|
عودة الروح إلى الحلم قبل السقوط في الهاوية
6/06/2007
نصوص جديدة في مجموعتين منفصلتين للشاعر شوقي بزيع
جهاد الترك
قدر الشاعر أن يصعد إلى الهاوية. أن يقف على الحد الفاصل بين السقوط والسقوط. إمّا ان يرتد خائباً عن بوابات العبور إلى الحلم حيث تنفتح الحقائق على دهشتها الأولى، وهي تتشكل على إيقاع الصور المتلألئة في متاهات الذاكرة البكر. وإما ان يمضي قدماً إلى المجهول مأخوذاً بنور الرؤيا، إلى حيث تنعدم الفروق بين الأشياء، وتتعرى الكائنات من ارتداء أزياء لا تليق بها. هناك في تلك الممرات الموحشة في أعماق الذاكرة، يرتدي كل شيء روحه. ينبعث من رماده مرة وإلى الأبد. يتحرّر من أثقاله. يتسلّل من بين أصابع الزمان والمكان. يتمرّد على رتابة الموت والحياة. ينتقل من الموت إلى الموت. من الحياة إلى الحياة. أو من الموت إلى الحياة، وكأن لا موت ولا حياة. هناك، تبدو القشعريرة حالة ملازمة للحلم وهو ينتحر ليحيا من جديد. ينقلب الحلم على نفسه في كل لحظة. يستقوي على ذاته بذاته، حتى لا يبقى هو نفسه. يلفظ الحلم أنفاسه الأخيرة ليستردها وقد تشكلت، ثانية، في حلم آخر. ومع ذلك، ثمة سقوط مدوٍ في الحلم هو نقيض السقوط من على أبراج الحلم. الأول هو سقوط مرده إلى قوة الانخطاف إلى عالم الرؤيا. والثاني هو استبعاد بالقوة عن أسوار الحلم إلى خارج الرؤيا، عودة مكللة بالفشل الى عالم الرتابة. اعلان للهزيمة امام جبروت الزمان والمكان. استسلام كامل لطغيان الأمر الواقع. شتان ما بين هذا السقوط وذاك. ومع ذلك، قد يغدر الشعر بصاحبه، فيطرده من دائرة الحلم، ويلقي به بعيداً خارج الأسوار في أسفل الوادي السحيق. ليكون مصيره كمثيله الذي ارتد خائباً عن بوابات العبور الى الحلم. ضرب من الغدر، شديد الوطأة. وتنكْر غامض لمن نجح في امتحان الدخول إلى فردوس الشعر. سببه، على الأرجح، عجز يفاجىء الشاعر فيحرمه من حقه في مصادرة الأشياء والحاقها بممتلكاته الخاصة به. يتحول الحلم، في هذه الحال، كابوساً مرعباً وجحيماً لا يطاق، عندما يقف الشاعر مذهولاً امام الأشياء، وهو يفتقر الى قدرته السابقة في تحريكها من الداخل واعادة تشكيلها واحيائها على نحو لا تعود هي إياها. والأغلب ان هذه الأشياء لا تعود قابلة للتحول. تصبح أصناماً ميتة مشدودة بقوة الى جاذبية المكان. يخاطبها الشاعر فلا تستجيب. يفقد حقه، في تلك اللحظة في استدراجها الى منطقة الرؤيا. تمتنع عليه فيمتنع عليها. تسقط منه بطاقة الانتساب الى الحلم. مجموعتان بمزاجين قد تبدو هذه الهواجس باعثة على شيء كثير من القلق في المجموعتين الجديديتين للشاعر شوقي بزيع الصادرتين عن "دار الآداب" في بيروت 2007. الأولى بعنوان "لا شيء من كل هذا"، والثانية "صراخ الأشجار"، وقد تزامنتا معاً ولكن بمزاجين مختلفين، على الأرجح، لا يكمل احدهما الآخر، بقدر ما يجري توظيف كل منهما في سياق شعري ذي استهدافات أخرى. والأغلب ان كلاً من المجموعتين، لا ينتقص من الآخر ولا يستولي على شيء من رصيده، ولا يدعي ان لديه من الاستشراف ما ليس لدى الآخر. لا شيء من هذا القبيل، والا لكان الأجدر بالشاعر ان يصدرهما معاً في كتاب واحد. ومع ذلك، لا يبدو أن أحدهما يجيب عن تساؤلات يطرحها الآخر أو يسعى الى أن يعوض به ما يعتقد انه فاته، فوجب الاستدراك. المجموعتان، على الأرجح، يذهب كل منهما في اتجاه لا يتقاطع مع الآخر، ولا يلتقي به في منتصف الطريق، تنطويان على ما يجعل كلاً منهما ذا مهمة لا تشبه الأخرى. تبدو الأولى وهي بعنوان "صراخ الأشجار"، محاولة حقيقيةلاعادة اكتشاف الطبيعة، ممثلة بأشجارها، في حركتها الداخلية، تمهيداً لتجريدها من هويتها المألوفة، وصولاً الى اعادة تشكيلها على نحو جذري، بما يتلاءم مع موقعها في الحلم. يخيّل الينا، أن شوقي بزيع يسعى الى إحكام سيطرته الشعرية على الطبيعة في أكثر تجلياتها وضوحاً، وهي الأشجار في هذه الحال ، لحملها على الانضمام الى ادواته التعبيرية بعد ان تصبح قابلة للاستخدام الشعري في بوتقة الذاكرة. هل يدعو هذا الى الاعتقاد بأنها لم تكن كذلك من قبل؛ الأرجح لا، ولكن الشاعر، في العادة، لا يزعم قدرة على الاستيلاء على الأشياء واخضاعها لتشكلات الحلم، وهو ينساب، في عملية التدفق الشعري، الا بعد أن يطبق عليها، ويقيم حواراً معها من وراء الكواليس، ليختبر قابليتها على التحول، ورضوخها لمقتضيات الشعر قبل أن يعلن انكشاف اسرارها له. قد نتساءل كذلك عن الاسباب التي حملت الشاعر على هذه الاستفاقة المباغتة على وقع الطبيعة؟ هل ثمة في هذا التوجه ما يشيرالى علاقة مؤجلة معها؟ او حوار قديم لم يستكمل بعد؟ او ان هناك ثغرة في الحلم تحول دون الارتقاء به صعوداً وهو يتسلق لبلوغ عتبات الرؤيا في اشراقاتها المدهشة؟ مقتنيات الذاكرة الأغلب ان ثمة شيئاً يسيراً او كثيراً من هذه التساؤلات، استوقفت الشاعر أمام هذه المشاهد، وكأنها يراها للمرة الأولى. وفي اي حال، ليس في مثل هذا الاستيفاق ما يدعو الى الظن بأن الشاعر يصفي حسابات قديمة مع الطبيعة، او انه عازم على اقامة تسوية "عادلة" معها، على قاعدة انه يكتشف فيها، اليوم، ما لم يتمكن من العثور عليه في مراحل سابقة. الأرجح أن اقتصار هذه المجموعة على التفاصيل الأكثر حيوية في الطبيعة، هو محاولة مبررة، في السياق الشعري، للكشف عن حيز واسع من مقتنيات الذاكرة من خلال استدراج الطبيعة الى حيث يصبح الحلم اكثر اقتراباً من نفسه في رحلته الطويلة نحو المجهول. لا هوية قائمة بذاتها لأي من الأشجار التي يفرد لها الشاعر نصاً في الكتاب. الأغلب انها، جميعاً، باتت بلا هوية تذكر. باستثناء تلك التي اكتسبتها بعد ان عراها الشاعر من قشورها الخارجية. لم تعد هذه الأشجار أشجاراً، تحولت ظلالاً مكثفة لظلال أخرى سابقة عليها تنثر مساماتها في أرجاء الحلم. يصادرها الشاعر، على نحو لا يحيلها ضرباً في الفراغ. يضفي عليها معادلاً موضوعياً هو من نسيج ما توحي به. تشف الأشجار، لترتدي ظلها، يوقظها بفعل الصدمة. فاذا بها كائنات تجيد فن الوهم. تستجمع ما لديها من طاقات سحرية لتلهو، نقية شفافة سريعة الخطى على حبل الحلم. يقول في نص بعنوان : "الرمان": شجر لترويض الخيال، شجر لنرسم حالمين به، ضياعاً من ظنون أو كنائس للتأمل من علٍ في ما يصير زهرة جرساً وأغنية بلاداً من فقاقيع المياه وصوت عاشقة
ويكتب في نص آخر بعنوان: "الصبّار": وحيداً في صبابته يحملق في انتظارات مراوغة ويومىء ذاهلاً وبلا ظهير لانقضاض النسر نحو الأرض او لتناوم الأحجار في الآكام او لترمّل الأنهار في اعقاب نبع غار وفي نص ثالث بعنوان "الزنزلخت": برهافة امرأة يداهمها النعاس على الأريكة يستقل الزنزلخت جذوعه التعبى ليلتمس الاقامة تحت شمس خائرة مغرورقاً أبداً بما ينساب من عرق الجباه على الحنين وما يفيض عن المنازل من نفايات... احتمالات الوهم نصوص ثلاثة عن أشجار ثلاث، تخرج من الطبيعة لتعود اليها بحلة أخرى، وقد حملت معها زاداً متنوعاً من كل شيء تقريباً. يستقرئها الشاعر في ما تنطوي عليه من احتمالات، جاعلاً اياها من نسيج الوهم الجميل. والأغلب، في هذا الاطار، انه لا يوظفها في الترويج لمهمة من شأنها ان تضيف الى صناعة الحلم لديه. لا يستخدمها، على نحو اعتباطي، أو مجاني، إذا صح التعبير. يشحنها بطاقة ذاتية، هي من صلب طبيعتها الداخلية لتصبح شيئاً آخر مختلفاً تماماً. لا يوحي الينا بأن لهذه الأشجار الثلاث، خصائص تهبط عليها من فوق، فتبقى الشجرة كما هي وان اكتسبت بعداً اخر. ليس في هذه النصوص ما يشير الى هذا الاستخدام المبسط. على النقيض من ذلك، يطلق شوقي بزيع لعبة من نوع آخر، أكثر ذكاء واستشرافاً وتلمساً لتخوم الحلم. هذه الأشجار تتحول كائنات ثلاثة هي من نسيج الوهم نفسه. من الطبيعة الديناميكية لحركة المتاهة وهي تنتقل، بسرعة، بين أمكنة الظلال بحثاً عن المعنى الأجمل والاشراقة الأكثر التماعاً. لا يلجأ الشاعر، في هذه النصوص وسواها في الكتاب، الى أحرف التشبيه التي غالباً ما تحيل الصورة الشعرية ضرباً مبتذلاً من المحاكاة السطحية. فشجرة الرمان، على سبيل المثال، لا تشبه بلاداً من فقاقيع المياه. إنها هي نفسها هذه البلاد. وشجرة الصبار لا تشبه شخصاً يحملق في الانتظارات الطويلة. انها هي نفسها هذا الشخص. وشجرة الزنزلخت لا تشبه امرأة يداهمها النعاس. إنها هي نفسها هذه المرأة الناعسة. ولو استخدم الشاعر في هذه الأمثلة الثلاثة أدوات التشبيه، لسقط المعنى في مستنقع الابتذال، وأسقط معه الحلم، ولحكم الشاعر على نفسه بأن يرتد خائباً عن بوابات الرؤيا، على نحو لن يعود بمقدوره ان يتجرأ، ثانية، على الاقتراب من لهيب الشعر. قنوات جديدة في الذاكرة إذا كانت المجموعة الأولى "صراخ الأشجار" تستهدف، على الأغلب، إعادة تشكيل الطبيعة، بعدد من رموزها وتجلياتها، لتوظيفها في المناخ الشعري، فان المجموعة الثانية "لا شيء من كل هذا"، تضطلع بمهمة أخرى لا تقل أهمية. تتمثل، على نحو رئيسي في الأغلب، في ابتكار قنوات جديدة في الذاكرة الشعرية لصور ومشاهدات سبق لها ان تشكلت في الماضي. قد يبدو هذا التصور شبيهاً جداً بتنقية الذاكرة للابقاء على ما ينبغي ادراجه، من جديد، في الحلم، والتغاضي، اذا صح التعبير عن تلك اللحظات التي تجاوزها الحلم، وهو ينقلب على ذاته مراراً وتكراراً الى ما لا نهاية. والأرجح ان في هذه المجموعة ما يدعو الى الظن باعادة تشكيل ما تشكل في السابق. على قاعدة ايجاد الأرضية الصلبة لاراحة الحلم من مقتنيات قد لا تبدو ضرورية جداً للمشروع الشعري الذي تنطوي عليه هذه المجموعة. ثمة ما يغلب هذا التصور على ما عداه. باعتبار ان معظم نصوص هذه المجموعة تشير، في سياقها الزمني، الى تجارب تملكت أحاسيس الشاعر في الماضي. يحفر شوقي بزيع عميقاً في الذاكرة ليعثر عليها من جديد ليثبتها في مكانها الملائم في الحلم. غير انه، وهو يقوم بهذه المهمة الشاقة، نلحظ أنه يفعل ذلك كمن يعيد اكتشاف ما كان اكتشفه في فترات سابقة. قد تغدو هذه المقاربة الشعرية زيارة جديدة الى مناطق نائية في الذاكرة، تم ارتيادها، من قبل، ثم غرقت في صمتها المطبق. عملية مبررة لا تخلو من انتقائية لشحن الحلم بصدمات قوية لتجديد شبابه، ومحاولة استباقية لمعالجة التجاعيد، ليس عن طريق التجميل، بل من خلال ضخ منظومة وافرة من الخلايا الحية في المسام. الحلم يشيخ أيضاً، وهو يتحرك بعنف في دورته الداخلية. يحتاج، على الدوام، الى ما يستنفره ليستعيد هويته المشرعة على الظلال البعيدة. يبدو هذا النص بعنوان "عندما يصبح الحبر أعمى"، نموذجياً دلالة على هذه المحاولة الاستباقية التي قد تزيل من أمام الحلم عثرات الطريق: ما الذي تستطيع الكتابة ان تفعله؟ عندما يصبح الحبر أعمى ولا يجد الناس وقتاً لتصريف أعمارهم أو لفصل الهواء الذي لم يزل بعد حياً عن النظرات التي جمدت في الزوايا وتصبح إمعاء طفل حدود العلاقة بين الفجيعة والمهزلة ما الذي تستطيع الكتابة ان تفعله؟ عندما تحت هذي السماء التي صفحت نفسها بالخناجر يمتحن الوحش فينا مخالبه وتُمتحن الروح في بحثها اللانهائي عما يحيل الرماد المصفى صعوداً عميقاً الى الله..
شباب الحلم ثمة في ثنايا هذا النص ما يجعل من القلق على شباب الحلم مأزقاً بنيوياً يتخطى اطار الشكل الى المضمون. يطرح فيه الشاعر معضلة هي الأكثر احجافاً بحق من يختارون تقفي أثر الحلم وهو يسلك أكثر الدروب وعورة نحو الهاوية. والأرجح ان ما يثيره بزيع، في هذا النص، ليس نعياً للكتابة الشعرية، وهي تخوض معركة الحياة والموت أمام الوحش الذي انقض بمخالبه القاتلة مستهدفاً تمزيق الروح قبل الجسد. بل استفزازاً للحلم وحثاً له على عدم الاستكانة للرماد والخناجر ليصبح الصعود الى الله تجربة لا عقم فيها، على الاطلاق، انها عودة الروح الى الحلم، وعودة الحلم الى الروح. الاثنان من طبيعة واحدة. لا يقوم أحدهما من دون الاخر. كما لا يسقط أحدهما وحيداً، بل مصطحباً معه الآخر، إما ارتداداً عن بوابات الرؤيا، أو تجرؤاً على الانسياب الى المتاهة الجميلة. انها الروح، وهي تعبر عن قلقها الأبدي، وهي تبحث عن حلمها. قد لا تصل. والأرجح انها لن تصل. تتلقى أنوارها بالاقتراب فقط من التخوم فقط. تكتفي بتجربة التشوق الى الوصول، وتحجم عما سوى ذلك. الوصول هو نهاية الحلم. الرصاصة التي تطلق مرة واحدة في الرأس، ليصبح الجسد هائماً بلا رأس، يتحين الفرص ليندفن بلا جنازة. يتوق الحلم الى الوصول، ثم يتراجع خطوة الى الوراء حتى لا يرتد خائباً عن بوابات العبور. واحدة تلو الأخرى، تستدرج بوابات العبور، الحلم في تعثره، وتوثبه، في سقوطه وانبعاثه، في اكتئابه وسروره، رحلة مرهقة تمتد من عمر الى آخر فوق حدود الموت والحياة. المستقبل - الثلاثاء 5 حزيران 2007 - العدد 2634 -
|