الحافة . فاطمة المحسن : موجة أم جيل
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
موجة أم جيل
13/06/2007
  
 في توضيح المصطلح وفي قراءة مفهوم التمايز

لم يكترث الشعراء الستينيون أول ظهورهم في العراق بالنشر في الصحافة العربية، وكان اهتمامهم بالأدب العربي أقل بكثير من اهتمامهم بالأدب العالمي، في حين نشط رواد قصيدة الشعر الحر ضمن حاضنة عربية، وتنافس السياب والملائكة والبياتي عبر مجموعة من الصحف اللبنانية، وكان لإقامة البياتي في القاهرة الأثر الفاعل في انتشار تجربته وتعميمها على العالم العربي. وفي الظن ان اتجاه شعراء الستينيات إلى الداخل، تكمن خلفه مجموعة من الأسباب، أبرزها وجود صحافة أدبية ناشطة في بغداد أغنتهم عن النشر في أماكن أخرى، ثم ديناميكية الحياة الثقافية العراقية، حيث انشغلوا بأفكارهم الجديدة ومشاريعهم وصراعاتهم، وبدا كما لو ان الهدنة بين التيارات المتحاربة سياسياً قد انعكست على الحياة الثقافية، فتحولت المقاهي والملتقيات الأدبية إلى مراكز للحوار والسمر وعقد الأحلاف الأدبية وتطوير الانطباعات وتعميم الأشكال والصيغ الجديدة في الكتابة. ولو قيض لجو الستينات الاستمرار في العراق، لربما اختلفت مسارات الثقافة العراقية، غير ان تلك الفترة بقيت فترة رجراجة، أقرب إلى الصخب الذي يسبق الصمت أو التهيئة للدخول إلى مرحلة جديدة، كان من نتائجها تشرذم هذه الثقافة وتفتت المشاريع الجمالية للأدباء ودخولهم نفق الانشغال بالهم السياسي على نحو غير مسبوق.
وفي العودة إلى تلك الأيام، من المجدي تلمس ملامح الأوقات الحرجة في الثقافة العراقية التي رافقت التطلع إلى التجديد الستيني، فالستينيات لم تكن فقط موجة جمالية، ان صح الافتراض، بل هي حملت في انشغالات مخيلتها بعض أوجه اللا استقرار في الثقافة العراقية، فكانت طموحاتها تتعدى طموحاتها مدرسة الرواد، ولعل تلك الطموحات تشكل وجهاً من أوجه الإيمان بفردانية لم تنضج لتتحول إلى مفهوم ثقافي أو فكر مستقل يستطيع ان ينقض أو يلغي أو يخفف من حدة الصوت الجماعي للموجة الشعرية التي سبقت ظهورهم. فالشعراء الرواد على اختلاف نماذجهم، كانوا يتحركون ضمن مدارات الأصوات الجماعية، وكل واحد ربط هدف شعره بمقولة اجتماعية، وتحت ظلال هذا الاتجاه نمت أدبية المرحلة بأكملها. كان الشعراء الستينيون يهجسون بانتهاء هذا النوع من الخطاب، ولكنهم لم يكونوا على بينة من تنظيرات أو تصورات متكاملة تعينهم على الخروج من اساره، اواسار أفكاره، وهناك بعض ومضات تبدت في تعميق اتجاه القطيعة أو الاختلاف أو التمايز عن اجتماعية الأدب أو الشعر وخدمته القضايا الشعبية، ولكن السقف الثقافي لم يكن يساعد على تبلور صيغة فكرية لفحص طريق الاختلاف ومغزاه وجدواه.
"أنا" الشاعر أو نرجسيته أصبحت هاجس التمايز، فالشاعر بدأ يتمثل صيغة الإعجاب بالذات، أو هو هجس حرية أطلقت العنان لرغباته في التعبير عن أهمية الشعر الذي هو مملكة الصفوة، وبعض الشعراء بدأ التمرد على قاموس الفهم العام، واستغرق في قصيدة نخبوية يعز على القارئ العادي فهم معناها. ذلك التحول لم يقلل من نبرة الخطاب السياسي في هذا الشعر، وتمثل هذا الخطاب بلغة القوة والظفر، وبفكرة التفوق أو السوبرمانية، مخالفاً نزعة التواضع أمام معاناة الناس، كما حدث عند مدرسة الرواد.
عودة إلى البيان الشعري الذي نشر في العام 1969يساعدنا على الاقتراب من نوع ودرجة الاختلاف بين جيل السياب ونازك والبياتي وبين الستينيين.
يتحدث البيان عن تعريفاته للشاعر، مشيراً إلى ان الشاعر هو الذي يرتقي إلى مستوى العارف بالمجهول، أو السابر الذي يرى المرئي واللامرئي، لذا يصعب على الناس فهمه. أما الشعر فهو أشبه بمدينة اسطورية مسحورة غامضة "كل شيء يكتب براءته خارج المعرفة المسبقة" و"الأشياد تصبح صغيرة ومتلاشية كلما أوغل الشاعر في الصعود". هذا البيان يلخص القول الحاسم في أدبية المرحلة أو نوع أفكارها، فالشاعر هو الذي يدرك عظمة الأشياء فقط: "الشاعر الذي لا يعرف عظمة الأشياء لا يمكن ان يكون شاعراً عظيماً".
لم تكن هذه الأفكار على مبعدة من طروحات أدونيس الستيني والسبعيني، ولا اتجاهات الشعر العالمي خلال تلك الفترة، غير أنها في النهاية تنطق برغبة أصحابها في تمايز عن الثقافة التي سبقتهم وعلى وجه الخصوص وعيها أهمية انتصار الخيال الأداتي الأخلاقي على الخيال المجرد. غير ان الشعراء الجدد تمسكوا أيضاً بحماسات الثورة، وزايدوا على الذين سبقوهم في تعبيرهم عن الأخلاقي في الشعر، فالشاعر حسب البيان: "ثائر تقدمي يخوض حروباً مستمرة ضد انغلاقات المجتمع: ضد العبودية، ضد الاستغلال، ضد البيروقراطية. إن الشاعر الذي يرتبط بالمستقبل والحلم والحقيقة يتخذ موقفاً عسكرياً من أمراض عصره. فهو لا يدين فقط وإنما يكتب قصائده بدمه أيضاً عندما تقتضي الضرورة وعندما يكتشف ان موته أكثر أهمية في رحلته الإنسانية نحو الحقيقة" ولكن هذه الفقرة التقريرية لا تعني ان نوايا الشعر قد رست عند هذه الشواطئ، فبمقدورنا ان نجد تضارباً في الكثير من الآراء التي وردت في البيان ذاته، فهو يبدو أقرب إلى مزاج تجريبي لا يعرف ماذا بمقدوره ان يقدم من صيغ الاختلاف، وان كان الذين قبله قد أمنوا بأن الشعر يأتي من الإيمان بالناس، فالبيان يعود ليؤكد ان ضوء الحقيقة يأتي من الشاعر الثوري.
"البيان الشعري" هو بحد ذاته ممارسة جديدة في الحياة الثقافية العراقية، ولعل البيانات الشعرية العربية التي أعقبته تؤرخ نهجه أو تتجه إلى تلخيصات الاتجاهات السائدة في الثقافة الشعرية العالمية، كما حاول ان يفعل، ولكن حقل الإشارة الذي عمل فيه، كان يضمر انفعالاً يريد ايصاله إلى القارئ، وهو انفعال يذهب إلى منتصف الطريق للوصول إلى تطور نوعي في موقع المثقف الفكري، فهو يقوض المفهوم العقلاني للالتزام، ويبدو عند هذه الحدود إيجابياً، فنحن في منطقة الشعر قبل كل شيء. غير ان القراءة الثانية له ولظروف ظهوره، تشير إلى محاولة للهروب من استحقاقات المجابهة مع السياسي الفظ الذي كان في طريقه إلى التشكل. فشاعر فرداني بامتياز مثل فاضل العزاوي يقبل بتوقيع شعراء على بيانه حتى ولو كانوا لا يمتون له بصلة، كي يضمن تلك الموازنة التي كان يهرب منها بعد خروجه من المعتقل، وهي ان يرد عنه تهمة الشيوعية ويتعايش نسبياً مع الحياة المقبلة التي يقود مسارها البعث. وهذا الشأن لا يخص العزاوي وحده، بل يشمل طيفاً عريضاً من شعراء اليسار الذين أعلنوا براءتهم من الشيوعية بانتسابهم إلى الموجة الشعرية السوريالية، مع ان هذه البراءة لم تكن تعني التماهي أو الدخول مع مشروع السلطة أو استسلاماً لها، بل هي تحمل في طياتها مللاً من الفعل السياسي والقهر والسجون التي صاحبته.
ينشر العزاوي بعد سنتين من صدور البيان قصيدته (أنا الصرخة، أية حنجرة تعزفني؟) وهي تنقض الكثير من فقرات بيانه: (ماذا أفعل يا جيلي؟- وأنا أسمع أجيالاً تهبط في جرح الوردة، أشباحاً تسبح في دجلة مثل طيور من ذهب، ثم تغنى وتموت لأن العشاق يموتون وحيدين من الحزن إذا لم يجدوا وطناً يأوون إليه كما يزوي الغرباء إلى أوطان الغرباء). والحق ان تلك الأفكار في المحصلة هي نتاج الصدمة الأولى لزمن القمع في العراق، الذي حاول شعراء ما سمي بالموجة السبعينية تجاهله أو التحايل عليه، عبر انتسابهم إلى اتجاه شعري تطور تحت مظلة شعر سعدي يوسف وتجارب جريدة "طريق الشعب". إننا والحالة هذه أمام منطق سياسي يصوغ منطقاً جمالياً، وتلك مفارقة العراق التي تشير إلى اضطراب الحقب الجمالية وعدم اكتمال مشاريعها، ولكنها أيضاً في المقابل تشير إلى ان الخمسينات الشعرية لم تنته بعد أو لم تقل كل ما تريد ان تقوله، فسعدي يوسف كان يمثل امتدادها ويعزز عبر شعره جانباً مهماً في منطقها حيث كان الشعر العربي بحاجة إلى ظهور قصيدته كي يكتمل أفق الافتراق بين الشعر الحر وشعر القريض.
غير ان من المجدي ان ندرك ان كل تلك الاقحامات السياسية لم تكن قادرة على تجاوز مسارين فكريين، كانا يشقان نهر الثقافة العراقية ويشكلان وعيها بذاتها: المسار الأول هو الفكر التاريخي الذي يرى ضرورة تغلب الفعل الاجتماعي على الحداثة، والاتجاه الثاني الذي كان يرى ضرورة الموازنة ما بين فكر الحداثة والفكر التاريخي بما ينطوي عليه من فعل اجتماعي. ولم يكن هناك من خلف وراءه كل تلك الحقبة المثقلة بحمولتها التاريخية، إلى موقف فرداني يتخفف من كل ذلك الإرث.
بعض شعراء الستينات حسب كتبهم ومقالاتهم، يؤكدون ان تأثيرات "الحداثة" الستينية على مستوى أدبية المرحلة لم تسفر عن نتاج يعادل اندفاعها أو طموحاتها أو يعدل الميزان لصالح مواقفها الجمالية، وكان الجيل الذي جاء بعد الستينيين وسمي وفق التحقيب العشري بالسبعيني، يحاول في بعض اتجاهاته، عقلنة طموحاته وتقريبها من ممكنات الواقع، ولعل موقفه هذا كان رد فعل على اندفاع الستينيين وإيمانهم بقدراتهم على تغيير معادلات الشعر في العراق والعالم، بيد ان مشكلة العمر الزمني قد تؤدي بنا إلى أخطاء في فهم الحدود الفاصلة بين مرحلة وأخرى. وإن أردنا التحقيب لموجة الستينات وق ما كتب عبدالقادر الجنابي والعزاوي وسامي مهدي، فسنجد بعض صعوبة في معرفة تواريخ محددة لانطلاقها، فالبعض يؤرخها منتصف الستينات، والآخر يرى اتضاح معالمها بصدور البيان الشعري 1969م، كما يجد بعض من كتب عنها ان منتصف سبعينات القرن المنصرم كان الوقت المناسب لتحديد اتجاهاتها الجمالية. على هذا يبدو التحديد الزمني قليل الجدوى في تشخيص طبيعة تلك الموجة، ولكن الاحتفاظ بالتسمية يشير إلى رغبة الشعراء في الانتساب إلى الموجة الستينية العالمية في الشعر والأدب عموماً، وتحديداً إلى الأمريكية التي ترجم عنها العراقيون وحاولوا نقل تصوراتها الجمالية.
تواريخ تتداخل في الحالة العراقية حتى يصعب البت بدقة التسمية هذه، ولكن الأرجح ان قصور الحركة النقدية في العراق وغموض وتشوش اتجاهات الشعر والشعراء أنفسهم، قد أديا إلى الاستعاضة عن التسميات الجمالية بالتحقيب العشري.

في المصطلح الشعري
حمل جيل رواد الشعر في عراق الأربعينات والخمسينات وصولاً إلى منتصف الستينات، مشروعاً واضحاً عززته كتاباتهم النثرية وتنظيراتهم ومقدماتهم لدواوينهم، فكانت تسميتهم لموجتهم ب "حركة الشعر الحر" قد اكتسبت مقبولية حددت نهجاً واضحاً لكتابها. ومع ان المحاولات المتتالية لاثبات عدم دقة هذا المصطلح مقارنة بمفهوم الشعر الحر الغربي، قد سببت تشوشاً في انتقاء البدائل، غير ان "شعر التفعيلة" الذي رست الحلول عليه، كان من بين أكثر التسميات فشلاً في التعبير عن هذه الموجة، لأنه يشير إلى عجز عن مقاربة المفهوم الجمالي أو البعد الروحي والموسيقي لهذا النوع من الشعر.
الستينيون بحكم موقعهم المؤثر صحافياً، بدأوا حملة غير مسبوقة للتنظير لشعرهم، غير ان تلك الاجتهادات كانت على درجة من عدم الوضوح حتى أنها لم تفلح سوى بتوصيف مشاعرهم ودوافعهم ومواقفهم إزاء العالم والثورة والإنسان الجديد حسب تعبيرهم، في حين أعلن بعضهم الانتساب إلى السوريالية، وراهن البعض على الوجودية المشوبة بتوفيقية ماركسية، وهنا حدث الارتباك أو التداخل بين الموقف الفكري والجمالي، فالسوريالية تحولت إلى عقيدة تتبع آثارها الشعراء بعد مغادرتهم العراق، مثل عبدالقادر الجنابي الذي كان أكثر شعراء هذا الجيل رغبة في تحويل الإعجاب بالسوريالية إلى ولاء ونهج، وكانت غربته الطويلة قد ساعدته على تطوير ثقافته الشعرية التي أبقت على ارتباطها العاطفي بالمكان الأول الذي تجسد بنشاطات أعادت الحياة إلى الجيل الستيني العراقي، ولعل ديناميكيته وثقافته الشعرية ومواهبه التنظيمية قد حفزت الكثير من شعراء تلك الفترة على كتابة مذكراتهم ومحاولة صياغة تصورات عنها وعن أنفسهم.
كان للبيان السوريالي الأول الذي ترجم ونشر في العدد الثاني لمجلة "شعر 69" الصادرة ببغداد الأثر الفاعل في تكوين الرؤى الجديدة للشعر العراقي على قدر ما تحتمله الأجواء الثقافية آنذاك، وفي عودة إلى تشخيصات اندريه بريتون التي وردت في الترجمة العربية للبيان الذي كتب العام 1924م، نستطيع ان نكتشف الكثير من ترديداته عن الحلم والصحو وتجاوز المنطق والامساك بالقوى الخفية للمخيلة في كتابة الشاعر العراقي وفي محاولته تمثلها في قصيدته، فقد وجد الشعراء العراقيون في السوريالية منفذاً للتعبير عن حرية يتوقون إليها في الشعر مثلما يتطلعون إليها في الحياة، غير ان تطبيقات هذا "النهج" بقيت تخضع إلى تجريب ربما لم يتجسد نجاحه إلاّ في فترة لاحقة عبر كتابات فاضل العزاوي التي نضجت في السنوات الأخيرة لتصبح السوريالية واحدة من أفضل أدواتها للتعامل مع القصيدة.
البيان الشعري الذي كتبه العزاوي في صباه أباح كل أنواع التجريب في تقنية القصيدة، غير ان ذلك البيان والتنظيرات التي صاحبته، كانت تستبق التجارب التي أريد لها ان تصبح بدائل لشعر لم تكتمل دورته وذائقته عند جمهوره. فالسياب والبياتي وبلند الحيدري توطدت ريادتهم وتوضحت معالم شعرهم وجرى العمل عليها نقدياً في السبعينات، بل في نهايتها، وكانت قصيدة سعدي يوسف تستكمل مشروع هؤلاء وتعزز ذائقته عند الجمهور. في هذا الوقت أي نهاية السبعينات ختم المشهد الشعري لما بعد حركة الرواد على افتراقات بنيوية في الاتجاهات والصيغ التي كتب فيها شعراء الستينات شعرهم. على هذا لا يمكننا اليوم الحديث عن تجربة شعرية متجانسة لهذا الجيل، ولا عن فترة زمنية تحصر تجاربهم بين محدداتها، فهناك تداخل في التواريخ الشعرية وفي قصة الأجيال ذاتها، وبقيت حصة شعر الرواد بمقوماته الجمالية محفوظة في تجارب الكثير من الشعراء الستينيين الذين حاولوا التنويع عليها، في وقت كان "التجديديون" الأكثر رديكالية قد مضى أكثرهم إلى تجريبية بقيت مغلقة على القارئ، كما لم يشبع البعض مشروعه الشعري، واكتفى بديوان أو قصائد متفرقة في الصحف والمجلات.
في تسعينيات القرن المنصرم نشط الستينيون في تسجيل مذكراتهم، واختلفوا كل من زاويته السياسية في وضع تعريفات لهذه الفترة، وكانت أمامهم تجارب نضجت لهذا الجيل واتخذت مسارات متفرقة، ولكن الحديث عنها بقي يدور في الأفق السياسي المطبق على العراق بالكوارث، ولعل معاودة قراءة ذلك الشعر يساعد على قراءة الثقافة العراقية التي بقي أحد أسرارها الخفية يستعصي على الفهم، وهو كيف بمقدور الحجة الجمالية التحول إلى ادلوجة ينافح فيها الشاعر عن مواقعه.


الحافة : .. 2006