الحافة . عقبة زيدان : الرمزية والعصر الفضي
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
الرمزية والعصر الفضي
6/06/2007
  


أصيب الأدب الروسي، في نهاية القرن التاسع عشر، بحالة من الانحطاط والهبوط، وأوشك على الاختناق، لذلك كان من السهل أن تدخل نسائم الأدب الأوروبي، المحملة بجرعات من الحداثة، وتقلب مقاييس الأدب رأساً على عقب.
وكان بودلير، من خلال موسيقاه وقانون التوافق والتناسب، يرغم الشعراء على التحرر من القواعد الجامدة. وأحدثت أفكار نيتشه وشوبنهاور تأثيراً في الأدب الروسي، كما في الآداب العالمية. ولكن الشعراء الروس استطاعوا أن يشقوا طريقهم الحداثوي، وهم يقفون على الإرث الكلاسيكي الروسي، وضمن مقولة الوعي الروسي.‏

لذلك كانت محاولة التحديث، جسراً عبر عليه الأدب الكلاسيكي إلى عقول المعاصرين، أي محاولة تجديد الكلاسيك. أطلق على مرحلة التحديث في الأدب الروسي، في بداية القرن العشرين، اسم (العصر الفضي)، باعتبارها امتداداً لحركة الإبداع التي شهدتها روسيا في القرن التاسع عشر. وتميزت هذه المرحلة ببروز الأسلوب الحداثوي الذي ساد أوروبا في كل مجالات الفن: الأدب والشعر، والعمارة والتشكيل والتصميم... أصبح الشعر، في هذه الفترة، يزيح النثر، وتنطح للتعبير عن كل ما كان النثر يعبر عنه. لقد خيم اليأس والقنوط على الشعراء الجدد، وبدت القصيدة كمرثية أليمة. ومن بين الأصوات، كان يظهر أحياناً صوت تفاؤلي جميل، يعيد التوازن المفقود إلى حد ما. لقد ضجّ الشعر بالرموز، وتألق الشاعر الرمزي. حاول الشعراء الجدد كسر شكل القصيدة الكلاسيكية، وطرح موضوعات غير مألوفة، مبنية على وحدة وصراع التناقضات. لذلك لم تخلُ تجاربهم من بعض الانعكاسات التي تعتمد الثنائيات الموجبة والسلبية في وقت واحد: الحب والكره، الخير والشر، الظلمة والنور... وفي هذا الحال تكون الأخلاق نسبية، ويكون الجمال مطلوباً في حدوده القصوى، دون الخضوع إلى أي رقابة.‏
بدأت الرمزية مع ميرجكوفسكي، فهو الشاعر الأول الذي استخدم كلمة (رمز). ويتضح أن ميرجكوفسكي، قد تأثر كثيراً بالحركة الرمزية الفرنسية، ولكنه آثر العودة إلى القيم الفنية والجمالية الروسية، والتي تمثلت في أدب الروس مثل: دوستويفسكي، تورغينيف، تولستوي، وغيرهم، ولكن يجب أن تكون هذه العودة، ضمن منظور جديد وفهم حديث. ولذلك يؤكد ميرجكوفسكي في أكثر من مكان، على أن مستقبل الرمزية الروسية مرتبط بعلم الجمال الجديد، ويتحقق هذا بالانقلاب الروحي العميق الذي يقع على عاتق الجيل المعاصر من خلال فهمه للمثالية ومقولة الخلود والأبد والموت. أصدر فاليري بريوسوف بين عامي 1894- 1895 ثلاث مجموعات شعرية جماعية بعنوان (الرمزيون الروس)، وجاءت على طريقة المحاولات الفرنسية، وذلك بهدف تعريف القارئ الروسي على نتاج الحركة الشعرية الجديدة، لكن بريوسوف اعترف بأن المحاولة لم تقم على أرض صلبة، وبالتالي لم تتشكل التجربة الشعرية الحديثة، ولم تفض إلى حداثة شعرية منشودة بالمعنى الحقيقي للحداثة، ذلك أن بعض الشعر المقدم لم يكن جاداً ورصيناً ومبلوراً لهذه التجربة. كتب بريوسوف مقدمة هذه المجموعة، ملخصاً جوهر وغرض الوسائل التعبيرية للشعر الرمزي، لكن القارئ لم يستطع إلا أن يلاحظ إهمال مفهوم الرمز الذي وسم المدرسة الجديدة، لأن هدف الرمزية هو جملة من الصور المتقابلة لتنويم القارئ بالطريقة المغناطيسية، كما يرى بريوسوف نفسه. ويشير بريوسوف إلى أن الرمزية هي شعر اللعب بالمعاني والدلالات. أما ديمتري ميرجكوفسكي وزوجته زينايدا غيبيوس فقد ربطا مفهوم الشعر الجديد بالغفران ومحاولة إعادة الأفكار الدينية الجديدة، وقد حاولا إزاحة بريوسوف من الطريق لأنه من أعداء البحث الذي نهجوه في الفهم الديني.‏
وبقي بريوسوف يؤكد أن ما يجمع الرمزيين الروس ليس الشكل والأسلوب، بل رؤية العالم وفهمه، أي الذاتية. وقد تميزت الفترة الجديدة في الرمزية الروسية بالانغماس في المعايشات والانفعالات الشخصية. وترافقت هذه الانفعالات عند ميرجكوفسكي بالوحدة والغربة. ارتبطت المرحلة الجديدة من الاتجاه الرمزي باسمين اثنين، يعدا من أعلام الأدب الروسي، هما أندريه بيلي وألكسندر بلوك، وهما من جيل الشباب في القرن العشرين. وتبلورت الرؤية الجديدة للرمز على يدي هذين الشاعرين، إضافة إلى علم آخر هو فيتشسلاف إيفانوف. وتحولت تجربة الرمزيين الشباب، وأصبح أبوهم الروحي هو الشاعر فلاديمير سولوفيوف، المعروف بفتور علاقته مع الجيل الأول للرمزية، ولذلك كانت فلسفته الروحانية ورؤيته الخاصة للعالم مصدراً ومرجعاً لفهم القصيدة وبنائها. وتميز الجيل الجديد بتوجهه الغربي ومزجه بالأصول الوطنية للكتابة. تجاوز الجيل الجديد مصطلح الرمزية الفرنسي، وراحوا يبحثون عن الرمز في المراجع اليونانية. ويرى ألكسندر بلوك أن هناك تشابهاً بين المصطلح الروسي الرمزي وبين المصطلح الإغريقي، وبالتالي فإن الرمز هو اجتماع المعاني والدلالات، أي البحث عن معان جديدة أثناء السعي لكشف الجمال الكامن في جوهر الأشياء. أجمع الشعراء الرمزيون الجدد على فهم الفن كإبداع للحياة، إبداع للعالم، والتعامل مع الحياة والواقع ضمن مقولة تاريخية جمالية. وكان المهم بالنسبة إليهم فعل الواقع والحياة. أما الإدراك والمعرفة فهما من مهمة العلوم بالدرجة الأولى، وهذا الفهم يتلاءم مع الفهم الهيغلي. لذلك أتت قصيدة الرمزيين الشباب مختلفة جداً عن عقيدة الجيل الأول، فقد جاءت مسألة التجسيد الميثولوجي الشعري في الدرجة الأولى، لأنهم يرون أن محاولة الجيل الأول كانت في عزل الروح عن الجمال. أضاع الرمزيون الأوائل العمق والدقة، لتأكيد الشخصية الذاتية، ما أدى إلى ذوبان الفردية أثناء ركضهم وراء السراب، فجاءت محاولتهم يائسة، وضاعت الشخصية والذاتية، أو انفصمت، وسقطت مقولة نيتشه عن الإنسان السوبرمان، وهم في أول الطريق. حدد فيتشسلاف إيفانوف ملامح الرمزية الروسية على الشكل التالي: فعل، ردة فعل. وهذا أمر طبيعي، لأن الفعل الأول ينبع من الأصول، من الضرورة التاريخية لحركة الحضارة ومن معطيات الأمة ومتطلباتها. أما ردة الفعل فتتمثل بتفاعل الحضارة الأم بحضارة أخرى، حيث تدخل هذه الحضارة الجديدة وتحاول تخريب الأصول، أي أن تؤسس أصولاً جديدة، وهذا صعب ومستحيل. ولذلك تأتي المرحلة الثالثة، وهي محاولة التوفيق ما بين الأصول والجديد. ارتبطت المرحلة الأولى في الأدب الروسي بالانهيار والانحطاط وخيبة الأمل والتردي. وعلى مستوى الواقع حصل ما لا يتوقعه الفلاسفة والحكماء: ثورة في الفيزياء، أزمة الحركات الاجتماعية، انهيار الإمبراطورية العثمانية، وتوضع الإمبراطورية الأوروبية محلها، خيبة الحركات الوطنية لأنها أصبحت ضحية خدعة الحضارة الأوروبية والوعود الكاذبة. لذلك بدت الكلمة – الرمز وكأنها المنقذ الوحيد، ووعدت أن تصبح أداة خالقة لتغيير العالم وحل ألغازه وطلاسمه . انتهت الرمزية كمدرسة أدبية في عام 1914، ويرى ألكسندر بلوك أن سبب انهيارها في الشعر، مرتبط بأسباب أهمها اختلاف الكتاب والشعراء الرمزيين فيما بينهم باكراً على فهم الرمزية، أي أن كلاً منهم راح ينظر إلى الرمزية كما يحلو له، وهكذا فقد افتقرت الرمزية إلى وحدة البرنامج والبيان الأدبي
 
الحافة : .. 2006