|
هل انقرض شعراء التفعيلة في مصر؟
12/06/2007
الساحة كلّها لقصيدة النثر
لتكن “الساحة” المقصودة في عنوان هذه المادة هي على الأقل “كتاب في جريدة” الذي يؤشر على ظاهرة اجتياح قصيدة النثر للساحة الشعرية في مصر واحتكارها الكامل لهذه القصيدة التي لم يكن روّادها أصلاً قد شربوا من ماء النيل، فيما قصيدة التفعيلة التي تلألأت على ايدي، أمل دنقل وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي تبدو يتيمة
أو منبوذة في هذه البانوراما الشعرية المصرية التي حملها لنا “كتاب في جريدة” الصادر قبل أيام وقد شمل 27 شاعراً وشاعرة من مصر يمثلون بحسب الكتاب الربع الأخير من القرن العشرين وليس بين هؤلاء جميعاً سوى شاعرين إثنين فقط يكتبان قصيدة التفعيلة، فيما الآخرون كلهم يكتبون قصيدة النثر، وواحد فقط يراح بين التفعيلة والنثر.
بحسب هذه المختارات التي قدم لها باقتضاب د. محمد بدوي يسمح القارئ المتخصص لنفسه اعتبار هذا المشهد الشعري المصري الناهض على قصيدة النثر والمغيب تماماً لقصيدة التفعيلة ظاهرة تستحق التوقف عندها على الأقل ولو بشكل سريع.
في البداية من اللافت بسرعة ان غالبية شعراء قصيدة النثر المصريين الواردة نصوصهم في “كتاب في جريدة” هم في الثلاثين من أعمارهم أي أنهم من الشباب، فالغالبية منهم مواليد السبعينات وأوائل الثمانينات، باستثناء حلمي سالم وصفاء فتحي وفاطمة قنديل وفتحي عبدالله وفريد أبوسعدة ومحمد صالح فهؤلاء في الخمسين من أعمارهم أو اقتربوا او جاوزوا هذا العمر.
إذن، شعراء شباب وقصيدة نثر في مصر.. وغياب كامل لقصيدة التفعيلة، فهل قصيدة النثر نفسها شابة تبعاً لأعمار كاتبيها؟ ثم، هل يعني تغييب قصيدة التفعيلة على هذا النحو اللافت في هذا الكتاب أو في مصر (لا ندري) إن هذه القصيدة دخلت في مصر مرحلة الشيخوخة فلم يمثلها في الكتاب سوى شاعرين فقط؟
تساؤلات مطروحة على الساحة الثقافية المصرية ذات التقاليد العريقة والأصيلة في صناعة الحوار والسجال، إذ اتوقع هنا أن تثير هذه المختارات المنحازة إلى قصيدة النثر في مصر موجة عارمة من الآراء المؤيدة والآراء الرافضة، فشعراء النثر في مصر لم يعودوا أقلية مترددة وخائفة كما كان الأمر قبل سنوات، وكذلك، شعراء التفعيلة يعتبرون أنفسهم من جماعة الرواد أو أنهم امتداد للرواد، فمرجعياتهم قوية وخطابهم قوي أيضا، ولكن كل هذا لا جدوى منه، فهم عملياً الآن وفي هذا الكتاب الواسع الانتشار (كتاب في جريدة) مغيبون أو غائبون، ومن يطالع هذا (الكتاب الجريدة) لن يكوّن أية فكرة كاملة نوعا ما عن “صوت” قصيدة التفعيلة في مصر خلال الربع الأخير من القرن العشرين.
تساءلت قبل قليل: هل الأمر يشكل ظاهرة شعرية في مصر؟ وهل انقرض شعراء التفعيلة في مصر؟ مثل هذين التساؤلين هما مطروحان أيضا على كتّاب قصيدة التفعيلة في الوطن العربي كله، فرفاقهم في أرض الكنانة يبدون كأنهم مقطوعون من شجرة كما يقول المثل العربي.
لا ينطوي هذا الكلام على تعصب لشكل شعري ضد شكل آخر، ولكن كون “الكتاب الجريدة” هو كله من نصيب كتاب قصيدة النثر في مصر التي أنجبت محمد عفيفي مطر وقبله محمود حسن اسماعيل ومن تلاهم أو سبقهم من شعراء الوزن والتفعيلة وبعض أو كل الشروط الخليلية التقليدية للقصيدة.. كون هذا قد حدث وها هو ماثل في هذه المختارات الشعرية التي تعتبر وثيقة تاريخية للنقد بشكل خاص، فإن هذا “الوضع الشعري” يتطلب قراءة جادة هذه المرة، لأنه هنا أمامنا الآن ملف مثقل بالاسئلة الحائرة تنتج عن نصوص وأسماء تتولى الآن في مصر كما هو واضح قيادة الحركة الشعرية.
لننتظر إذن ردود الفعل في مصر وخارجها على المختارات الشعرية المصرية في “كتاب في جريدة”، ولكن طالما نحن الآن أمام حوالي 25 قصيدة نثر، فلنقرأ سريعاً الأجواء العامة التي تتحرك خلالها هذه النصوص، والملاحظة الاولى من القراءة الاولى لهذه النصوص انها متشابهة نوعاً ما من حيث روح الشعر نفسه “كأن الشعراء هنا كلهم أصدقاء” باستثناء بعض الخروجات هنا وهناك، وهو خروج على هذا التشابه بحكم الخبرة والتجربة للشاعر الخارج على التشابه والتكرار مثل الشاعر حلمي سالم والشاعر رفعت سلام اللذين أسسا لصوتيهما المميزين عبر سنوات من الانشغال بالكتابة الساعية إلى الاختلاف والذاهبة إلى ملامسة عصب الشعر بكل مسؤولية إبداعية.
أعود سريعاً إلى أجواء هذه النصوص، فالكثير منها ليس له علاقة بالشعرية الفارقة والمتقدمة التي وصلت اليها قصيدة النثر، فبعض النصوص لا تتعدى كونها إنشائيات منفعلة متحررة من ضوابط الشعر فقط لتقول انها قصيدة نثر، وبعض الشعراء يسرد حكاية مهجّنة مُراوحة بين “الشعر” والنثر، وهذا النوع من النصوص يشير بوضوح إلى ان كتّابها يستسهلون كتابة قصيدة النثر، وآخرون مولعون بتبسيط اللغة والصورة والجملة الشعرية إلى درجة السخرية من الشعر نفسه.
في مقابل ذلك هناك نصوص حارة.. بعضها تشم فيه رائحة الريف ورائحة مصر نفسها.. مصر التي استقبلت تحوّلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العشرين عاماً الماضية وهي صابرة وصامتة، وكان شعراؤها بالطبع في قلب هذا الصبر وهذا الصمت، فقدمت لهم الكتابة نوعاً من التوازن تكشف عنه بوضوح القليل من هذا النصوص.
الصوت الشعري النسائي ظاهر الملامح في هذه النصوص، ويتفوق أحياناً على قصيدة الرجل. تعجبني في هذا الصوت النسائي تلقائيته وصدقه، فيما يغوص بعض الشعراء أو يحاول الغوص على معنى “اللامعنى”.. يظل يهوّم في الفراغ أو انه يكتب في الفراغ.
اين الشعر.. إذن؟ انه يقدم نفسه إليك من دون بهرجة ولا تلوين ولا انفعالات ولا تشنجات أو أي عصاب فكري ووجودي أو حتى عاطفي، كما يحدث في بعض هذه النصوص، فيتخلى بذلك عن منطقة البياض ليقيم في مملكته السوداء.. بكلمة أخيرة.. قدّم (كتاب في جريدة) طائر الشعر في مصر بجناح واحد هو جناح النثر، ولكي نعرف إلى أين تذهب بطولة الشعر في مصر كان يتوجب ان نقرأ نصين ندين ومتقابلين في التاريخ وفي الكتابة وفي الحياة: نص النثر، ونص التفعيلة، لكن هنا البطولة كانت لقصيدة النثر لعدم وجود منافس على ارض واحدة هي للجميع مثل الهواء والماء والتراب.. الأرض التي اسمها الشعر.
|