|
شعر الستينات أنموذجا للتمرد
13/06/2007
اعتاد منظرو الأدب على تقسيمه إلى عصور. وتجاوز بعضهم العصر إلى مراحل، عَمّروا كل مرحلة بسنوات عشر، فقالوا بالعصر الحديث أي اعتمدوا العقد وحدة في حسابات العصر. فقالوا في العشرينات ويقصدون (1920 ـ1929م) وقاسوا في ذلك الأربعينات والخمسينات. أقدم هذا القول لأصل إلى حديث شاع في أدبنا العربي في العراق عُرف بأدب الستينات أو شعر الستينات. وكأن هذه (الستينات) اختلفت سنونها عطاءً عن باقي سنوات القرن العشرين الفائت حتّى أوقفوا قطار التجديد أو الحداثة عند هذه المحطة الستينية لا يغادرونها وقد نسوا أن أية محطة في مسار التطور الأدبي لا تشكّل فيه السنوات إلا امتداداً يربط ما قبل بما بعد على وفق قانون الزمان العام الذي يشد الحاضر إلى طرفين، ماضٍ ومستقبل. وهذا يعني أن جيل الستينات لا يختلف عن جيل الخمسينات لكونه صلة حاضرة، ولا عن جيل السبعينات لكونه صلة مستقبلية. وإن كانت الخمسينات ماضياً وكانت السبعينات قادماً. ولا يخرج عن هذه القاعدة إلا التجديد المخالف لتطور النوع الأدبي كما حدث في أواخر الأربعينات عندما تمرد هذا الجيل على القصيدة العربية وجاء بما عُرف وقتها بـ"الشعر الحرّ". وما دام حديثنا عن الأدب وشعريته، فإن هذا الاستثناء لا ينطبق على شعر الستينات لأنَّ الذين سبقوهم رفعوا ورقة التجديد عندما تمردوا على القصيدة العربية، أقصد الروّاد: بدرشاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وغيرهم كجيل من الشعراء على ما اشترطه المرزوقي (ت/ 421هـ) في عمود الشعر عند العرب وهو يشرح ديوان الحماسة لأبي تمام محدداً إياه بسبع خصال(1). أقول خرج هؤلاء تاركين بحور الخليل إلى تفعيلاته وقد حصروا همّهم في البحور الخفيفة مزاوجة بينها كي تستوعب متغيرات التعبير بفعل عوامل خارجية وأخرى داخلية. وجددوا دون أن يُسَمّوا المجدد مدى ليست بالقصيرة. فقالوا بالشعر الحرّ خروجاً على الشعر الموزون المقفى وقالوا بالشعر المنطلق ضد الشعر العمودي المقيّد، وقالوا بالشعر الجديد تميزاً عن الشعر القديم وغيرها من تلك المسميات التي لم يستقروا على أحدها حتّى أواخر القرن العشرين حين ساد مصطلح (شعر التفعيلة) وفيها حاول الشعراء أن يقولوا: إنّ ما جاء به مجددو الشعر في أواخر الأربعينات لا يخرج عن قوانين الخليل العروضية، وهذا ما دفع بالشاعر علي الطائي إلى القول في بيانه الشعري عن القصيدة الأدائية(2): (قصيدة التفعيلة اكتفت بتحديث الشكل، وأبقت على فنون القصيدة العمودية، وقصيدة الشعر الحرّ لم يكتبها السيّاب ولا غيره!)، وهو يقصد بمصطلح قصيدة الشعر الحرّ غير ما شاع اسماً لتجديد جيل الروّاد، ذلك أن هذا المصطلح يطلق في اللغة الإنكليزية ويُراد به (التعبير تجاوزاً للدلالة على الشعر غير المقفى المتحرر من قيود العروض وقواعده التقليدية المتعارف عليها. وكثيراً ما يتبدّل الجرس وبخاصة جرس الكلام العام، بالوزن التوقيعي. وقد أطلق اصطلاح الشعر الحرّ على شعر (وولت ويتمان/ 1819 ـ 1892) وشعر بعض الأدباء الآخرين من أمثال ازراباوند وايمي لوول، وجون جاولد فليتشر، وت.س.إليوت)(3). إن التطوّر الذي حصل في القصيدة العربية على يد الروّاد كان في بداياته هشاً ـ وهذا أمر طبيعي ـ قياساً إلى قصيدة لها تأريخ ـ العربية القديمة ـ قيّدت الشاعر إلى خطابية عند الإلقاء، وأذن لمتلقٍ وجد في الوزن والقافية مستقراً وعافية، يدلل على المسموع تلقياً بهز الرأس وسط أصوات طلب إعادة المنشود، إن طاب لـه السماع، وكان الله بعون الروّاد وهم يحاولون تغيير مسار التلقي من السماع إلى القراءة بإيجاد متسع بديل لما يتلقى. ولم يحدث ما حدث إلا بفعل وعي المجددين وإن اختلف وعي هؤلاء أو سبقهم الزمني بالرغم من كونهم من جيل واحد عاش معاناة التخلف الحضاري والتباين الاجتماعي والثقافي. فإذا دخلنا معركة الستينات (1960 ـ 1969) فإن العراق قد مرّ خلال هذه السنوات بصراع سياسي مرير هدّت قواه السياسية بعد ثورة 14 تموز 1958م. وهزّته نكسة حزيران 1967 من بعد ذلك. وكان الثمن الذي دُفِع غالياً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وأثر ذلك في أدبائه، شعراء وقصاصين. كان من انعكاسات الإحباط السياسي أن ظهر جيل ضائع أو في طريقه إلى الضياع يجد السلامة في الابتعاد عن الصراع. وهذا ما فتح الباب لسدّ الفراغ الفكري بتطرّف ثوري أو وجودي أو عبثي يَنْشَدّ إليها ممَّن تعاطى الثقافة عامة والأدب خاصة، لأنَّ تلك التيارات كانت تمثل حداثة العصر، والبديل المتوفر في الساحة الذي يمتلك لغةٍ مدّت جسوراً من خلال ما تنشره مطابع لبنان ويصل إلى القارئ العراقي مترجماً أو بلغته الأصلية لمن تمكّن منها وسط خيمة التخلّف والحاجة الاقتصادية والعوز المادي الذي تحكّم بأبناء هذا الجيل، فكانت المقاهي خير نوادٍ ثقافية لا تكلّف إلا القليل، وهي تقدم لهم قراءة مجانية في الصحف المحلية مع علمنا أن الذي يكتب فيها لا يشبع من جوع ثقافي ولكنهم يردّدون قول (ناتالي ساروت): (إن المقهى تبعث بشيء من الطمأنينة... إنني أحس فيه وكأنني على سفر، إذن هناك البشر الذين يحيطون بي، وفي الوقت نفسه أنا وحيدة، إذ ليس هناك من يهتم بي)(4). ذلك كله يراه القارئ العراقي ويراقبه، فإن قارن الأمر بما تقدمه مطابع بيروت أو القاهرة يجد نفسه بعيداً عن الساحة الثقافية لا يمتلك حضوراً فيها. وهذا ما خلق إحباطات في ذاتية المثقفين مرّة أخرى. وربما يعترض أحدهم قائلاً: وهل يختلف جيل المجددين من الروّاد عن جيل الستينات في الظرف السياسي المحبط والاجتماعي المتخلف والثقافي البائس؟ يكون الجواب نعم بالروح المعنوية المصرّة على التغيير، هذه الروح لم تكن عند أدباء الستينات. وشاهدي إلى ذلك أنًّ الرّواد قدموا جديدهم أواخر الأربعينات وساد في الخمسينات ولم يحدث هذا مع الجيل الثاني حيث راوح تجديدهم إلى تجريب شكلي أو هيكلي هندسي للجملة الشعرية، بل تجاوزا هذه الجملة إلى الخطوط والأرقام. وهذا ما دعا دارسي هذا الشعر إلى القول إنَّ هؤلاء الشعراء امتلكوا كمية من الرفض ضد شعرية الرّواد وتمرداً على تجديدهم لا يوازي قدراتهم اللغوية والإبداعية لخلق البديل المطلوب شكلاً ومضموناً وإن كان ذلك لا يعني حكماً على الجميع بخلاف الشعراء الّرواد الذين قدموا أنفسهم على استحياء وتردد وهم يمتلكون قدرة على التجديد في وسط لا ينظر إلى المجدد نظرة تنأى به عن الاستخفاف علماً ومراناً على قول الشعر أو إبداعه. ولم تكن هذه متوفرة عند شعراء الستينات إلا في أواخر ذلك العقد حيث بدأت اشرقات جديدة أسهم وعي التجديد بها والتي مهدت لظهور حيل آخر هو جيل السبعينات إنْ جاز لنا الالتزام بالتقسيم العشري لدراسة الأدب في العصر الحديث! والسؤال الذي يعترضنا هو ماذا قدّم جيل الستينات إلى أدبنا؟ وقد يردفه بعضهم بسؤال آخر عن ظاهرتين برزت في شعرية هذا الجيل هما: الغموض في القصيدة والمساهمة في نشر قصيدة النثر؟
1 ـ
مات الشاعر بدر شاكر السياب في 24/ 12/ 1964 مبكراً من بين الرّواد الثلاثة الذين تصدروا لتجديد القصيدة العربية الحديثة. وكان ديوانه "منزل الأقنان" آخر ما صدر لـه في حياته، فإن قرأته تجد أنه ينعى نفسه كثيراً وتحتل لفظة الموت ومشتقاتها أو المرادفة لها مكانة في الديوان تلفت نظر القارئ، وهو هنا لا يريد أن يثير عطف القارئ قدر ما يريد الحديث عن إنسان يواجهه الموت ولا قدرة لـه على ردّ تداعياته في جسده المنهك ولذا تراه يقول(5). "في نفس شاعر يموت عمره، /ويقبر/ يمشي على عكازة ويعثر/ أيامه إلى رداه سفرُ / وعيشه انسلال / عبر جدار الموت لا يزال / شاء الرّدى حاول أن يُريده / لكن وحشاً ضارياً يزمجرُ / يطير نحو الموت منه شرر" هذا التداعي والاقتراب من الموت سجله في العام نفسه الذي مات فيه فترك مكانه فارغاً إلا من رومانسية قصائد نازك الملائكة وصوفية قصائد عبد الوهاب المطعمة بثورية ألفاظ كثر تداولها حتّى دفع بما يمكن أن نسميه جيل الستينات إلى القول إن الشعراء الرّواد لم يكونوا على وعي كافٍ بما قاموا به من تجديد في شكل القصيدة العربية(6). أو مضمونها. وهم بذلك يمهدون السبيل بتجاوزهم شعرا الرّواد وفاتهم أن السياب وهو يعيش الموت مصوراً أهله لو عادوا إلى الدنيا مرة أخرى مخاطباً النهر الذي لا يعرف الوقوف لأنَّه إن وقف مات، فهو الدنيا. فإن عاد الموتى إليها فكيف يكون حالهم وقد تغيّر كل شيء بعدهم؟ فهم غرباء حتّى عند أقرب الناس إليهم. وهو بذلك يريد أن يقول إن في الموت راحة لأنَّ البعد عنه غربة أخرى، فكم يكون ما تقمصه وصَوّره السياب عظيماً وهو يقول؟! "يا نهر / ما أخيب الموتى إذا رجعوا إلى الدنيا القديمة / وتلصصوا يتطلعون كما تطلع من كوى دار شريد / ما أخيب الموتى تكاد تحيل موتهم الهزيمة / شيئا أمرَّ من الحياة / ما أخيب الموتى! تغير كل شيء كل باقٍ / ممَّا أطل على الحياة لأنهم كانوا كواه / أم مات ما عرفوا إذا ماتوا، فليس سوى رؤاه / فتكبدوا ألم الفراق / أم التغرب مرتين"(7) ولا أظن شاعراً من جيل الستينات عاش الموت كما عاشه السياب وهو يصارعه وإن صرعه الموت لكن السياب انتصر عليه شاعراً ولم يكن ذلك إلا بفعل وعي السياب بصناعته وقدرته على تصوير ما يريده بالرغم ممَّا قيل من أن "الشعراء الرّواد، لا سيما البياتي والسياب واقعين تحت وطأة الأحداث وضغط ولاءاتهم السياسية وما أشاعه بعض الأحزاب من مفهومات ضيقة حول الأدب ورسالته.. فتحول الشعر من مجال معرفي مستقل بذاته وبتقنياته إلى وسيلة لخدمة مجال معرفي آخر هو السياسة"(8) فإن هذا قد لا ينطبق على شعر السياب قدر ما يكون في شعر البياتي الذي أثّر في فهمه. (لأنَّ الشاعر العراقي ليس بعيداً عن السياسة، وإنما هو فيها دائماً وجزء منها فقد انتقلت لغة السياسة و الشعارات السياسية إلى قصيدته وبدأ ينظم تلك العبارات التي هي شبه لافتات تؤكد انتماءه وموقفه السياسي. وربما كان البياتي أكثرهم جميعاً تعبيراً عن مثل هذه الشعارات) كما يرى د. محسن اطيمش (9) أمَّا ما سجل على شعر السياب فإنه وإن نجح (حين دمج الرموز والأساطير في نسيج قصائده أعطاها معنى شاملاً، ولكنه أخفق في نماذج غيرها إخفاقاً تاماً حين جعل منها مجرد كلمات ملصقة على جسد القصيدة. ولكن لغة السياب بقيت بين هذا النجاح وهذا الإخفاق، لغة معجمية. وبقيت العلاقة بين الدال والمدلول فيها علاقة تقليدية فالدال لا ينتج مدلولاً جديداً، بل ينتج مدلولاً مطابقاً أو مألوفاً أو متوقعاً) (10) وهذا الإخفاق في نظر الشعراء الستينين يتخطى قانون الريادة أو التجديد، أقصد أن تغيير شكلية القصيدة والتعبير عنها لا بدّ أن يقع في أخطاء التجريب لا سيما في بداياته من حيث التضمين الأسطوري والرمزية في التصوير ليس من السهل إحلال البديل، ولا يمكن أن نتصور خلقه في حقبة زمنية قصيرة. وتبقى الشاعرة نازك الملائكة التي قدمت قصائد ريادية إلا أن شعراء جيل الستينات قالوا عنها (إن لغة نازك لم تستطع التخلص من إيقاعها المهجري ولم تتخط القاموس الرومانسي إلا في حدود ضيقة جداً وبذلك لم يتحقق واحداً من أهم أهدافها التي دعت إليها، وأعني دعوتها إلى منح اللغة آفاقاً جديدة وتجديد القاموس الشعري"(11) وترد الشاعرة نازك الملائكة على من يدعو إلى أن يكون الشاعر حراً في لغته لعذر أن يمنحها آفاقاً جديدة فتقول (12): (نحن نرفض بقوة وصرامة أن يبيح شاعر لنفسه أن يلعب بقواعد النحو واللغة لمجرد أن قافية تضايقه أو تفعيلة تضغط عليه. ,أنه لسخف عظيم أن يمنح الشاعر نفسه أية حرية لغوية لا يملكها الناثر.) ثمَّ تتساءل باستغراب قائلة: "فمن قال إن الشاعر الموهوب يستطيع أن يبدع أي شيء في غير الإطار اللغوي لعصره؟" الموهوب يستطيع أن يبدع أي شيء في غير الإطار اللغوي لعصره؟" والسؤال الذي يرتفع الصوت به هو هل أن ظهور شعرية جيل جديد بعد جيل الرّواد أمر يحتمه العصر؟ وإذا كانت تلك الحتمية لا مناص منها فهل تمكن شعراء الجيل الجديد المسمى بالستين أن يكونوا بديلاً صالحاً لجيل الرّواد أو ما أسموه بجيل الخمسين وهم يرفعون لافتة عريضة كتبوا عليها "إن الشعر الخمسيني كان قد انهمك طول عقد كامل أو أكثر في شؤون الحياة السياسية ويومياتها، وسخّر الرموز والأساطير والأقنعة للتعبير عن آرائه فيه، فابتعد الشار عن نفسه وتجاهل أحلامه واندمج في الحياة العامة، وصارت أحلامها شاغلة الأساس، ووصل به إلى حد الكتابة عن المناسبات السياسية والأحداث العابرة حتّى ليبدو ذلك اليوم وكأنه ردّ فعل على الميوعة الرومانسية(13)؟!
2 ـ
يرى أهل الستينات أن جيلهم هو الذي وضع الشعر العراقي المعاصر في درب الحداثة وهذا يعني أن لا حداثة قبل ظهور هذا بالجيل فيقول الشاعر سامي مهدي مقدماً لكتابه "أردت به رسم صورة لحركة شعرية ذات أهمية جوهرية في تأريخ الشعر العراقي الحديث، أعني حركة الستينات، حركة الجيل الذي أحدث تحولاً ملموساً في الشعر العراقي ووضعه في إطار الحداثة الحقيقية"(14) وقبل أن نناقش القول لا بدّ أن نحدد المقصود بالحداثة ومتى كانت الحداثة العربية؟ لم يختلف المعاصرون على قضية أدبية قدر اختلاف آرائهم على تحديد معنى الحداثة، وبالتالي البداية التأريخية لميلادها بالرغم من كثرة المقول فيها أو الحديث عنها وما جرّته الأقلام مُغرّبة ومشرّقة في التعريف والتوصيف. وهذا ما أوقع المتلقي بالبلبلة دون أن توصله إلى شاطئ الحداثة وسط أقوال المتحدثين الذين تفاوت عندهم مديات البداية التأريخية لها. فترى واحداً منهم قد وجد في أوائل القرن العشرين يوماً سعيداً لذلك الميلاد، وآخر أمدها بخمسين سنة معتبراً منتصف القرن نفسه إعلاناً بميلادها. وثالث قال: إن حداثتكم التي كثر الجدل عنها لا تلتقي مع حداثة الغربين التي يعود تأريخها إلى سلب السلطة من الآلهة إلى البشر، وما تأثركم في هذه الحداثة الغريبة إلا جري وراء معرفية قد لا تنفع أو تسند ما تريدون الوصول إليه! وبالتالي كيف نفهم الحداثة من خلال المطروح من آراء (حداثوية) قال بها الباحثون المعاصرون في كتاباتهم النظرية؟ هل الحداثة إهمال توصيف لمرحلة تأريخية في الفكر الغربي نسيها أو تناساها أهل الحداثة في وطننا العربي؟ أو هي حال متميزة من الإبداع لا تناسب الحرية التي تمنح للأديب شاعراً كان أم كاتباً على امتداد الأرض العربية التي ألحّ عليها د. كمال أبو ديب وقرن الحداثة بها بقوله (15): "إنَّ الشعارات السياسية السطحية التي تعلن الحرية والديمقراطية مثلاً قيمتين أساسيتين في منهج عمل سياسي لسلطة ما أو لحركة ما لابدَّ أن تظل بالضرورة فارغة من مداليلها الحقيقية، لا لأنَّ السلطة أو الحركة سيئة النية أو لأنَّ الظروف لم تحن بعد أو.. أو.. بل لسبب جوهري آخر: هو أن العلاقات الأساسية في بنية الوجود العربي لم تبدل بعد، ولأن السلطة أو الحركة لم تعِ بعد هذه الحقيقة، ولم تطرح منهجاً ناضجاً قادراً على تحويل علاقات النفي السلبي بين أطراف الثنائيات (الأنا / الآخر) ( الداخل / الخارج ) ( التحت / الفوق ) ( الواحد / المتعدد ) إلى علاقات نفي إيجابي، أي إلى علاقات إغناء وإخصاب وتكامل وتناغم؟ أو هي حداثة الرؤيا والصياغة الغنية والقيمة المضادة من خلال رؤية فلسفية مؤطرة بثوب عربّي كما يراها المغاربة؟ أو هي بحث لـه جذور في تأريخنا الأدبي في الصراع بين القدماء و المحدثين، دليلنا إلى ذلك الإمام عبد القاهر الجرجاني وكتابه (دلائل الأعجاز) الذي كثر الحديث عنه منذ أن آثار الناقد الإنكليزي ( آ. آ. ريتشاردز ) قضية (معنى المعنى) ثمَّ مجيء البنيويين من بعده ليكون كتابه دليل عمل على صحة مزاعمهم ومرجعاً أصولياً لحداثة يرون أنها هي الحق ولا حقّ في غيرها؟ وبالتالي فإن السؤال عن تأريخ الحداثة في أدبنا المعاصر يظل قائماً وسط هذا الموج المتلاطم من الآراء!! إن بداية الحداثة في شعرنا العربي المعاصر يمكن أن نرجعها إلى منتصف القرن التاسع عشر حيث مهدت لها حملة نابليون على مصر وبعثات المصريين على أوربا أيام محمد علي وما دعا لـه محمود سامي البارودي من العودة إلى تقليد الشعراء العرب في العصرين الأموي والعباسي، فضلاً عن تجديدات جماعة الديوان وأبو للو من بعدهم وإن سبق هاتين الجماعتين شعراء المهجر الذين تأثروا بالشعر الأمريكي اللاتيني عامة والإنكليزي خاصة في الولايات المتحدة. وعلى ضوء تلك البدايات لا يمكن الافتراض أو الادعاء بأن جيل الستينات هو الذي وضع الشعر العراقي المعاصر في إطار الحداثة. وقد يقبل هذا الزعم من جيل الرّواد الذين جددوا في القصيدة العربية الحديثة شكلاً ومضموناً ويشهد لهم الآخرون وتسند شهادتهم الأعمال الشعرية التي قدّمها الرّواد. أمَّا نتاج شعراء الستينات فإنه يمثل طموح جيل أكبر من الأمكانية التي يمتلكها!!
3 ـ
قد يفهم من تسمية "جيل الستينات" أنه الجيل المحصور سنواته (1960 ـ 1969 ) وهذا الفهم يرفضه دعاة هذا الجيل لأنهم يرون بهذا التصنيف تقسيماً ميكانيكيا (آلياً) للأجيال على أساس العقود الزمنية. وعذرهم في رفض هذا التقسيم هو أن (ليس شرطا أن يظهر في كل عقد من الزمان جيل جديد، لأنَّ ظهور أي جيل رهين بحركة المجتمع وظروفه الموضوعية، وبإمكانية أن تتمخض هذه الظروف عن ولادة جديدة) (16) ويُعلل بالقول: "انطلقت التسمية من أساس آخر هو أن شعراء هذا الجيل بدأوا يقدمون منجزهم الشعري ويطرحون مفهوماتهم ويدعون إلى تعميق التحول الذي بدأه جيل الرّواد، خلال الستينات.) وهذا يعني أن هؤلاء الستينيين يعتبرون أنفسهم طليعيين يحملون رسالة أدبية تكمّل الناقص الذي لم يستطع جيل الرّواد من إنجازه!! ويبرز هؤلاء الدعاة من هذا الجيل ذلك بالقول: "بلى كان جيلاً جديداً، ذاتياً وموضوعياً.. فهذا الجيل قد ظهر فعلاً، وتميّز عمن سبقه وتلاه، ذلك أنه يختلف في تكوينه الثقافي والنفسي عن جيل الرّواد الذي تكون في ظروف الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أحداث في العراق والوطن العربي والعالم" (17) وإذا وقفنا عند مجموعة من هؤلاء الستينيين فإن هناك ضغطاً لافكاك منه يعيشون تحت وطأته ويؤثر فيهم، يتضح ذلك من القول: (أبرز ما فيها الميل إلى التغريب وكتابة الشعر المتحرر من الأوزان، ولهذا في رأينا أسباب اغترابهم نفسها زيادة على جهلهم بأوزان الشعر العربي، وتواضع مستوياتهم التعليمية، وغربتهم عن التراث العربي)(18) وهذا يعني أن هناك مرضاً تعاني منه هذه المجموعة ألا وهو الإحساس بالغربة التي تدفع بمن يعيشها إلى الضياع الناتج عن ظروف الإحباط الذي تولد بعد تردي الأوضاع السياسة وفشل ثورة 14 تموز من تحقيق حلم التغيير الذي جاءت مبشرة به. وفي هذا يقول د. حسن حنفي (19): (إن الاغتراب يوجد عند جميع المثقفين الذين ينتسبون إلى الطبقات الكادحة والفقيرة وهي التي تكون الغالبية العظمى للمجتمعات النامية ذلك أنهم لا يشعرون بانتمائهم إلى النظام الاجتماعي الذي تسيطر عليه أحياناً الشكلية وبعض الأنظمة التي لم يختاروها بأنفسهم، وهم مناضلون معها أو ضدها من أجل إعطاء الغالبية التي يمثلونها دوراً في هذا النظام ولكنهم يحاولون التعبير عن هذا الاغتراب عن طريق الكتابات الأدبية أو عن طريق الهجرة) وقد مارس أبناء هذا الجيل الكتابة الأدبية في المرحلة الأولى ثمَّ وصلوا إلى قناعة أن معاناتهم واغترابهم لا تحل أزمته إلا بالهجرة، فكانت الرحلة إلى الغرب أملاً في إيجاد فرصة أخرى للحياة وتحقيق الذات في المرحلة الثانية ويلاحظ أن (هؤلاء الذين اختفوا، وأولئك الذي بقوا لا يصل الجيل الذي سبقهم إلى حيويتهم واندفاعهم وعنادهم. ولا بمثل حبهم للمغامرة) كما قيل (20). لقد تباهى أهل هذا الجيل بالثقافة التي يمتلكونها والوعي الذي يميزهم عمن سبقهم وبشهادة أحد الشعراء الستينين ينتفي هذا الزعم إلا في القلة فيقول (22): ( إن أدباء الجيل الجديد لم يكونوا على الدرجة نفسها من الحيوية والموهبة والثقافة والوعي والإنتاج والقدرة على الحركة والحوار والمناظرة. بل إن بعضهم كان يفتقر إلى الإحساس بانتمائه إلى هذا الجيل) ولا عجب فهؤلاء كانت المقاهي هي المكان الذي يلتقون فيه ويشكل منهلاً لتلك الثقافة المتواضعة، (فقد كانت المسرح الذي ارتسم المشهد الستيني على خشبته. فبين جدرانها تجمع الأدباء وتبادلوا الحوارات، وناقشوا الأفكار والمفهومات، وفكروا بالمشاريع.. بل إنّ المقاهي كانت البديل الوحيد لحياة ثقافية لم تلجها المؤسسات، وغابت عنها الاتحادات الأدبية والجمعيات الثقافية ) (23) فكانت المرجعية للأدب الذي أسموه جديداً دون أن يعوا المعادلة التي عاشها أبناء هذا الجيل وهي وعي أكبر من موهبة اعتمدت القراءة الخارجية دون أن ينتبهوا على قدراتهم البائسة لخلق الإبداع. وهذا ما دفع إلى القول إنّ (مشكلة بعض أبناء الجيل الجديد الذي غلب وعيهم على موهبتهم. وقراءتهم الخارجية على شحنتهم الداخلية، فاتخذوا من "التجريب" غاية لهم وصار همهم أن يكتبوا قصيدة جديدة لا أن تكتب القصيدة الجديدة نفسها، وأن يصطنعوا بوعيهم "لا وعياً" يتحذلقون به على أنفسهم قبل أن يتحذلقوا على غيرهم) (24) فقد كتب أحد الستينيين يقول: "هانحن في العلم نمارس أفعالنا اليابسة الخالية من كل رومانتيكية، لأننا لا نملك شيئاً آخر سوى أن نعيش ونواجه الرعب. وفي مثل هذا العالم يصعب علينا أن ننظر إلى الوجود من خلال إغفاءاتنا، من خلال انهماكاتنا، وسقطاتنا. لقد نمت طويلاً وها أنا استيقظ) (25)
4 ـ
إن زمن أي جيل هو الذي يتحكم في وعيه من خلال مكوناته الثقافية والظروف الاجتماعية والحضارية التي تتعاون على خلق الجيل ذاته، ولذا قلت في بداية الدراسة إن زمن هذا الجيل الستيني يكون محصوراً بين (1960) و (1969) ولكن بعض أبناء هذا الجيل الذي مثّل بكتابته عنه مرجعاً يرى أن زمنه محصور في (1964ـ 1970 ) فيقول (26): (وقد قصرت البحث على الحقبة الممتدة من بداية عام 1964 حتّى نهاية عام 1970 ، فهذه في اعتقادي، هي حقبة تكوّن الجيل وإعلانه عن نفسه وانطلاق نحو مستقبله الشعري ولم أتجاوزها إلا عند الضرورة) لكن هناك مَنْ يرى أن هذه السنوات العشر غير كافية لتكوين جيل أو إبداع شعر ولذا قال (إن الشعر لا يُحدّ بالأجيال وأن عمره لا يقاس بالسنوات والعقود، بل بمدى صموده في الزمان) فكان ردّ أهل الستينات هو أن (القول بمسألة الأجيال شيء، وعمر الإبداع الشعري شيء آخر، وليس ثمَّة تعارض بينهما، فمما لا شك فيه أن الإبداع الشعري لا زماني في جوهره والأجيال لا يلغي بعضها بعضاً، بل يكمله ويمهد السابق منها لظهور اللاحق.) (27) فهل احترم الستينيون هذه النظرية التي ترى أن اللاحق يُكمّل أو يتم ما بدأه السابق؟ لقد كتب أحد الستينيين يقول (28): (بدأت اضجر من قصائد السياب ونازك دون أن أنكر دورهما التأريخي، وجميع الشعراء الذين تفوقوا في إطر الشكل الخطابي والوصفي دون أن يتجاوزوا خطوط عبوديتهم القديمة ووعيهم المتذبذب للعالم ولدور الكلمة والموضوع ولروح الشعر) فهو هنا يتهمهم بوعيهم وكأن هؤلاء الرّواد المجددين لاوعي كاف عندهم يؤيده من أبناء جيله آخر فيقول (29): (لم يكن متوقعاً منهم، من الشعراء المجددين أن يكونوا على وعي نظري تجديدي عالٍ، وأن يجيئوا بقيم شعرية جديدة كل الجدة وكان جل ما جاءوا به يومئذ، إن لم يكن كله مستمداً من القيم التي بشرت بها جماعة الديوان، ثمَّ جماعة أبو لو، وما ردده بعض الشعراء والكتاب العراقيين كالزهاوي ورفائيل بطي من دعوات مشابهة) فالرجل ينكر عليهم بعبارة صريحة أي وعي يشكل زاداً لهم أو مبرراً للتجديد. ويدلو ثالث بدلوه ناكراً ما جاء به الرّواد من تجديد. فيقول (30): (إن السياب ومجموعة الرّواد الأولين لم يضعوا الحد المنتهي للقصيدة الجديدة، بل كان السياب أقرب الأشكال العروضية الحديثة إلى الشكل القديم، إنه وضع مع رفاقه ما اقتدروا عليه، والجزء من الباقي نضعه نحن، ويضعه من يأتي بعدنا). فكان لهذه الآراء ردّة فعل من داخل الجيل نفسه حتّى قال واحد منهم: عن أبناء جيله (إنه يهشم بسرعة ولكنه لا يبني مكان ما يهشم)(31) وعذره في ذلك أنه حرّ ولا حرية على وفق فهم هذا الجيل، حرية مطلقة (وأن القواعد و المعايير تبدأ من الشاعر ولا تفرض عليه من خارجه، ولذلك أباحوا لأنفسهم حقّ خرقها والتمرد عليها، ومن ذلك التمرد على الإيقاعات التقليدية)(32) التي مهدت لظهور قصيدة النثر، ولا عجب فإن كثيراً من شعراء هذا الجيل (كان يجهل علم العروض.. فإذا به لا يتقن النظم السليم، بل لا يستطيعه، فكان هذا أدعى إلى ضيقه بقواعده ورغبته في التمرد عليه). أمَّا الدوافع وراء تمردهم فإن جنوحهم الفكري يعتبر واحداً منها ذلك أن (هؤلاء تأثروا بأفكار تختلف، وأحياناً تتناقض مع أساسيات تكوينهم الفكري التي احتفظوا بها، يعود ذلك إلى انقطاعهم عن تنظيماتهم الحزبية أولاً، وإلى ما أصابهم من خيبات سياسية ثانياً. فكان أن تسللت إليهم، بدرجات متفاوتة الأفكار الوجودية والعدمية والتروتسكية والفوضوية)(32) ناهيك عن أسماء ظهرت في هذه السنوات مثل غيفارا، ريجس دوبرية، هربرت ماركوزا جعلت من هؤلاء نماذج نضالية حاول بعضهم تقليد سلوكها والادعاء بأفكارها، فكان ذلك كله مراهقة ثورية بررت تمردها. فكان (هؤلاء الشبان ينظرون إلى الشعر وإلى الأشياء وإلى المفهومات بحساسية جديدة. كانت لهم روح جديدة تدفعهم إلى البحث عن أشكال أخرى للكتابة. كانوا ميالين للغرابة، نزاعين للغموض. كانوا ضد ما هو واضح، أو بسيط، أو مألوف. وكانت الكتابة بلغة جديدة هماً من همومهم وكانت لهجتهم في الكتابة تنضح مرارة وغضباً ورفضاً وتمرداً) (33) ولكن تمردهم ذاك بقي حلماً وهذا ما قاله أحد القصاصين من هذه الجيل نفسه: "كان الحلم الستيني يطمح ـ أصلاً ـ في الخروج على السائد المألوف من نثر وشعر. أي البحث عن صيغ جديدة تنسجم وطروحات الواقع العيني في تلك المرحلة التي احتدم فيها الصراع سياسياً واجتماعياً وقومياً، وكان لا بد من الخروج من عنق الزجاجة كما يقال إذ الفوضى تعم كل شيء وقد شملت مناحي الحياة اليومية، وبدأت نزعات عدمية وفوضوية ووجودية في أوج بروزها المادي والمعنوي، بحيث يصعب الأمساك بالجوهري للتجربة الستينية)(34) وهذا يعني أن ما يدعيه الستينيون من إبداع لا يخرج عن محاولات تجريبية قام بها شباب أرادوا أن يدخلوا عالم الشعر و القصة والنقد دون أن تكون لهم إمكانيات تؤهلهم لمثل هذا الولوج إلا طموح حالم يقوم على تأثر في الآخرين سواء في وطننا العربي أو أوربا وأمريكا. وإن حاول الدكتور عز الدين إسماعيل أن يخفف من هذا الأثر الأجنبي في شعرنا فيرى أنَّ الإحساس بالغربة والضياع والتمزق نتجت عن فنون أخرى كما يسميها فيقول: (ولكن عبثاً نحاول رد هذه المعطيات إلى تأثر شاعرنا في الشاعر الغربي، وإنما هي في الحقيقة أثر لفنين أدبيين آخرين هما الفن الروائي والفن المسرحي، بخاصة الروايات والمسرحيات الوجودية التي ترجمت إلى العربية، ولدراسة (كولن ويلسون) عن "اللامنتمي" التي ترجمت إلى العربية)(35) لكنه يعود ليعترف بها فيقول: (ومع تسليمنا بتأثر شاعرنا المعاصر بهذه المحاور الوافدة فإنه لا يمكننا أن نحل الأشكال ببساطة حين نرفض هذه المحاور الجديدة في شعرنا المعاصر على أنها ليست أصيلة وليست نابعة من ظروف حياتنا الخاصة)
5 ـ
عزل جيل الستينات أنفسهم بعيداً عن جيل الرّواد ومَيّزوا كتاباتهم الأدبية بذاتية واضحة وبرروا ذلك بالقول إن (النتاجات الستينية تتجه إلى الذات لتغوص في عوالمها الداخلية، وتتكشف مجاهيلها، بعد أن طالت سياحة الشعر الخمسيني في العالم الخارجي. ولم يكن هذا الاتجاه عودة إلى الرومانسية وأحزانها وشكاواها، بل كان محاولة لاكتشاف الحقيقة الإنسانية وأسرار قلقها الوجودي) (36) ويعلل هؤلاء تميزهم عن جيل الرّواد (الخمسيني) بعذر أنهم ألزموا أنفسهم بقضايا أمتهم فقيل (إن الشعر الخمسيني كان قد انهمك طوال عقد كامل أو أكثر في شؤون الحياة السياسية ويومياتها، وسخّر الرموز والأساطير والأقنعة للتعبير عن آرائه فيها، فابتعد الشاعر عن نفسه وتجاهل أحلامه، واندمج في الحياة العامة، وصارت أحلامها شاغله الأساس، ووصل به ذلك حد الكتابة عن المناسبات السياسية والأحداث العابرة حتّى ليبدو ذلك اليوم وكأنه ردّ فعل على الميوعة الرومانسية. ولعل عبد الوهاب البياتي النموذج الأمثل لكل ذلك)(37) ويقف د. عز الدين إسماعيل إلى جانب الشعراء المعاصرين معللاً اندفاعاتهم نحو الذات بقوله (38): (وقد حاول شعراؤنا المعاصرون أن يكونوا مخلصين لذواتهم وعند ذاك اهتز أمامهم النظام الخارجي واهتزت القيم والمعايير التقليدية، ومن ثمَّ تولدت مشاعر الغربة والضياع. وربما جاهد بعضهم في سبيل أن يخلق المعادلة بين الذات والوجود، ولكن جهداً كهذا لابدَّ أن يصيب الذات بالتمزق، فلن تتحقق هذه المعادلة إلا على حساب الذات والوجودي معاً). هذا الإخلاص للذات دفع بهؤلاء إلى لغة غامضة تحتمل تفسيرات قد لا تجد في المعاجم معناها فيقول أحدهم: (يقف الشعر الحقيقي مواجهاً الكون والموت واللحظة التي لن تجيء أبداً، ويطرح أسئلته لا من أجل الصعود الذليل، لا من أجل سد الشعور بالضحالة، وإنما من أجل هذا الفارس الكوني الذي يصلب في أسعد لحظاته، ذلك لأنَّه يواجه الزمن بدون ميثاق هدنة" (39) وهذه اللغة وصفت بأنها لغة غوص في العالم الداخلي (فلغة الكتابة عن هذا العالم الداخلي لغة غوص في الأعماق وسفر في قارات غامضة ومجهولة، ولغة كهذه لابدَّ لها أن تتفلت من القواعد البلاغية الثابتة والأنساق المألوفة، فهي لغة انبثاق وإشراق، هي لغة الشعر كما يجب أن تكون، وهي اللغة التي أصبح على الشاعر الستيني أن يكتب بها)(40) فإذا كانت لغة هذا الجيل بهذه المواصفات أولها الخروج عن دائرة البلاغة من حيث فهم البيان وما يترتب عليه من تشبيه ومجاز، ومن حيث المعاني وما يترتب على هذا العلم من خبر أو إنشاء، ومن حيث علم البديع وما يتعلق به من تورية أو طباق، فإن الأنساق المألوفة لن يكون لها وجود بعد أن تدمر الجملة في اللغة وهي الوحدة التي يقوم النص عليها. ولذا كان همّ الستينيين وهم في طريقهم إلى التحول الشعري والدعوة إلى الكتابة بلغة جديدة أن يهدموا ما سار عليه جيل الرّواد الذين (انهمكوا في الكتابة عن العالم الخارجي، والكتابة عن هذا العالم تقود إلى لغة وصفية سياقية ضرورة، لغة تقل فيها الخروقات النحوية والدلالية، وتجنح استعارتها إلى المألوف والمعقول والقريب من الإدراك) فأصبحنا نقرأ ما كتبه أحدهم عن (الفكر المنفتح) دون أن نفهم الانفتاح أو الانغلاق! (يجب أن نتلامس مع بشرة الفكرة الحارة والنافرة الأعصاب مباشرة. إننا كي نحسن إنسانيتنا بعمق ألا نبقى في دائرة عقلنا البارد) ثمَّ يعلل الدافع لذلك فيقول( إن جذور الفكر تستدعي، لكي يلتحم بها الوجود الفردي، حركة في الروح: حركة تربط الدافع الإنساني في تعاطفه مع الحياة، والتي هي بداية الجواب عن هذا السؤال العميق: أين ينبغي أن نتجه بتفكيرنا؟) (41) أو يكتب آخر فيقول:(قد يضاف إلى تجمد الشكل لدى نازك تجمد المضمون كذلك. وهذا ممَّا لوّن المسألة تلويناً واضحاً. فقد كانت قصائدها النسائية الباكية برومانسية معاندة وإنتاجها القليل قد ساعدا دون تطوير شعرها، ثمَّ جاء فكرها فأفسد الجو بينها وبين زملائها وقرائها)(42) هذه اللغة المجدد شكلها والفاقدة الدلالة لألفاظها تبين لنا أن هؤلاء الستينيين لا صلة لهم بتراثها. ولذا تراهم متطرفين في مواقفهم منها على خلاف المعتدلين الذي يجدون أن اللغة كائن حي ينمو بنمو أهلها فكانت القلة من هؤلاء من أظهر احتراماً لها حتّى صار (الاعتدال يعني احترام التراث، قديمه وحديثه، واتخاذه قاعدة للانطلاق. وكان التطرف يعني الاستخفاف بالتراث وتسفيهه والانغماس في تقليد الشعر الدادائي والسوريالي والانبهار بالموجات الطارئة والركض وراءها)(43) حتّى بشّروا بمقالة أو أكثر بالشعر الكونكريتي) أو الصلد (وهو نمط تجريبي يمزج بين الشعر والرسم، والترجمة الصحيحة لـه هو الشعر المحسوس)(44) بعد أن كتبوا قصيدة القناع والقصائد الميكانيكية. فكان ذلك مدعاة إلى مؤاخذتهم (لغرابة لغتهم وغموض شعرهم، وخفوت إيقاعاتهم وضعف اهتمامهم بالتقفية ووهن صلتهم بالتراث)(45) فردّ الستينيون أنهم يعتمدون التجريب وأن شعراء جيلهم (انطلقوا من خير ما أنجزه الشعر العراقي على مستوى الكتابة بلغة جديدة ودخلوا مملكة هذه اللغة من الباب الذي فتحه السياب في خير نماذجه) والسؤال عن أية لغة يتحدثون وهم يتجاوزون اللغة بتمزيق دلالاتها وبلاغه استعارتها وجمالية صورها حتّى قيل إنَّ (أغلب شعراء الستينات بثورتهم الدائمة على كل ما يسمى مباشرة أو وضوحاً في الأداء والتعبير الشعري، ونفورهم الحاد من أية قصيدة مباشرة تبوح بمعانيها دون أن تتعب القارئ، قادهم إلى هذا الإغراق في التعميات، وخلق الضباب الدائم حول المعاني، الضباب الذي يمنع الرؤية في كثير من الأحيان)(46) فإن سألتهم عذراً لصنيعهم قالوا (جاء الشعر الستيني ليعلن لنا بصراحة أن الشعر ينبغي لـه أن يفارق وإلى الأبد براءة الطفولة والسهولة والوضوح، وكافة أشكال الحس الغنائي والوجداني، وأن يكون قادراً مرة واحدة على أن يحمل كل هموم المرحلة والعصر)(47) وكان من نتائج هذا الإلحاح على التجريب تمزيق القصيدة المعاصرة معنى فضلاً عن الشكل. فإذا طُلب منا مثالاً فإن أحد هؤلاء الشعراء الستينيين يقول (48) في مقطع منها: "كجواد مسرج منذ الصباح يضرب بحوافره جبهتي/ وعرفه متوتر كالمشط في نسيم يسري يأتي من مكان /بعيد:/ مسقط رأسي الذي وثبت منه كالحمل إلى قبضة/ العالم حيث الآلهة كالمهربين تتهامس من خلف ستار/ الحانة". وقد قيل عنها إنها (تبدو أشتاتاً من صور مستعارة من أفلام سينمائية شاهدها الشاعر في طفولته وصباه.. وقد يبدو مصطنعاً للغرابة والطرافة والمفارقة ولكن الأمر على غير ما يبدو عليه تماماً) وهذا الاستدراك أُريد منه تخفيف لهجة النقد فقال "فلو استضأنا بشيء يسير من سيرته لوجدنا أن استعارته ليست استعارات اعتباطية، بل هي شبكة متصلة متكاملة تقيمها علاقات وظيفية محكمة، تفضي بنا في النهاية إلى نسيج دلالي متماسك ومضمخ برسالة إنسانية ذات شفافية عالية) هكذا!! وفات الناقد أن التجريبية التي تحكمت في شعر الستينات جعلت كل الشعر خاضعاً للتجريب (ولم يقتصر هذا التجريب على خرق قواعد الوزن والقافية بل امتد إلى سطح القصيدة الخارجي. فقد جرب بعض الشعراء التمرد على استواء هذا السطح وانسيابيته وصاروا يكسرون هذا الاستواء ويعبثون بهذه الانسيابية برسم القصيدة.. أو يخترقون سطحها بأشكال هندسية تتضمن مقاطع شعرية أو نثرية)(49) فإن ضاقت السبل بمن يكتب الشعر قال واحد منهم: "إن الطريق إلى القصيدة الحديثة.. هو نفسه الطريق إلى لاوعينا الكثيف الخافي!"(50) وبلغ بهم الإدعاء قول أحدهم: "الأديب لم يكن في يوم ما مخلوقاً مفهوماً يدركه الآخرون وإلا لكان الأديب نبضاً سفلياً لا يتعالى إلى السماوات جديدة مجهولة الكيان تعيش عالماً من اللامعقولية والبعد والتغلغل اللامتناهي في الأقاحي العلوية!!"(51)
6 ـ
ما إن وجد أبناء هذا الجيل مكاناً ينشرون فيه شعرهم التجريبي حتّى وزعوا بطاقات العزاء على موت جيل الرّواد في الشعر وألحقوا القصة معه، فقد كتب أحدهم "لقد انتهى الجيل القديم سواء في الشعر أو القصة. وعلينا الآن أن نحاول من جديد إعادة بناء أُسسنا الفكرية وتطلعاتنا الأدبية، عبر فهم فلسفي أصيل ومعاناة حضارية تستطيع تفجير الطاقة الموجودة في دمائنا)(52)وهذه الجرأة هي التي دفعت بأكثرية النقاد إلى التحفظ على تقويم أعمالهم لأنها ـ كما ذكرنا ـ تمثل مشروع طموح لا يمتلكون قدرات لغوية أو فنية لترجمته إلى الواقع إلا الصراخ بصوت عالٍ. لكن ذلك لا يعني أن ليس هناك تطلع لجيل جديد أكثر تواضعاً وقدرة فقد (كان ثمَّة جيل جديد من الشعراء والقصاصين والكتاب قد بدأ يظهر، ويعلن اعتراضاته على أدب الأجيال السابقة ويبشر بمفهومات جديدة للشعر والقصة.. حاولت مجلة "الكلمة" أن تسد)(53) فراغاً وإن كانت فقيرة في زادها الفكري. أمَّا القصة الجديدة التي كتبها أو دعا إلى كتابتها الستينيون فإنها كانت صورة متأثرة بأدب الغرب القصصي بطلها (محدد هو ذاك البطل الذي يحمل الكثير من ملامح أبطال سارتر وكامو وكافكا ودوستويفسكي وغيرهم وإن حاول أحد الستينيين رسم مواصفاته في قصص هذا الجيل فحدد ملامحه العامة وسماه بالبطل القميء أو الهروبي فقال (45): (بالهروب يضع البطل المعاصر يده على مفتاح هو في الوقت نفسه قفل يغلق عليه العالم.. إن كل وجه في كل حفرة هو نسيان عارم حاقد للحياة العادية التي تجري في ساحات المدن ومكاتب الصناعة والعمل وأسرَّة الجُماع، وثمة أبطال يهربون ولكل منهم سمات هروبية مختصة بمظاهر عميقة من القلق حاداً أو خفيفاً) ويقوم كاتب قصصي نتاج جيله فيقول: (النتاج القصصي الذي يطالعنا على صفحات الجرائد والمجلات العربية لقصاصين عراقيين لا نغالي إذا قلنا إنّ هذه القصص لا تخرج عن أن تكون محاولات تقليدية فجة، على أن هناك محاولات أولى تحمل بذوراً واعدة لقصص أغنى وأعمق، ولا شك أن هناك أيضاً بعض القصص الجيدة وهي قليلة مع الأسف..) (55) ويرجع سبباً لهذا التدني فيقول: (مشكلة قصاصينا أنهم لم يفهموا بعد عبقرية اللغة وطواعيتها ولم يدركوا إدراكاً واعياً قدرتها على الأداء والتعبير، لذلك كانت أغلب قصصهم تتميز بكونها رتيبة، سردية، فقيرة إلى مفهومات الفن الأصيل).
7 ـ
يقف الشاعر الستيني سامي مهدي مدافعاً عن منجزات جيله الشعري مؤكداً أن الستينيين (يسوغ اعتبارهم جيلاً شعرياً جديداً). وبالطبع هذا افتراض لأنَّ ما قدمه هؤلاء لا يختلف عمن سبقهم ولا الذين جاءوا بعدهم إلا في الإدعاء والأعلام. وقد برّر ما دعا إليه أنهم كانوا وراء التحول الذي تحقق على المستويين (المفهومي والشعري) وحصر معالم هذا التحول بثمانية هي: (56) الأول: النظرة الستينية إلى العالم (كانت نظرة حيرة وقلق وشك، وضرب في المجهول. وكان الشاعر يشعر بأنه يقف بمفرده إزاء العالم، وليس لديه سلاح وزاد سوى قصيدته، ويبحث عن الحقيقة فيجد لها وجوها عديدة ومسالك عديدة وكان هذا ممَّا يزيده حيرة وقلقاً). وهو يقارن هذه النظرية بالضد لجيل الخمسينات والعلة في هذا أن جيل الستينات جيل ضائع ومن سمات ضياعه تلك الحيرة والقلق والشك لأنَّه كما قال (يقف بمفرده إزاء العالم) لأنَّ الذات هي ما يشغله وما القصيدة التي يكتبها إلا صورة لواقعه لا غير. الثاني: (العودة بالشعر إلى العالم الداخلي، بعد أن ساح طويلاً في العالم الخارجي. ويعني ذلك في ما يعنيه العودة بالشعر إلى حقله المعرفي الخاص، بعد أن سخر طويلاً حقل معرفي آخر هو السياسة) لما كانت الذات هي المنطلق فلا ننتظر منها أن تدافع أو تشارك الآخر هماً ولذا سمّت لعلها تحتمي ممَّا يُسمى بـ "الثيمات السياسية". فإن كتبت القصيدة فإن التأويل والتفسير لا يتفق عليه اثنان، يقول شاعر ستيني: (57) "باحثاً في المخابئ عن المساء/ ترفع الرماح جسدي/ للطيور/ ومستقبل آسيا/ امرأة سيناريو، أرملة متقلصة/ تعكران هواء العالم."... الخ الثالث: (الكتابة بلغة جديدة، أي الكتابة بلغة استعارية، غير اللغة السياقية التي درج على الكتابة بها الشعراء الخمسينيون، فهي لغة ذات موقف جديد من القوانين النحوية والزلالية. فلم يعد الشاعر يقول على التشبيهات، بل على الاستعارات والكنايات.. ويطلق العنان للغته تمارس حريتها وبذلك لم تعد العلاقة بين دال استعاراته ومدلولها علاقة مطابقة بل علاقة منافرة في الغالب.) إن اللغة ـ أية اللغة ـ لها قوانينها أو قواعد فإن عجز الكاتب عن فهم قواعد لغته فلا يعني ذلك أنه جدد في لغته أن كتب بلغة جديدة. والكاتب الستيني يظهر عجزاً في فهم هذه اللغة وبالتالي أن يطبق قواعدها النحوية ناهيك عن إظهار بلاغة هذه اللغة وكان عذره في ذلك هو هجره للتشبيهات واعتماده على الاستعارات التي تبرر بالانزياحات عن تحليل القصيدة إن كتب شعراً أو سطّر نقداً. ومثال ما كتبه أحد الستينين إذ يقول (58): (أمَّا البناء الشعري فإنه انقذاف لكل الأشكال غير المفبركة الساقطة في رعب اللاوعي. وهو بالتالي إسقاط غير منتظم للحسب الذي يفلت من الهندسة. ومن أجل هذا فإن الشعر لا يمكن أن يكون اتباعياً عند من يريد أن يلتهب في صوت جديد ورؤيا غارقة في دموية التجربة المغلقة الغامضة رغم انكشافها). ويكفي أن تنظر إلى السطر الأول من المكتوب (انقذاف لكل الأشكال غير المفبركة الساقطة في رعب اللاوعي) وتطبق قواعد اللغة أو دلالة المعنى فضلاً عن عربية لفظة (المفبركة)! الرابع: (لم يخضع الشاعر الستيني لقواعد النظم، بل تمرد عليها، فراح يخرق قواعد (علم العروض) ويتمرد عليها. وقد بدأ بذلك بداية جزئية، ثمَّ اتسعت هذه الخروقات حتّى بلغت مستوى التحرر من الأوزان والقوافي تحرراً كليا!!) إن الجهل بعروض الشعر كان وراء ذلك التمرد لأنَّ هؤلاء الفتية فقد بعضهم الإحساس بموسيقية المفردة عندما توظف. وقد نبهت الشاعر نازك الملائكة على هذا فقالت (59): (يرجع إلى كون الشعراء الذي يكتبون ذلك الشعر ضعيفي الأسماع حيث يرتكبون أخطاءً عروضية مشوهة وهم لا يشعرون) وعدم الشعور هو فقد الإحساس أو رهافة الحس الموسيقى لأنَّ التصنيف الذي أوجده الفراهيدي للبحور ساعد من خلال ما قدمته (تفعيلاتها موسيقى رخوة منسابة يسرت حفظ الشعر المكتوب بها ومكنت عدداً كبيراً من الناس من قبولها والتغني بها)(60) وهؤلاء يَسدّون عجزهم بعذر أن موسيقى القصيدة ولّى مع الخطابية وهم لا يحتاجون إليها. وهم بذلك قد قدموا (انجازين بارزين هما: القصيدة المدورة وقصيدة النثر. فأصبح الشاعر الستيني لـه الحرية أن يختار بين أن يكتب شعراً موزوناً أو يكتب شعراً غير موزون). ولنا وقفة عند المنجزين اللذين كانا ناتجين لفقد موسيقية القصيدة. وأول هذين المنجزين هو القصيدة المدورة وقد بدأ التدوير (بإطالة الشطر الشعري وتمديده وعدم التوقف فيه إلا حيث يكون الوقف نهاية طبيعية تكتمل عندها الدلالة و يستقر الإيقاع)(61) ولم يكن التدوير منجزاً عراقياً لأهل الستينات بل كان عربياً فقد قيل (إن أول من فتح باب التدوير في القصيدة العربية الحديثة هو الشاعر خليل الخوري)(62) فإن سار عليه الستينيون فلا يعني ذلك أنه منجزٌ لهم وباعترافهم أن التدوير (كان اقتراباً من النثر ومشاكسة حذرة للقواعد الثابتة)(63) وكان من نتائجه أن (استمرأ الزحافات والعلل وقفز فوق التوقعات، حتّى اتخذ منها أحياناً قاعدة يبني عليها.)!! ولذا نبهت الشاعرة نازك الملائكة بقولها(64): (إذا كان الشاعر ضعيف السيطرة على قصيدته بالمعنى العروضيّ، لاح وكأن ما يقوله نثر خال من الموسيقى والإيقاع) أمَّا قضية المنجز الثاني فهو ناتج من نتائج جهل الشاعر الستيني الذي كتب هذه القصيدة بعروض الشعر (الوزن) وعجزه اللغوي عن المجيء بالقافية ولذا قامت (هذه القصيدة على مبدأ فتي أساس هو أن الشعر لا يخضع لمقاييس مفروضة بشكل قَبْلي أو نهائي. وذلك لأنَّه كائن متحرك مفاجئ، يقتله الخضوع لأي مقياس يفد عليه خارجه، لا سيما إذا اثبت هذا المقياس واتخذ شكلاً قانونياً صارماً) (65) وبالتالي فهي ليست منجزاً ستينياً فقد (قامت في لبنان وناصرها بعض الأدباء وتبنتها مجلة شعر التي راحت تدعو إليها)(66) حتّى قيل عنها (ستظل شكلاً تعبيريا نثرياً، لا شعرياً، لأنها تفتقر إلى واحد من أهم عناصر الشعر: الموسيقى.. الإيقاع المنتظم)(67) الخامس: ـ (سعى الشاعر الستيني إلى أن يخلق أسطورته الخاصة بدلاً من الإتكاء على مادة أسطورية مستهلكة في بناء قصيدته) وهذا أمر طبيعي لأنَّ الرّواد قد اعتمدوا التراث الإغريقي وفيه مثلت الأسطورة عالما زاخراً استعان به الشاعر الخمسيني ولكنه لم يقف بل تجاوز هذا التراث بشهاده الستينيين، فقد (كان السياب قد سبق الستينيين إلى استعمال بعض الأساطير والرموز التأريخية العربية، كما في قصائده: في المغرب العربي وإرم ذات العماد ومدينة السندباد) (68) ولم يكن تجاوز الشعراء الستينيون للأساطير والرموز التي اعتمدها الرّواد إلا لكون هذه الأساطير والرموز لا تتساوق مع الانكفاء على الذات ولذا قالوا (إن على الشاعر أن يخلق أساطيره الخاصة ويبني رموزه، بدل أن يتكئ على مادة أسطورة مستهلكة) (69) ولم تكن مادتهم الأسطورية من صنعهم بل كانت تأثيرات عربية غير عراقية فيقول واحد من الستينيين (وحين تأثر الستينيون بالموجة الصوفية القادمة إليهم من لبنان ومن مصر ظهرت في قصائدهم رموز تأريخية أخرى كمنصور الحلاج والحسن البصري) (70) وكان لهذا التأثر أن خلقوا ضباباً حول المعاني. وفي هذا يقول د. محسن اطيمش (71) (الضباب الذي يمنع الرؤية في كثير من الأحيان، وكانت وسيلتهم إلى ذلك جعل القصيدة بناءً مجازياً، وإكساب الألفاظ رداءة الاستعارة الدائمة، ممَّا يؤدي بالتالي إلى خلق صور شعرية متلاحقة ومجازية الدلالات) دون أن ينجح الشاعر في توظيف الرمز الأسطوري الذي ذكره وهو ما يوقع القارئ بتفسيرات قد لا يتم الاتفاق عليها ويضرب مثلاً في قول شاعر ستيني: (72) (متى يتريث هذا القطيع من الهم؟!/ تلك النوافذ مفتوحة/ أظلمت من غبار الخيول/ وقد وشمت بغبار الخيول/ الخيول التي ودعتها النوافذ، مفتوحة/ ثمَّ عادت أمام اتهاماتنا) يعلق قائلاً: (ومع أن شعره ليس مغلقاً إلا إن بعض الدلالات الرمزية للمفردة تحتاج من القارئ إلى جهد خاص وتأمل، فأية دلالة رمزية اكتسبتها لفظة "الخيول" أهي رؤيا ليلية، وتصوير من خلال النافذة أم هي ممَّا ينبثق من الذاكرة ليعني شيئاً ما في مخيلة الشاعر، أم رمز خاص لا يضيء بسهولة) فإذا فشل الشاعر الستيني في استعمال الأسطورة والقدرة على توظيفها قالوا: (ولكن الغالب على الشعر الستيني هي الأعراض عن استعمال الأسطورة وبناء قصيدة مكتفية بذاتها وبانفتاحها على خارجها من خلال ما تقدم لغتها الخاصة من حالات واضحة أو مستترة) (73) السادس: (كان الشاعر الستيني شاعراً تجريبياً، وقد أعلن الحرب على كل ما هو خطابي ومباشر في الشعر وسعى إلى تخليص قصيدته ممَّا تبقى من آثار شفاهية واتجه نحو كتابة قصيدة كتابية ممَّا تتيحه التقنيات الخطية والطباعية من إمكانات دلالية في تعاملها مع السطوح الورقية). إن التجريب الذي سار عليه الشعراء الستينيون أو كما فهموه، هو الحرية الكاملة في تجاوز لغة القصيدة العربية والتصرف في البناء الشكلي لها دون الاهتمام بالمتلقي الذي يفترض أن القصيدة موجهة إليه، فسطّروا كلمات لا دلالة لها أو معنى إلا ما يعبر عن ذات الشاعر وبذلك لا يلتقي شاعران في غرض أو معنى واحد، فإن سألت قالوا لك إننا تجاوزنا الخطابية إلى القصيدة الكتابية وشاهدنا إلى هذه القصيدة ما كتبه أحد الشعراء الستينيين يقول في مقطع منها: (من هنا/ لمعت إقامة للريح/ بعد الريح/ بعد/ حسن/ كريم/ محمد/ أنور/ ج ج ج ج ج / في سفينة. الأسماء المباشرة/ تأكل ـ أولاً ـ ثمَّ ترحل) (74) هذا التقطيع هو شطر على سطر وعندما وصل الشاعر إلى ذكر الأسماء رتّبها على شكل سُلْم أعلاه عند حسن وقاعدته عند حروف الجيم الأربعة. ثمَّ عاد بعد ذلك إلى الشطر. وقالوا إنه شعر ستيني قائم على التجريب ولم ينسَ الشاعر في المقطع الأخير أن يذكر شطراً يكتب فيه (للأرقام 17537217132) أو في مقطع قبله يضع نقطة واحدة على أربعة أسطر... الخ لقد كان الدادائيون رحماء بنا من التجريبيين في شعرنا وهم يرددون (إنَّ الترتيب أو اللاترتيب الجديد للكلمات سيؤلف قصيدة من نظم الصدفة) ولذا كتب (ريتشارد ولزنبك) قصيدته الدادائية "نهاية العام 1916) يقول: (75) "هذا ما آلت إليه الأمور في هذا العالم/ البقر يتربع على عواميد التلغراف ويلعب الشطرنج/ الطير تحت تنورات الراقصة الأسبانية.. الخ" وبعد ثلاثة وثلاثين شطراً يختم قصيدته: "وهذا هو عالمنا، وهذا كله سابق لأوانه" وقد وجه نقد ستيني للشعر التجريبي هذا فقيل فيه أنه (يقلد ما توصل إليه من النماذج الدادائية والسوريالية ويقتبس منها) فإن برز ذلك بأنه تشكيل شعري مفتوح فإن النقد الموجه يقول: (أمَّا التشكيل الشعري المفتوح فيفترض أن ينطلق من رؤية شعرية للعالم، وأن يتكون من بنيات استعارية ينفتح بعضها على بعض لتفضي أخيراً إلى مناخ يوحي من بعيد أو من قريب بجوهر الرسالة"(76) السابع: (وصفت القصيدة الستينية بالغموض، وقيل عنها إنها أكثر غموضاً من القصيدة الخمسينية) والعلة في ذلك أنها اتجهت (إلى العالم الداخلي، والكتابة عنه بلغة استعارية تخرق القوانين النحوية والدلالية فلا بدَّ أن تفضي إلى هذا المستوى من الغموض) يرى د.عز الدين إسماعيل (أن الغموض في الشعر خاصية في طبيعة التفكير الشعري وليس خاصية في طبيعة التعبير الشعري. وهذه الظاهرة أشد ارتباطاً بجوهر الشعر وبأصوله التي نبت منها) (77) فإذا كان الشعراء الستينيون قد خرقوا قوانين اللغة النحوية والبلاغية فضلاً عن تأثر هؤلاء بالأفكار الدادائية و السوريالية والوجودية والعدمية. وهذا يعني تغيير مؤسسة شعرية وإحلال أخرى مكانها فيكون الغموض ظاهرة تصاحب شعر الستينين إذا قيس ذلك من خلال عملية التلقي التي تعّود عليها القارئ للشعر العربي القديم الذي (يغلب عليه طابع الوضوح والسهولة، لأنَّه يستخدم لغة محددة الأبعاد، منطقية لا يميزها عن لغة النثر إلا ما فيها من ارتباط بالأوزان العروضية دون أن تفارقها الاستعارة والمجاز ولكن في صورة جامدة يندر فيها الابتكار والأصالة)(78) الثامن: ـ (وقد كان لهذه القصيدة تأثير واضح في الشعراء الخمسينيين، وفي مقدمتهم البياتي وسعدي يوسف. إذ حاول الخمسينيون الاستفادة ممَّا توصلت إله التجارب الستينية، فنجحوا في جوانب وأخفقوا في أخرى). إن إدعاء بتأثير شعراء هذا الجيل في شعراء الخمسينيين كونهم عاصروهم هو زعم من الصعب التسليم به لأنَّ الشاعر ـ أي شاعر ـ يخضع إلى تطور مثلما يخضع غيره وهذا يعني أن الزعم يكرره أهل السبعينات ومن بعدهم ما دام البياتي يعيش بينهم مع علمنا أن لغة البياتي وصوره وظّفت كغرض سياسي فإن ظهر اتجاه صوفي فإن هذا الاتجاه لم يأت به أهل الستينات ولذا قال د. شكري عياد (79) بإشكالية فهم شعر البياتي وردّ ذلك إلى الاتجاه السوريالي الذي آمن به الستينيون، فما التأثير في ذلك. د.شكري عياد: (والحقَّ أن شعر البياتي يثير أكثر من أي شاعر معاصر آخر مشكلة الفهم في الشعر، ففي البياتي عرق سوريالي يجعل الصّور التي يتدفق بها متنافرة الأجزاء في بعض الأحيان فيصعب الاهتداء إلى ما ترمز إليه. وكأن الشاعر أخرجها من نثار الشعور بلا ضابط) وتلك هي صنعة البياتي في شعره. أمَّا التأثير في الشاعر سعدي يوسف من خلال ما أتاحته (التقنيات الخطية والطباعية والبياضات الورقية ويستخرج ما فيها من إمكانات تغني المستوى الدلالي وتحرر شكل القصيدة الخارجي من جموده ورتابته) (80) فإننا نقول إن هذه التقنيات لم يأتِ بها الستينيون بل تأثروا هم فيها من الغرب فضلا من أن كتابة قصيدة أو أكثر هو من باب التنويع ومسايرة التطور العام لا سيما أن سعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي أمضيا العمر خارج العراق والأثر يكون قريباً من ناحية المكان وما يتمُّ فيه من تطور ثقافي. وما أقف عنده أن جيل الستينات كان جيلاً طموحاً لصنع شيء لكن ما يمتلكه من قدرة إبداعية لا يتناسب وذاك الطموح ولم يجد هذا الجيل أمامه إلا الحديث بصوت صاخب عن منجزاته.
**
هوامش الدراسة ومصادرها 1 ـ يقول المرزوقي (ت/ 421 هـ): (إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف ـ ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال، وشوارد الأدبيات ـ والمقاربة في التشبيه و التمام أجزاء النظم والتئامها على تخيّر من لذيد الوزن ومناسبة المُستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتّى لا منافرة بينهما) ـ الشرح 1 / 9 ثمَّ يقول: (هذه خصال عمود الشعر عند العرب، فمن لزمها بحقها وبنى شعره عليها، فهو عندهم المفلق المعظم، والمحسن المقدم، ومن لم يجمعها كلها، فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان) الشرح 1 / 11 ـ ينظر شرح ديوان الحماسة/ لأبي علي أحمد بن محمد الحسين المرزوقي/ نشره أحمد أمين وعبد السلام هارون. لجنة التأليف والترجمة ط1 القاهرة/ 1951 م 1ـ مجلة الآداب ـ بيروت/ العدد المزدوج 7 ـ 8 لسنة 1995 م ص 45 3 ـ الموسوعة العربية الميسرة/ دار النهضة لبنان / 1980 ـ مج 2 / 1086 4 ـ جريدة الثورة/ الصفحة التاسعة (الثقافية) في 11 / 21 / 2002 5 ـ منزل الأقنان/ ضمن ديون بدر شاكر السياب. دار العودة بيروت 1 / 294 6 ـ يُنظر علي سبيل المثال كتاب سامي مهدي "وعي التجديد والريادة الشعرية في العراق" الموسوعة الصغيرة / رقم 387 دار الشؤون الثقافية ببغداد 1993 / ص 16 وما بعدها 7 ـ المعبد الغريق / ضمن ديوان السياب 1 / 171 8 ـ الموجه الصاخبة (شعر الستينات في العراق) / سامي مهدي. دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد ـ 1994 / ص 222 ـ 223 9 ـ دير الملاك / دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشعر العراقي المعاصر/ منشورات وزارة الثقافة والأعلام / بغداد 1982 / ص 182 10 ـ الموجة الصاخبة / 247 11 ـ وعي التجديد والريادة الشعرية في العراق / 62 12ـ قضايا الشعر المعاصر/ نازك الملائكة/ منشورات مكتبة النهضة/ بغداد ط3 / لسنة 1967 م / ص 296 13 ـ الموجة الصاخبة / 222 14 ـ المصدر نفسه / 5 15 ـ جدلية الخفاء والتجلي/ دراسات بنيوية في الشعر/ د.كمال أبو ديب/ دار العلم للملايين ـ بيروت 1974 / ص 15 16 ـ الموجة الصاخبة / 32 17 ـ المصدر نفسه / 25 18 ـ نفسه / 83 19 ـ مجلة عالم الفكر/ وزارة الإعلام ـ الكويت / مج 10 ع 1 لسنة 1979 / ص 137 20 ـ الموجة الصاخبة / 28 21 ـ المصدر نفسه/ 26 22ـ نفسه/ 27 23 ـ نفسه/ 37 24 ـ نفسه/ 132 25 ـ النص لفاضل العزاوي/ ينظر كتاب الموجة الصاخبة/ 149 26 ـ ينظر ما كتبه الشاعر سامي مهدي في كتابه الموجة الصاخبة/ 7 27 ـ الموجة الصاخبة/ 29 28 ـ الكاتب هو فاضل العزاوي/ يُنظر كتاب الموجة الصاخبة/ 228 29 ـ وعي التجديد والريادة الشعرية/ 21 30 ـ الرأي لعبد الرحمن طهمازي/ يُنظر كتاب الموجة الصاخبة/229 31 ـ المصدر نفسه/ 230 32 ـ نفسه/ 19 33 ـ نفسه/ 23 34 ـ القاص هو أحمد خلف. تنظر مقالته في "التجريب القصصي الجديد"/ مجلة الموقف الثقافي/ العدد 21 لسنة 1999 بغداد دار الشؤون الثقافية العامة/ ص 107 35 ـ الشعر العربي المعاصر/ قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية. د. عز الدين إسماعيل/ دار الكاتب العربي ـ القاهرة / 1967م / ص 356 36 ـ الموجة الصاخبة/ 221 37 ـ المصدر نفسه/ 222 38 ـ الشعر العربي المعاصر/ 357 39 ـ الكتابة لفاضل العزاوي، كتبت في 5/ 8/ 1966 يُنظر الموجة الصاخبة/ 147 40 ـ الموجة الصاخبة / 235 41 ـ الكاتب هو سركون بولص وكتب النص في 30 / 8 / 1965 يُنظر الموجة الصاخبة / 129 42 ـ الكاتب هو عبد الرحمن طهمازي كتبه في كانون ثانٍ 1965 يُنظر الموجة الصاخبة / 127 43 ـ الموجة الصاخبة / 52 44 ـ المصدر نفسه / 95 45 ـ نفسه / 43 46 ـ دير الملاك/ دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشعر العراقي المعاصر/ ص/ 164 47 ـ الصوت الآخر (الجوهر الحواري للخطاب الأدبي)/ فاضل ثامر/ دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد ـ 1992م / 296 48 ـ القصيدة لسركون بولص/ يُنظر الموجة الصاخبة/ 292 49 ـ الموجة الصاخبة/ 319 50 ـ الكاتب هو سركون بولص، كتب النص في 15 / 8 / 1964 يُنظر الموجة الصاخبة / 226 51 ـ الموجة الصاخبة / 227 52 ـ الكاتب فاضل العزاوي كتب النص في 18/ 9 / 1965 يُنظر الموجة الصاخبة / 144 53 ـ الموجة الصاخبة/ 180 54 ـ الكاتب سركون بولص كتب المقال في 16 / 9 / 1964 يُنظر الموجه الصاخبة / 111 55 ـ الكاتب موسى كريدي كتب المقال في 17 / 7 / 1965 يُنظر الموجة الصاخبة/ 110 56 ـ الموجة الصاخبة 355 ـ 358 57 ـ الشاعر فاضل العزاوي، قصيدته "أين أنت يا أسيا" يُنظر الموجة الصاخبة / 272 58 ـ الكاتب فاضل العزاوي، كتب النص في 27 / 6 / 1966 يُنظر الموجة الصاخبة / 146 59 ـ قضايا الشعر المعاصر / 146 60 ـ نقد الشعر في المنظور النفسي / د. ريكان إبراهيم. دار الشؤون الثقافية العامة بغداد / 1989 م / ص 770 61 ـ الموجة الصاخبة / 309 62 ـ المصدر نفسه / 311 63 ـ نفسه / 314 64 ـ قضايا الشعر المعاصر / 157 65 ـ أفق الحداثة وحداثة النمط/ سامي مهدي. دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد 1988 م / ص 93 66 ـ قضايا الشعر المعاصر / 132 67 ـ أفق الحداثة / 128 68 ـ الموجة الصاخبة / 334 69 ـ المصدر نفسه / 335 70 ـ نفسه / 334 71 ـ دير الملاك / 164 72 ـ الشاعر فوزي كريم / يُنظر دير الملاك / 163 73 ـ الموجة الصاخبة/ 357 74 ـ الشاعر فاضل العزاوي، نشر النص في19 / 11 / 1966 يُنظر الموجة الصاخبة/ 281 75 ـ تنظر مجلة الشعر 69/ المؤسسة العامة للصحافة والطباعة بغداد 1969 م العدد 3 تموز / ص 49 ـ 50 76 ـ الناقد هو سامي مهدي يُنظر الموجة الصاخبة / 265 77 ـ الشعر العربي المعاصر / 190 78 ـ المصدر نفسه / 194 79 ـ ينظر أساليب الشعرية المعاصرة / للدكتور صلاح فضل. دار الآداب بيروت ـ 1995 م / ص 117 80 ـ الموجة الصاخبة / 321
الفصل السادس من كتاب ( شِعْرِيَةُ الحَداثَةِ ) الصادر عن منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005
|