد» والدم والسلطة الجنسية اللامحدودة، يجعل من البحث في الجنس في المجتمعات العربية ـ الإسلامية مسألة أساسية وليس لعبا مجانيا أو إباحيا.
> عشت في فرنسا، ومنها عدت إلى المغرب، لتستقر، في النهاية، عند عائلتك في مصر. كيف تعيش هذا «المنفى الاختياري؟»، وما هي حكاية الصدفة في نشرك رواياتك التالية؟
ـ بالفعل، لعبت الصدفة دورا كبيرا في نشري لأعمالي اللاحقة. فقد كنت أشاهد في إحدى الأمسيات القناة المغربية الثانية، فتعجبت للناقد المغربي المعروف سليم الجاي، يتحدث بإطراء عن روايتي الأولى «آنسات نوميديا» التي نشرتها دار الفجر في باريس سنة 1992 في أحد البرامج. فطلبت مباشرة بعد هذا البرنامج الذي يقدمه الصحفي المعروف عادل حجي، من ابنتي في باريس أن تتصل به وتعطيه خمس مخطوطات، تركتها ضائعة في بيتها. بعض هذه الروايات، كانت قد قبلت عند أحد الناشرين الكبار في باريس بشرط أن أغير فيها بعض الأمور. غير أنني في تلك المرحلة كنت أمر بظروف شخصية عصيبة جعلتني أعدل عن العملية برمتها.
فيما بعد توالت الأحداث بسرعة، ووجدت نفسي أوقع خمسة عقود دفعة واحدة مع دار نشر «لاديفرانس». لماذا فضلت هذه الدار الصغيرة عن غيرها؟ بكل بساطة، لأن صاحبي الدار، جواكيم فيتال وكوليت لمبريش، وثقا فيّ توا بعد قراءة مخطوطاتي، واقترحا علي توقيع عقد طويل الأمد بعد توصلهم بأعمالي على يد سليم الجاي. وهذه مسألة نادرا ما يقدم عليها الناشرون.
> وماذا عن المكان؟
ـ في ما يخص المكان وعلاقته بالكتابة عندي، فالعلاقة شديدة الأبعاد والرمزية. هناك من يعرّف الكاتب «المنفي» باعتباره «عبّارا» وآخرون باعتباره «كاتب حدود». وأتبنى شخصيا التعريف الأخير، بما أن ظروفا عائلية جعلتني أقتسم حياتي بين فرنسا ومصر والمغرب الذي له مكانة خاصة في قلبي. أعترف بأنني لا أحس بأي تمزق من جراء هذه الوضعية، بل أعتبر نفسي محظوظا في حركيّتي هذه. فهل يمكن للكاتب أن يحلم بحوافز أقوى من غنى الهويات واللغات وتداخل الأحاسيس والثقافات والمتخيلات المختلفة؟
> في فرنسا، يشبهك النقد بجان جينيه؟ ما رأيك في هذا التشبيه الفرنسي؟ وكيف تفسر توظيف اللغة الشعرية في كتابتك الروائية؟
ـ أعتبر مقارنتي بجينيه فخرا وتشريفا لا أستحقهما. وفي الحقيقة، فجان جينيه كان من الكتاب القلائل الذين أناروا طريقي وفتحوا لي آفاق الكتابة المطلقة، لاسيما في مجال الشعر. فبعد الرواية الأولى التي اقترفت في سن مبكرة، بدأت كتابة الشعر، لكني لم أكن مقتنعا بما أكتب، لذلك تركت ربات الشعر. غير أنني اليوم أطمح في مفهومي للكتابة إلى كتابة تجاور الشعر أو إلى «شعرية النثر»، كما سماها في أحد كتبه تزفيتان تودوروف. أما مقارنة الكتاب ببعضهم البعض، فلا أعتقد أن العادة فرنسية محضة، بل المسألة شائعة جدا في مجال النقد الأدبي عبر العالم. غير أن هذا السلوك لا ينبغي عليه أن يعفي نقاد الأدب من مهمتهم الرئيسة التي تتمثل في التقاط النبض الخاص بالكاتب وبخصوصيته الفنية والأسلوبية.
> أعرف أنك تقرأ كثيرا. فمن هم الكتاب الذين أثروا فيك، وما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به القراءة في صقل موهبة الكتاب الشباب؟
ـ مهما حاولت فلن أستطيع تقديم لائحة نهائية للكتّاب الذين سكنوا ذاكرتي. لذلك سأكتفي بذكر بعضهم كجينيه، دوستويفسكي، بروست وكافكا. أما بالنسبة للشعراء، فأشعر أنني قريب جدا من يانيس ريتسوس، ناظم حكمت وأراغون. أما بالنسبة للكتاب المبتدئين، إذا كانت القراءة المستديمة والمتنوعة ضرورية، فهي غير كافية. فالرغبة في الكتابة الأدبية متجذرة في تربة الطفولة. ولهذا يمكن للمرء أن يكون أكبر قارئ في العالم، لكنه لن يستطيع الوصول إلى لذة الكتابة وأسرارها بسهولة.
> في الأخير، كيف تعيش هذه الشهرة الحديثة العهد باعتبارك تكتب باللغة الفرنسية وتعيش في مصر وتنشر في فرنسا؟
ـ الشهرة؟ يجب علينا ألا نفقد حس النسبية في هذه الأمور. فالتواضع غير الكاذب يفرضه بالضرورة الكم الهائل من روائع الأدب العالمي التي تطالعنا كل يوم عبر العالم. كما أن انخراط تجربتي الحياتية والأدبية المتواضعة في مفترق فضاءات جغرافية متعددة، كما قلت في السابق، يجعلني في وضعية ثقافية محظوظة. وفي هذا الزمن التي ترتفع أصوات عديدة للمطالبة بـ«أدب عالمي»، لا يمكنني إلا أن أشاطر هذا الإحساس الكوني العميق. الشرق الأوسط
|