الكتابة لديه ' طوق نجاة' من جو الغرف الكابوسية
وقد صدر له عدد من الدواوين منها: 'نخلة الله'، 'الطائر الخشبي'، 'زيارة السيدة السومرية'، 'عبر الحائط في المرآة'، 'وجئ بالنبيين والشهداء'، 'أعمدة سمرقند'، 'في مثل صفو الزوبعه'، 'كران البور' كما صدرله رماد الدرويش' 'والريح تمحو والرمال تتذكر' وهما كتابان في السيرة الذاتية.
وترجم عددا من الإبداعات لماياكوفسكي،بوشكين، بلوك، اخماتوفا، حمزاتوف.
ويعد النقاد حسب الشيخ من اصحاب الاضافات الكبري الي القصيدة إذا استطاع في الستينيات ان يستثمر طاقة التدوير استثمارا بارعا، فقد تحررت ابيات القصيرة علي يديه من القافية المحتومة وترك البيت الشعري حرا في الاندماج في البيت الذي يليه ليتشكل من خلال تدفق الابيات واتصالها ببعضها البعض نمو القصيدة ايقاعيا وتركيبيا ودلاليا.
وفي قصائده الاخيرة يعود صاحب 'نخلة الله' إلي حكمة الصوفي والنفاذ الي روحية الصنعة التراثية صياغة وبنية، ويختار شخصيات اقترب منه روحيا ومعرفيا وشخصيا، فيكتب عن صلاح جاهين، امل دنقل، البياتي، صلاح عبدالصبور، محفوظ، طه حسين، السياب..
كان صلاح حزين يناديه 'أبو نواس' وعندما سألت عن اللقب اخبرني انه أطلق علي ابنته الكبري اسم 'نواس'.. حتي يناديه اصدقاؤه: 'أبو نواس' الذي يراه من اهم شعراء العربية، وكأن حسب يريد ان يتماهي مع ابونواس في سخريته وخمرياته.
كانت البداية عن جيل الستينيات في العراق والذي ينتسب إليه حسب.. هل حقق هذا الجيل ما كان مأمولا منه.. فأجاب :
لا أنتمي موضوعيا إلي جيل الستينيات لأني ارتحلت إلي موسكو عام 1960 من قبل أن يبدأ هذا الجيل الستيني في البروز والوضوح وكنت أنشر قصائدي بعيدا عن جيل العراق في مجلة الآداب البيروتية، ولم أقرأ لأي منهم قصيدة في هذه المجلة... فقد اكتفوا بالنشر في الصحف العراقية، وعندما عدت إلي بغداد بعد اكثر من ست سنوات التقيت ببعضهم، ولم يبد لي أنهم أبناء جيل واحد وأفق شعري واحد... كانوا متغايرين وكنت كلما سئلت عن الجيل الستيني كنت اعتذر عن الإجابة. لم أكن مقتنعا بأن هناك جيلا ستينيا في العراق او خارجها. هل أراد هذا الجيل أن يتجاوز الهيكل الشعري الذي رسخته خطوات كثيرة، بدأتها نازك الملائكة أولا، والسياب والبياتي، ويمكن اضافة بلند الحيدري، ثم جاء بعد ذلك سعدي يوسف بعد هذه الموجة الشعرية الهائلة، والي الآن لا أظن أن هناك من تجاوز الانجاز الشعري الحداثي الاول. ربما قد نصغي إلي بعض الأصوات الشعرية المهمة والتي استطاعت أن تجد مجالا لها ضمن الرؤية الجديدة أو الوجه الجديد، ولكن القول بأنهم تجاوزوا الجيل الأول قول جزافي، قول رسمي. أنا أجد نفسي مجايلا اكثر لأمل دنقل وعفيفي مطر لأننا كنا ننشر معا في الآداب في الفترة نفسها.
وبعيدا عن العراق... هل تري أن هناك من استطاع أن يتجاوز تجربة الرواد؟!
أنا شخصيا لا أؤمن بما يسمي التجاوز، لكن يمكن القول أن هناك 'إضافات'. الشاعر الجيد هو من يستطيع أن يضيف. هل استطاع مثلا أبونواس الشاعر العباسي الكبير أن يتجاوز بشارا أو جريرا، لم يتجاوزهما بل استطاع أن يضيف تجربة ضمن التجربة الشعرية العربية الكبري. أتصور أن الشعر أو التجربة الشعرية في أمة ما أشبه بالنهر الكبير، وان ثمة روافد تنبع من منابعها الخاصة وتصب في المجري الهائل.
وأنت.. ألم تكن تراودك فكرة التجاوز عندما بدأت الكتابة الشعرية؟!
مطلقا، في البدايات لم تكن الأمور واضحة تماما، كنت قد بدأت الشعر فتي صغيرا، وكنت مأخوذا بتجارب السياب ونازك الملائكة والبياتي وقبلهم كنت أتابع بترقب خاصة تجربة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، كان معلمي الأول فنيا وشعريا وحداثويا بالطبع، ومن الغريب أنني اكتشفت أن السياب ونازك لم يكونوا في البدايات إلا تلميذين لشاعر مصري كبير هو علي محمود طه، قرأت 'الملاح التائه'، وأنا في الخامسة عشرة، بالطبع لم تكن سني آنذاك تؤهلني للحكم أو التنقيب. كنت مأخوذا به مستلهما له ولآخرين (السياب نازك البياتي) تلك الكوكبة الأولي التي فتحت لي الكوي إلي الطريق الحديث واكتشفت مؤخرا بعد شيء من النضج وبعد تقدم العمر أن نازك والسياب كانا تلميذين لعلي محمود طه، وإلي الآن لا أستطيع أن أفرق بين قصائد السياب المبكرة وبين قصائد علي محمود طه، وهذا ما يدفعني إلي القول أنه ليس هناك أي تجاوز وانما هناك اضافات، وهو بالفعل ما قام به السياب ونازك والبياتي عندما استطاعوا أن يضيفوا إلي الشعر خلاف تلك الأوراق الرومانتيكية التي أخضرت في بستان علي محمود طه.
ألا تشعر بمفارقة من كونك تعتبر نفسك تلميذا للجواهري وهو الكلاسيكي الكبير... بينما أنت واحد من أهم من أضافوا إلي القصيدة الحديثة...؟!
الجواهري كان بالنسبة لي أحد ستة شعراء عظام في تاريخ الأدب العربي: امرؤ القيس، أبونواس، أبوتمام، المعري، المتنبي. ربما جاء هذا الرأي بعد قرار طويل بعد أن تجاوزت الثلاثين من عمري. انما في البداية كان الجواهري الأسطع عربيا وعراقيا، ولم يكن بالنسبة لشاعر ناشيء مثلي الا التعلم منه لغويا وفنيا ولم يكن الجواهري معلما لي فقط بل كان معلما للسياب ولغيره.
والقصيدة المدورة إضافتك الخاصة إلي القصيدة الحديثة هل تعتبرها رافدا من روافد التطوير وليس من قبيل التجاوز؟!
الذي هداني إلي التدوير في القصيدة قراءتي في اعمال نثرية غربية اذكر منها 'بعد السقوط' لآرثر ميللر، والفصل الأول من رواية فوكنر 'الصخب والعنف'، والجزء الثالث من رواية سارتر 'بعد الدروب'... في هذه الأعمال تجد تداخلا بين الأزمنة والأمكنة. والتدوير بالنسبة لي كان محاولة للقبض علي أزمنة وامكنة متعددة في اللحظة الشعرية نفسها. مثلا عندما كتبت قصيدتي المدورة الثالثة وكانت بعنوان 'الرباعية الثانية' كنت أجلس في مقهي خاص في شارع الرشيد ببغداد وكنت اتطلع إلي بائعة أحذية لم تكن هذه الشابة بالنسبة لي تمثل جمالا عراقيا معاصرا، وانما كنت أري امامي وجها 'سومريا' أي أنني في اللحظة نفسها كنت أعيش زمانين ومكانين: السومري والعراقي المعاصر. وهكذا بدأت المحاولة في القبض علي المتباين والمتغاير في الأزمنة والأمكنة.. اي انتقل من موسكو إلي قريتي الجنوبية العراقية في اللحظة الشعرية نفسها.
وفي رأيي الشخصي ليست هناك أية ضرورة للتدوير ما لم ينتقل الشاعر بين أزمنة وأمكنة متباينة. وما يؤكد ذلك هو استمرارية التفعيلة الواحدة او التفعيلات المتغايرة في القصيدة نفسها. مجري التفعيلة المتراكم هو ما يعطي للشاعر فرصة الإنصات، فكرة القبض علي الوجوه التاريخية عبر امتدادها وانتشارها مكانيا وزمانيا.
فكرة الانتقال في الزمان والمكان... ترجع إلي تأثرك بتيار الوعي...؟!
بالتأكيد، إلا أنني اكتشفت تيار الوعي قبل أن يتبلور في الرواية الفرنسية الجديدة ربما كان هناك تيار وعي عند جويس أو فرجينيا وولف، إلا انني حين ذاك لم أكن قد قرأت تلك المؤلفات، قرأت فقط لمارسيل بروست 'البحث عن الزمن الضائع'، وهي الرواية التي كانت تحمل البذور الأولي لما يمكن أن نسميه تيار الوعي.
وبماذا تختلف قصيدتك المدورة عن القصائد المدورة التي كتبها شعراء جيلك؟!
لم يكتب شعراء جيلي القصيدة المدورة إلا بعد أن كتبتها أنا. اذكر أن هناك عددا كبيرا من الشعراء حاولوا كتابة القصيدة المدورة بعد نشر ديواني الثاني 'الطائر الخشبي' وقد أخذت القصيدة طريقها إلي عدد من الشعراء العرب حاولوا تقليدها. وصدقني لا استطيع أن أحكم... ربما لأنني كنت أحس بشظايا من تجربتي أو بجزء من صوتي في تلك القصائد. كان ذلك بالنسبة لي مؤلما، لأنني لا أريد للشاعر ان يحذو حذو شاعر آخر. ومما آثار دهشتي انني قبل شهرين قرأت في مجلة 'عمان' قصيدة مدورة لشاعر أعرفه، فاذا بها محاولة تتحثث الخطي في الطريق القديم الذي كنت أحاول أن استحدثه وهذا شيء غير صحي.
ولكنك ابتعدت عن القصيدة المدورة؟!
في التدوير كنت ابحث عن طرائق جديدة، ولو واصلت كنت سأكرر نفسي. إضافة إلي ذلك وكما ذكرت أن للتدوير دورا فنيا آخر، هو التنقل بين الأزمنة والأمكنة... هل كان من الممكن أن أبحث عن أمكنة وأزمنة أخري. أعتقد لم يكن ذلك ممكنا، فأنا تقريبا وضعت يدي قويا علي الأزمنة البابلية والسومرية والعراقية المعاصرة والروسية ربما لو أتيح لي أن أعيش مثلا في أمريكا اللاتينية أو افريقيا لكان من الممكن أن أواصل التدوير.. أي أن أواصل البحث والمفارقة بين الزمن الأمريكي اللاتيني والزمن العباسي كما هو في ألف ليلة وليلة ونحن أدري من غيرنا بالتأثير الذي تركته الف ليلة وليلة بسحرها علي أدباء أمريكا اللاتينية: ماركيز وبورخيس.
وهل اهمالك للقصيدة المدورة يعد انتصارا لفكرة التنقل نفسها محاولة لتجريب اشكال جديدة وعدم الركون إلي تجربة وشكل واحد..؟!
أنا لم أهملها.. ولنقل أنها هي التي أهملتني.. لم أرد أن أكرر تجربتي كانت القصيدة المدورة في ركن من أركان تصوري وذهني.. فيما بعد وجدت في الدراما الشعرية متنفسا آخر وكتبت ثلاث مسرحيات هي: 'الصفارة' 'الخيط المقطوع' و 'أغنية السنونو البيضاء'.. وفي المرحلة الأخيرة انجزت ثلاث مجموعات شعرية لم تنشر بعد هي: 'الفراشة والعكاز'، 'تواطؤ مع الزرقة' والثالثة 'رباعيات العزلة الطيبة'.. بعد أن انجزت هذه المجموعة الأخيرة احسست انني قد وصلت إلي نقطة عبور جديدة لم تزل حمراء... في انتظار أن يفتح الضوء الاخضر لكتابة مجموعة جديدة.. لا أعرف كيف أبدأ وكيف ستكون. وهناك ايضا في السنوات الأخيرة الجزء الثاني من سيرتي الذاتية: 'الريح تمحو.. والرمال تتذكر' ورواية نشرت مسلسلة بعنوان 'رقصة لاغير'.
***
مارست الكتابة الأدبية في معظم مجالاتها... ما الفروق التي وجدتها بين الرواية والشعر والمسرح... تري أن جميعها وسائل تعبير لتوصيل الأفكار.. كما كان يوسف إدريس يؤكد دائما أنه يمارس كتابة القصة حتي وهو يكتب المقال؟!
الزمن الشعري يختلف تماما عن الزمن الروائي.. بل انك عندما تسلك الطريق الروائي لا تسلكه شاعرا، بل تسلكه عابر طريق ما. بالتأكيد أنا أعرف أن هناك العديد من شعراء العالم الذين كتبوا قصصا وروايات ومسرحا نثريا ايضا، وكانوا في كل ما كتبوا نثريين غيرما هم شعراء، لأن اللحظة الشعرية والتوتر الشعري يختلف عن اللحظة الروائية ربما قد يكون يوسف إدريس غير محق في أن المقال هو قصة، هناك اختلافات عديدة بينهما: هناك الرعشة الفنية التي تتوغل في الكائن والتجسد الفني في القصة يختلف عنه اثناء كتابة المقال. وعندما كتبت المسرحية أخترت نوعها 'الشعرية' أي أنني لم أنتقل من المنطقة الشعرية إلي المنطقة النثرية، أما عندما كتبت الرواية فقد كنت بعيدا عن المنطقة الشعرية... لم يكن همي سوي محاولة تلمس الطريق النثري. يمكن أن نقول أن الرواية تشبه الغناء الأوبرالي، بينما القصيدة تشبه الباليه.
هل كنت واعيا في تلك الفترة بمسألة تداخل الفنون الذي لم يكن قد تبلور في تلك الفترة... وهل استفدت من الفنون الأخري؟
أنا أجد أن السينما أقرب إلي الروح الشعرية من المسرح أو الرواية، أقصد الروح الشعرية الجديدة. فما تمتلكه السينما من إمكانيات وفضاءات متنوعة قد تكون منطلقا أو متنفسا جديدا خاصة في الأفلام الكلاسيكية الراقية بالطبع هناك جسور متعددة بين الفن التشكيلي والموسيقي والشعر، وكما هو واقع فالرواية ليست إلا منحدرا آخر من منحدرات الشعر. لقد بدأ العالم يفكر شعريا، من خلال الملحمة، ثم جاءت الرواية كما هو معروف امتدادا للملحمة كما هي في جلجامش وهوميروس. أي أن الرواية ليست إلا مجري فنيا متشعبا من الملحمة. أما السينما فلم تكن إلا ابتكارا فنيا جديدا ساعد علي ذلك الوضع التقني الجديد (الكاميرا) و الأمر نفسه بالنسبة للفن التشكيلي و....
ما يعنيني هو تأثير هذه الفنون علي قصيدتك؟
لا أريد أن أكون مغاليا. ولكن أنا أخذت من البالية الروح أو الخيط الألقي عندما تتحول الراقصة من كائن بشري إلي كائن نوراني. وأخذت من الموسيقي التدفق السيمفوني مثلما هو الأمر في سيمفونيات بيتهوفن وموزارت. في الموسيقي لم أعد أمام كوة أو نافذة تتطلع منها إلي الطبيعة بل إنك في قلب الزوبعة، في استمرارها وانتشارها. ربما كان هناك من الزوبعة الموسيقية شيء من التوتر والانتشار في بعض قصائدي.
وماذا تعني بالروح الشعرية الجديدة التي ذكرتها من قبل هل تعني بها القصيدة بدءا من نازك والسياب؟
لا أقصد ذلك. هناك شيء بعد مجموعتي الشعرية الأولي يبعدني عن السياب ونازك. فقد أخذت اتلمس طرقا أخري بخلاف تلك الطرق التي كان كلاهما يتلمسها من قبل، ولست هنا مجترحا أو متجرئا أكثر مما يجب. هذا إحساسي، وقد يجد فيه الكثيرون شيئا من المغالاة، ولكن هناك بالفعل بون شاسع بين 'انشودة المطر' وبين قصائدي المدورة، فنيا أعني.
في كلامك هذا دليل علي أنك كنت تعني فكرة الخروج علي ما سبق؟
بالتأكيد، ما كان يهمني في تلك الفترة هو ألا أشبه أحدا كان سابقا علي، ألا أكون مغايرا وإنما أحاول أن أضيف إلي القصيدة العربية.
وهل كان تأثير الباليه علي قصيدتك بسبب السفر إلي روسيا؟
أنا شخصيا لم أشاهد مشاهدة حية إلا الباليه الروسي بحكم دراستي في موسكو. رأيت في السينما الباليه الفرنسي والأمريكي، ولكن الباليه الروسي كان أبرز وأنضج تجربة في الباليه وأكثرها تجديدا. بل إنهم كانوا ينظرون إليه في أوروبا وأمريكا باعتباره إعجازا.
وفيما اختلفت قصيدتك قبل السفر إلي روسيا عنها بعد السفر؟
قبل السفر إلي روسيا كنت شاعرا ناشئا، ضمن التجربة الشعرية العراقية الأولي، أعني السياب ونازك والبياتي، ولم اكن آنذاك وجها من هذه الوجوه وانما كنت في الظل من هذه التجربة الكبيرة، وبالتأكيد مثلما كان السياب ونازك متأثرين بآخرين، كنت أنا أيضا متأثرا بغيري. في موسكو كنت اكتب الشعر، وما كان يهمني اكثر هو الاطلاع علي التجربة الأدبية والفنية الروسية والعالمية، وكنت أخصص يوما من أيام الاسبوع لزيارة مكتبة الآداب الأجنبية لكي أقرأ الأدب العربي، وهناك قرأت الأغاني وتوفيق الحكيم وطه حسين الذي أراه رائد النهضة العربية الأول وابعد شأنا من العقاد الذي لم أقف عند كتاباته، كما قرأت نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم، في موسكو كانت قراءتي وتجربتي موزعة بين اتجاهين: الأدب العربي بدءا من التراث وحتي القرن العشرين والاتجاه الآخر هو الأوروبي والشرقي المترجم إلي الروسية: الأدب الياباني والصيني والهندي والفارسي.
لو رجعنا إلي ما قبل موسكو.. بداياتك الشعرية، ما هي المؤثرات التي شكلت تجربتك؟
كما قلت لك من قبل الجواهري والسياب ونازك.
لا أعني الأسماء بقدر ما اعني تشكيلات في الوعي؟!
لا يأتي الوعي إلا من خلال القراءة والتجربة.
والتجربة لم تكن إلا تجربة قروية بسيطة، إلا انها فيما بعد أخذت ابعادا أخري. وما كنت اختزنه في الذاكرة من تجربتي القروية لم يأخذ طريقه إلي القصيدة الا في موسكو. وقد قال عني أحد مرة: 'من الغريب أن حسب الشيخ جعفر أثناء وجوده في موسكو كان مشبعا بالحنين إلي القرية العراقية وعندما عاد إلي العراق انقلب الأمر، فإذا به يحن حنينا عاصفا إلي موسكو'. وأظن ان ذلك مسألة 'نفسية' معروفة في الإبداع، البحث دائما عن مفقود: طفولة... أو فردوس!
أي لولا تجربة السفر إلي موسكو كنت ظللت اسيرا لتجربة القرية، التجربة الرومانسية؟!
لا أظن، ما كان افقي الشعري قد اختلف كثيرا عن آفاق شعراء آخرين. وإن كنت أنا الشاعر العربي الوحيد الذي تشبع بالطقوس والأجواء الروسية، ثم إن اللغة الروسية اتاحت لي الاطلاع علي الآداب العالمية. موسكو الستينيات كانت زهرة العالم الفواحة علميا وأدبيا بالرغم من الكوي المسدودة.
كانت المدينة تعج ثقافيا بالمغامرة الجديدة التي تبلورت فيما بعد علي ايدي شعراء روس عديدين، ثم انني لا أظن أن أحدا قد تغلغل في اعماق ديستيوفسكي أو تولوستوي ما لم يعش فترة ما في روسيا.
وهذا ما حاولت ايصاله للقاريء في كتابك 'رماد الدراويش'؟!
في 'رماد الدراويش' لم أشأ أن أقترب من التجربة الثقافية الروسية كنت في وضع نفسي آخر، كل ما كان يهمني أن أحمي نفسي من أن اسقط تحت وطأة الكآبة الثقيلة.
فقد كتبت هذا الكتاب أيام الحرب الايرانية، وكنت أحس بوطأة الاختناق والحياة الصعبة، فلم يكن من بد أن أستعيد ذكريات عذبة ما فالكتاب ما هو إلا محاولة تذكر، ولم تعد إلا حلما قديما.
وهل كنت تتخيل في تلك الأيام التي كنت تعاني فيها من سطوة الكآبة أن تأتي أيام أكثر كآبة؟!
كانت الوطأة رهيبة، ولم أكن أتصور ذلك. كنت أحس بنفسي تحت ثقل رازح، فلم يدر في بالي أن هناك أياما أخري اكثر وطأة.
هذه الأيام تدفعك لاستعادة ذكرياتك مرة أخري.
(الرياح تمحو والرمال تتذكر)، و(رماد الدراويش) هما كتاباي عن الذكريات... كما أن هناك رواية نشرت مسلسلة، هي ايضا محاولة بحث وقبض علي أشياء ما في اتجاه آخر.
محاولات القبض هذه تراها وسيلة للتخلص من وطأة الواقع؟!
بالضبط، هي محاولة لإزاحة الستار عن النافذة لكي تطل علي العالم والحياة الأخري بعيدا عن جو الغرفة الكابوسية حيث لانوافذ ولامسرات.