|
موحيات الآخر في مجموعة (أنا ثانية )
6/06/2007
سمة أي عمل ابداعي تكمن في احتواء العلاقات الاجتماعية اللامحدودة التي ستحافظ بدورها على كينونة المبدع بصيغ متعددة تسخـّر الكثير من التجربة المعاشة لصالح الفن ولا يمكن لأي أنا مبدعة ان تبتعد عن الاخر الذي يعني لها المعنى الحقيقي لوعي الذات ولا يمكن ان يكتمل الا باحتواء الآخر .. هذا الآخر الذي صار ( أنا ثانية) للشاعر باسم فرات بدءاً من الاهداء الذي دونه بما يغني عنه .. ( أبي حزن عتيقٌ أمي كتاب الحزن حين فتحه أبي خرجتُ أنا ) فهذه الأنا التي انبثقت من رحم الآخر صاحب الدور الكبير في حياة كل أنا ولا وجود لها دون تلك الروابط الإنسانية .. فوقع هويته الشخصية بتوقيع الآخر من خلال صيغ التخاطب المباشر بضمائر منفصلة مثلا ( ياله من جنونٍ يختزل القصيدة أعني أنتِ ) فتراه يتمحص تأملاته ويستذوق جماليتها لقيم أسمى تحفز الوعي لتسنهضه ( أنت لاتدركين ماذا يعني ان نترك قبلاتنا فوق الرخام ) حاول من خلال هذه القصائد استيعاب التوازنات النفسية لغربة امدها عشرين سنة ليحولها الى علاقة جوهرية مع الحنين لإستقرائها معالم العلاقة بينها وبين سمات الواقع الحزين الذي ماانفك يلازمه طوال غربته فاتحا ثيمات للبوح ليسمو هذا التواصل ملبيا حاجات نفسية مطلقة لها الفاعلية بالرؤيا والتوق حتى غدت محورا من محاور الأنا الفاعلة ( أنت أشعلتَ الحنين في جهاتك وعلــّقتَ شوقك رايةًً للقادمين وللراحلين معاً أنت َ لمْ تقلْ وداعاً للذين حوّلوا حياتكَ مستنقعاً آهلاً بالالم ) لتتحول القصيدة لديه الى حوارية ذات حوارات تمثل الهوية فتتجلى لديه الضمائر المتصلة للمخاطب ( تاء المخاطب.. ياء المخاطبة .. وكاف المخاطبة ) الى مدارات تكرس صياغة المعنى مثل ( كانت أحلامكَ تصرخ .. ونحن نهيل التراب عليك لمسنا الهزيمة فيها ) او ياء المخاطبة مثل .. ( رأيتك تمسدين َ اوجاعكَ بالحنين وتعطينَ جراحكِ الآلآم كلها وتعدينَ شبقَ الموت ) وضمائر مستترة كثيرة مثلاً ( تحلمَ ان تستيقظَ بلا حروب ) فأن تلك الاحاسيس حين ترتبطُ بالآخر تصهر الوعي الذاتي لجوهره فيصير معينا لاينضب يستعين به (باسم فرات) عن كل قيم الدلالة لغربة الجغرافيا التي يعيشها في اليابان ـ هورشيما .. لينقذ كربلائيته المطلة على البيت .. الحارة .. الشارع .. الناس ( الحروف في بيتي لكن القصيدة تتهيكل ) ومثل هذا الوجود الفعلي للشاعر يكمن في التواصل العميق الدائم لن الحياة تعني ان نتواصل ولأجل ان نكون يعني ان نكون للآخر وهذا ما دعى له باسم فرات ... فلاوجود لأي استقلال داخلي مثلما يتوهم البعض فهو يحمل ( ألأم ) كيانا أينما ذهب يرى نفسه فيها ويراها فيه ( وأمي لم ْ تلتفت للشظايا حين مشطت صباي ) فالآخر المنتقى له جواذب نفسية وعمق جوهري تكويني وله وظيفة اجتماعية تتمخض عن الصور المجازية للاهل ـ الناس ـ الوطن ولطفولة كانت تستلذ بالالم وهي ترتل قصائد أحد منشدي المراثي الحسينية في كربلاء ( يا أمي ذكريني من تمر زفة شباب من العرس محروم حنتي دمي الخضاب شمعة شبابي من يطفيها ) وهي احدى القصائد التي تقرأ في اللهجة الدارجة المشهورة في كربلاء مدينة الشاعر ومثل هذا الواقع الذي اكتسب شفافية البوح ليصبح مدخلا رحبا لمعانِ ذهنية اللغة للرواء ( بين جبلين يتيمين تركوني ومضوا لمحتُ خطاهم تتثاءب لمْ يلتفتوا الى ندى قميصي وهو يفرك عن عينيه النعاس ) فطريق الآخر يشكل لدى الشاعر ( فرات) السمة اللا محدودة من الحركة فتراه ينهل من التضادات الخفية ليقصد منحى الجمالية في رؤاه ( العبق المنتشر كدبيب فوق ساقيكِ) او يعبد الاستفهامية كصيغة من صيغ التخاطب مع الآخر ( كيف انزلقتْ من جفنيكَ البلاد عارية ً واستلتْ الطرقات خلسة مابين خطواتكِ) رغم تنوع المحاور استطاع شاعر 0 الأنا الثانية ) ان يصوغ متنوعات متجانسة لتحتوي لنا الذات لقيمٍ دلالية تتفتح على عدة معانٍ ومنها المعنى التاريخي ( في ظهيرة الثاني والعشرين من تموز 1996م أحتضن الطف هورشيما فكنتُ رقما في ملفات الامم المتحدة) فالطف كما هو معلوم أسم واقعة تاريخية كان مكانها كربلاء مدينة الشاعر وزمانها 61هـ فقرب لنا قيم الدلالة باستخدامات تأويلية لعلاقة شهداء الطف بملفات الأمم المتحدة ..
|