الحافة . ضياء الجبيلي : صفاء ذياب في مجموعته الشعرية ( ولا أحد غيري )
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
صفاء ذياب في مجموعته الشعرية ( ولا أحد غيري )
11/06/2007
  
  - قصائد تحوك الأسئلة ببراعة
 
يبدأ الشاعر صفاء ذياب قصيدته ( لم يكن هنالك شيء ـ ص9 ) بمقطوعة أشبه ما تكون بالرثاء : رثاء الحلم الذي رأى فيه أشياؤه الجميلة قبل انعتاقه القسري من هذا الحلم . إنه انعتاق يقف بالضد من إراداته بالبقاء في هذه ( اليوتوبيا ) الحلمية . عندئذٍ يشرع بعملية الدحض التي لا توجه إلى الحلم كونه خارج الإطار الواقعي للحياة ، وضمن المساحة التي يوفرها اللاوعي أو الوعي الباطني حين ذاك ، وإنما يوجه دحضه إلى الواقع أو بالأحرى أن هذا الدحض يكمن في استحالة وجود هذه الأشياء التي يحبذها الشاعر على أرض الواقع المهين الذي لا يمكن أن يتجذر فيه كوجود راسخ :
( لم يكن هنالك بيت
لم تكن هنالك بحيرة
لم يأت طائر أبداً . )
لقد أتقن صفاء ذياب قصيدته بطريقة لا يمكن للغبار أن يعشش على مفاتنها الظاهرة عند التأويل ، ثم جعلنا نحار في عملية إلقاء الضوء قبل أن نعثر على المعنى المناسب . ومن يدري ، فلربما كان عثورنا على ما يعنيه وهماً لا يقترب مما أبطنه . فـ ( المكان الخائر ) الذي يشير إليه لا يبدو ظاهرا مع الأشياء التي تراءت له من قبل ، ورغم ذلك لا يمكن إحالته إلى هذا إلى الواقع ، مع أنه كما قال الشاعر ( مكان خائر ) ويستوجب ترحيله إلى الواقع ما دام أن الواقع بات خرباً . إنه مكان ( يتوجس الليل ) أي أنه يخشى قدومه لسبب ما . بمعنى آخر أن الشاعر لا يريد لهذا الليل أن يهبط . ألا تبدو هذه رغبة ؟ ورغبة من : رغبة التائه / الحائر / الخائف . فالليل هنا إما أن يكون جالباً للألم / الحزن / الوحشة / الظلمة / الافتراس / التيه / البرد / الخوف إلخ ... وإما أن يكون ملاذاً للعاشق / المتعب / المسافر / الهارب / إلخ ... أو مصدراً من المصادر التي تتوفر فيها المتعة / السمر / الحكايات / الكرنفال / المتع الجنسية / الثمالة.. أو أنه يكون صومعة للرهبنة والمناجاة . لكنه في هذه القصيدة يجعلنا نسلك الطرق جميعها قبل أن ننفي وصولنا إلى المعنى الحقيقي ، أو نجزم بلا جدوى اقتفاءنا الأثر الخاطئ أو المموه . فعندما لا يدنو الليل من مكان خائر فإن ذلك ربما يعود إلى الليل نفسه ، كونه ليلا يحتوي على السعادات وان ثمة أضواء تعتريه وتجعل منه ليلا للمترفين . لذا لا يمكن أن يخيم بكل ما يحمله من المسرات على عالم خربٍ أو ( مكانٍ خائر ) خصوصا أن هذا العالم أو المكان يبادل الليل نفس الرغبة ، أي أنه لا يحبذ منه المجيء ، لأنه وعلى كثرة ما فيه من الصفاء لا يناسبه من جهة أنه عالم مخرّب أو مكان خائر غير مستعد لاستقبال الأشياء الجميلة التي لا تعدو عن كونها أشياء لا يمكن رؤيتها إلا في الحلم .

وعلاوة على ذلك كله ، ثمة احتمال يرجح أن يكون هذا الليل موحشا أو هكذا يبدو في نظر الشاعر فيما يخص المنحى التأويلي الثاني ، وإلا لماذا ( يتوجس الليل ؟ ما الذي يدعوه لذلك سوى انه ليل يجلب الألم ويضاعف الحزن والوحشة ويجعل من الظلمة كابوسا مرعبا ويوفر الفرصة للافتراس ، إذ ستكون هذه الفرصة مواتية أكثر مما هي عليه في النهار ، وإمام العيان . لكن إذا كان الليل الموحش يجلب كل هذه الأشياء المخيفة / المؤذية فلماذا لا يدنو من خراب العالم أو المكان الخائر الذي أشار إليه الشاعر ، مع أنه أشبه بالرداء الملائم له ، وفي أكثر من ناحية . أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في أن الليل المفسر على أنه جامع المسرات ، يختلف تماما عن الليل المستنتج على أنه ليل موحش ، وحشي . بمعنى أنه ليل آخر يحل عنوة حتى وإن كان الشاعر أو المكان الذي يعيش فيه يأبيان ذلك ، ويؤثران هبوط الليل الأول في حال نفينا صفة الرفض ، وتوجسهما :

( فثمة مكان خائر يتوجس الليل
وثمة ليل لا يدنو من مكان خائر )

إن ( ربما ) التي تفيد إلى أن ثمة أمر محتمل وقوعه تدل على أن الشاعر لم يتأكد من أن ( زهرة نبتت ) فعلاً . و بذلك أضاف إلى المجهول كثافة إضافية جعلت من المعنى أكثر إيغالاً في الهم الإنساني ، إذ سبق وإن بتّ الشاعر في عدم وجود حديقة ( هنالك ) . وربما أن ( ثمة ) التي تعني ( هناك ) تفيد للقريب نسبياً في عالم القصيدة . أما ( هنالك ) فتبدو دائما كإيماءة للبعيد دائما في قصيدة صفاء ذياب بالذات . بذلك يمكننا استحصال النتيجة التي تشير بدورها إلى عدم وجود أيّاً من تلك الأشياء لا في القريب ( ما يحيط الشاعر ـ الفراغ ) ولا حتى في البعيد / القصي الذي يمكن أن يُرى ، لكن يُصعب لمسه أو الإمساك به ( الحلم ـ اليوتوبيا ) بوصفه مكان ربما لا وجود له أو يصعب الوصول إليه .
هذه النتيجة المحتملة الغير مكتملة أو المفترضة تعود بنا إلى بداية القصيدة ، لنرى الشاعر وقد اسلم لفكرة عدم وجود أشياءه الجميلة في أي مكان بما فيها تلك الأمكنة الحلمية .
وبوسع الباحث أن يؤكد عائدية الأشياء المرتبطة أو التي جاءت بعد ( ثمة ـ هناك ـ القريب ) إلى الواقع الرديء : المكان الخائر / الليل ـ في جانبه الموحش طبعاً . كذلك بالنسبة للأشياء أو الموجودات المفترض وجودها الواقعي او الحلمي والمرتبطة أو المنسابة بعد أو قبل ( هنالك ـ البعيد ) فإن جماليتها تكمن في كونها عائدة إلى الحلم أو العالم الافتراضي الرؤيوي الذي ربما يستحيل إيجاده أو حتى تخيله بسهولة : بيت / بحيرة / زهرة / حديقة / سمكة .. ) أيضا هناك ( لم ) المستحيل / المخلدة / النافية لكل ما هو مرغوب في عالم الشاعر أو واقعه المفترض / الحالم أو المحلق بالخيال . إنها المرغوبات التي لا يمكن إيجادها أو الحصول عليها أبداً :

( ولم تدنُ يدٌ من زهرةٍ ربما نبتتْ في حديقة لم تكن
هنالك
ولم تلبط سمكة في بحيرة لم تكن هنالك
ولم تأبه ثمّة .. وثمة ( لم ) لا تموت
لم يكن هنالك بيت
لم يكن هنالك بحيرة
سوى ضوءٍ بلا شمعة )

إنه الضوء الذي في آخر النفق المظلم أو الليل الذي يأبى الحضور ، ولأنه كذلك ، فلا يمكن للشاعر أن يدرك الضوء الذي يلوح فيه عن بعد ، ليخرج به حاملا بصيرته من ظلمة العالم / الواقع المعاش .
إلا أن الشاعر يخبرنا أن ذلك الضوء بلا شمعة ، يعني أنه بلا جسد ، مجرد فراغ لا يمكن الإمساك به . وبذلك تتكشف لنا حيرة الإنسان الذي ما إن يمسك الضوء حتى تحترق يده سيما أن الضوء عائد إلى الشمعة والشمعة بطبيعتها ذائبة بفعل الاحتراق ، والشاعر يأبى أن يكون جسداً للشمعة ، ويمثل ذلك عجز الكائن البشري عن المضي بهذا الضوء إلى آخر النفق الذي اكتشفنا أن الضوء لم يكن في آخره تماما وإنما ثمة مسافة قطعنا بوجودها بدلالة عدم وجود الجسد أو ( الماسكة ) التي من خلالها نستطيع حمل الضوء ،  أنها المسافة التي لا يمكن للمرء أن يتنبأ بها أو يقطعها أبداً .
في قصيدة ( صخرة خضراء ـ ص15 ) يطلعنا صفاء ذياب على صورة شعرية متقنة : ( مكنسة تعبس أمام غبارْ ) ، ترى ما الذي يجعل المكنسة تعبس أمام الغبار ؟ وأي غبار هذا الذي يمكن أن يطلب من مكنسة أن تكنسه ، إذا ما سلّمنا بوجود رغبة حقيقية أو التماس ما  ينتج عنه فعل ( العبوس ) من قبل المكنسة . وبما أن المفردة ( شعرياً ) حمالة أوجه ، فإن ثمة وجه أو أكثر يمكن التقاط ملامحه اللا مرئية إلا عندما تكون القراءة أكثر عمقاً مما هي عليه فيما لو كانت مهتمة بالظاهر فحسب .
إن قصيدة صفاء ذياب بمجملها هي تلك القصيدة التي لا تضع الحلول ، ثم تصفع القارئ باللا جدوى من كل ما قيل ، وإنما تلتف حول ذهنيته بصفاء معقد بعض الشيء إن جاز القول ، وتضع الأسئلة ، تحوكها ببراعة ، ثم لا تكترث للقارئ الذي لا يعي من نسيجها إلا النزر القليل مما قصده الشاعر . وهذا لا يعني طبعاً أن الشاعر لغّز قصيدته أو ملأها بالأحاجي . كلا ، وإنما عمد إلى استبطان المعنى بحرفية عالية ، وبطريقة تنم عن اهتمامه بالمفردة الشعرية ، والجملة المسرودة ، والإيحاء الذي يدفعك لأن تتخيل المشهد برمته ، قبل أن تطرح أسئلتك المتفرعة من قراءتك الأولى : هل هو غبار الحرب ؟ أم أنه غبار بشريّ يشي ببؤس الإنسان إزاء الإهمال السافر من قبل السلطة والعالم المتدني في عدم فهمه للقيمة الإنسانية . وهل يمكن للحرب أن تتقمص دور المكنسة ؟ وإذا كان الأمر كذلك ، فأيّ حرب هذي التي تعبس نتيجة تلقيها التماس غريب من هذا النوع ؟ أهي دلالة لامتلاء الحرب التي لا تشبع أبداً ، وشعورها بالتخمة جرّاء ترددها المريع على بقعة معينة كالعراق مثلاً ؟ ولماذا يلتمس المرء من الحرب بالذات وليس من غيرها أن تلغي وجوده كلياً أو حتى جزئياً كانغماره في العزلة التي تنتج عن العوق أو ما شابه : هل هي تلك الأمنية الكارثية الناتجة عن الضغط المتواصل الذي يرزح تحت وطأته الإنسان المعاصر ، ما يدعوه إلى التلبس بثوب هذه الأمنية التي تقود إلى هذا النوع من الخلاص أو ربما  الهلاك / الموت السيئ  ، لكي يتخلص من آلامه المروعة . كل هذه الأسئلة موجهة إلى الشاعر الذي لن يكون معنيا بالإجابة عنها بقدر ما تكون هذه المهمة من نصيب الباحث . ولنا أن نترجم ما أضافه الشاعر في قصيدته إلى إجابات قد تكون على قدر ضئيل من الصواب أو ربما تكون معدومة منه تماما ، إذ سيكون لسوء التأويل حظه من ذلك . وعموما ، لقد أطلعنا صفاء ذياب على المدى المأساوي الذي وصل إليه الكائن البشري في رحلة جنونه في عالمنا المغلق ، والمفتوح في نفس الآن على كافة الاتجاهات ، لكن بصورة تكاد أن تكون سلبية في أغلبها ، ضبابية أو قاتمة ومدمرة . يتضح ذلك من خلال اللازمة ( الجنونيّ ) التي كلما سنحت الفرصة لقولها ، التمعت حمى الصورة الكارثية لواقعنا المهشم ، إلى أن وصلت هذه الصورة إلى نقطة قد نقف عندها ، لتوجيه السبب في خراب الواقع ، وكل ما حدث ، إلى شيء ما ، لا يفصح عنه الشاعر مباشرة ، وإنما من خلال الملامح والإشارات الدالة ، إلا أنه يشي بالاستمرارية ـ استمرارية الانشطار ـ الذي يعني التكاثر واتساع رقعة الجنون ـ جنون الواقع وجنون الكولونيالي ( ببزته التي تشبه الحديقة م وعقله الذي لا يشبه أي نوع من الصخور ) ، إذن هي إشارة واضحة إلى الجمود العقلي للإنسان المستبد ربما .
ودائما ما تنبئنا ( واو ) الشاعر في بدايات القصائد بدءا من العنوان ( ولا احد غيري ) إلى قصيدة ( ما لم يتم تصحيحه ) مروراً بقصيدة ( من شهوة .. لِمَ لا ) وانتهاء بقصيدة ( باختصار )  أن الشاعر بدأ قصيدته من الوسط أو ربما من نهاية القصيدة بعد أن أحس إن المعنى بأكملِه بات يثقل النهاية التي وصل إليها في الكتابة الأولى ، وبالتالي فإن كل ما دونه في البداية وفي العقدة أو الوسط لم يعد سوى توطئة طويلة لا مناص من إلغاءها ، لكي تظهر القصيدة موحية أكثر وذات دلالات تستطيع الإمساك بها فيما أنت منبهر . قصائد تحمل من المعنى المنتج الذي لا يضيع على القارئ ، لكنه لا يعثر عليه بسهولة :

( ولماذا ...
كلما مضى يكون خائفاً
وكلما سخر من قطرة ، ترمقه بالتصحّر ـ قصيدة ما لم يتم تصحيحه ـ ص14 )

أن أسئلة الشاعر هنا هي أسئلة لها علاقة بالوجود ، تفصح عن علاقة الشاعر بهذا الوجود ، تلك العلاقة التي قد تكون جدلية أكثر منها في ما يخص الشعور ألانتمائي . إنها علاقة تحتدم فيها الأسئلة التي جاءت أخيرا بعد طابور الأسئلة الملغية التي لم يعد يشكل طرحها بالنسبة للشاعر سوى أنها تقترب من الحشو الذي لا طائل منه ، كما أنها لن تنفع في شيء ، والإجابة عنها أيضاً ما دام أن الشاعر تجلّى كنقيض لهذا الوجود رغم وجوده الضئيل فيه ، إذ لم يبق من تلك الأسئلة إلا ما ندر ، وهب الأسئلة التي تبحث عن جدوى الخوف أثناء المضي في طريقة مجهولة ، أو صحراء مترامية الأطراف . أما السخرية ، فيبدو أنها سخرية لها طعم المرارة ، وتنطوي على خسارة كبيرة . إلا أن الخاسر الوحيد فيها هو الشاعر ، إلا أنه لا يبدو مكترثا إزاء مشهد التصحّر ، ليس لأنه لا يشعر بالظمأ ، وإنما هناك ما يجعله غير آبه بتلك الخسارة . كما نرى أن (القطرة ) المشار إليها بالتصحر في هذه القصيدة ليست هي من ( تتصحّر ) وإنما نظرتها أو ( رمقتها ) . وكأنها إشارة دالة إلى عدم الفائدة من محاولة الشاعر لالتقاطها ـ القطرة ـ بلسانه الجاف (المتصحّر ) هو الآخر . 

في ( شخوص ) والقسم الثاني من المجموعة ، نكاد أن نلمس اشتغال الشاعر على موضوعة الحلول ربما والتي ربط استدعاؤه لها بالاستخدام الصوفي أو المؤسطر بعيدا عن الباراسايكولوجي أو الرهبنة ، أي بعيداً عن الصفات التي يمكن أن تتوفر في إله ، وإن كان أرضياً ، مكتفياً بأخذ عينات من الأحداث الأخروية ( عطل الكون ) المذكورة في الكتب السماوية ( القرآن ) وإنزالها في نوتات تشبيهية تبتّ في عائدية تلك الوقائع إلى الشاعر أو تمثلها بشخصه:

( السماء التي انشقتْ
لم تكن سوى شفتي
والأرض التي غيظت
لم تكن سوى عيني .
والجبال التي دُكّت
لم تكن سوى أناملي .... ( قصيدة إله ـ ص23 )

ونلاحظ أن الفعل الجاري على السماء يمكن أن يجري على شفتي الشاعر ، ويمكننا أن نتخيل شفتان متشققتان أو مشقوقتان . ويتفق الحال مع الأرض وما يقابلها : عيني الشاعر ، والجبال / الأنامل . إنه إله مأزوم / معطل لا يملك إزاء عطله هذا سوى ان يسوق كائناته بنزعة سادية إلى الهاوية / الخراب الذي يقترب في تصوراتنا من نظرية نهاية العالم :
( وأنا إله
يدفعكم إلى الهاوية . ( قصيدة إله ـ ص23 )

أما في قصيدة ( شيخ ـ 24 ) يخبرنا الشاعر عن الكيفية التي أمسى من خلالها هذا ( الشيخ ) على مشارف النهاية أو العاقبة السيئة ، في الوقت الذي يمكننا التقاط الإشارات الدالة على أن المقصود في هذه المقطوعة الشعرية ليس كما ظننا أو نذهب إليه بتفكيرنا فيما يخص موضوعة الكبر أو الشيخوخة وإنما ثمة ما يلهم القصيدة منحاها القصدي بشكل يكاد أن يكون واضحا بعض الشيء ، لكنه يحتوي على ترميزات إيحائية ، ونزعة ربما تقترب في فحواها من التمرد ، مع وجود ما يوحي بدنو الأجل وما يمثله ( الحصان الأبيض ) من دلالة تقودنا إلى الشيب والمضي في العمر ، وإمكانية تأويل ( مداهمة الحصان الأبيض ) لعزلة الشيخ بشكل آخر ، كأن يكون هذا الحصان لذة جامحة أو شهوة مجنونة تمكنت أخيرا من الإيقاع بالنفس الراغبة أصلا لكن ثمة ما يجعلها ترزح تحت ضغط المكابرة المزيفة . يتضح ذلك من خلال عملية الخلع والانصهار في بوتقة الخطايا اللا منتهية ، وذلك النداء الغريب الذي يطلقه الشيخ رغم أفول العمر : إنه النداء الآتي من الرغبة السحيقة المنتفضة على الذات المحافظة بحكم لجوئها للعرف او الخطاب المترهبن / والمصاغ على طريقة ( القصيدة التي تأكل نفسها ) كما يأكل الشيخ نفسه بالبكاء :
( هلمّي ..
أيتها الحسناوات اللواتي كسرن الجرار وأضعن الماء .
أيتها الحسناوات اللواتي يباركن بقبلاتي واندثاري .
أيتها الحسناوات ..

أيتها ..... ( قصيدة شيخ ـ ص24 )

 
 
الحافة : .. 2006