الحافة . حاوره: حسين نصر الله : الياس لحود: أنا ابن المرويات والحكايات
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
الياس لحود: أنا ابن المرويات والحكايات
25/05/2007
  
 
نحاول مع الياس لحود في هذا الحوار أن نضيء على الشعر التجربة الشعرية العربية, وخصوصا على تجربته الشعرية التي اختمرت طوال اكثر من ثلاثة عقود, ولا تزال تطالعنا كل مجموعة جديدة بالمفارق والجديد والمدهش. كأن لحود مدمن على الابداع حيث يرى ان هذا الاخير فعل حرية, لكنه قبل اي شيء «كتابة وبصمة» ولذلك فإننا نستطيع ان نتعرف الى قصائده من دون حاجتنا الى دليل, فقصائده تدل عليه €صوته الخاص€ وهي مهمورة بكل عناصر الادهاش واللامتوقع والمفاجئ. فشاعرنا يكتب بمفهوم المختلف. ورغم انه نفسه في كتابة كل ما يصدر عنه وله, الا انه واحد متعدد التجربة واللغة.
لنترك للشاعر لحود الحديث عن تجربته الشعرية الغنية وعن هواجسه وتطلعاته ورؤاه النقدية للمشهد الابداعي العربي.

€ الشعر, هذا الرفيق الدائم لمسيرتك الشعرية, ما الذي قدمه لك في مجموعتك الأخيرة «أيقونات توت العلّيق»... وما الذي أخذه منك؟
­ رفيق دائم لنا بحثاً عن الحرية في انصهار دائم, في مرجل لذيذ, ممتع؟؟ بلى ممتع رغم احتراقنا وإلا كنا اقلعنا عن «عاداته»... عن ادمانه منذ اشتعالاتنا المرهقة. مسيرة ابداعية؟ مسيرتي؟ أو مسيرتك او مسيرتنا؟ كيف يكون الشعر مشيناها خطىً «كتبت» علينا ويحيا حراً؟ لنطرح مسألة الحرية أولاً وبداية, لأنها هي وحدها «قضية» الشعر اذا آمنا بـ«قضية قضايا» قضية مركزية. ما الذي قدمه؟ وهنا, منذ الاجابة الوجودية الاولى, يتوضح بفجاجة دون اي التباس او تبرؤ «معنى العلاقة بالشعر»: الحرية بـ€أل التعريف€. فعل الحرية وليس قولها كما كان يحدث, وتكون الاجابة الاولى: قدم لي الحرية. «فعل الحرية» بدءاً من كينونة مشتركة انصهارية, ممتعة. ثم «ممارسة الحرية» وهل اروع من ان تفعلك الحرية لتفعلها ممارسة «ثلاثين او اربعين عاماً دون ملل او كسل او €حتى€ خجل بتعشق لا حدود لعشقه واندهاشه الطفلي دائماً؟ تفعلها وتحملها في اعلى سلم «اولوياتك» في افكارك الشعورية واحلامك دون اتعاظ او استيقاظ. بعد مجموعات ودواوين شعرية كثيرة, اكبر كنز ورأسمال معنوي ومادي قدمه الشعر لي هو ان افعله ويفعلني بحرية واكاد اقول بالحرية. من هذا السياق الميداني والنفسي على السواء «يجب» الكلام عن: حرية الكتابة, الكتابة الحرة, القصيدة الحرة, الوزن الحر, قصيدة النثر €بل الشعر€ الحرة. والحرية هنا فعل مادي ورمزي لانها اساس الكينونة كما يقول سارتر ويفعل معنا. لم يقدم لي تصفيقا واستقبالات او امتيازات... اما ما الذي اخذه الشعر مني فهو باختصار: «عُقدي», عقدي النفسية والشعرية واغلبها موروث ومبثوث في ارجائنا باعجاب ونرجسية يبلغان حد العدوانية القاتلة €نجومية وفردانية نرجسية...€.
€ في «الأيقونات...», ولنقارب الموضوع بداية بقراءة سريعة, تحاول اقتناص العادي والأليف من اجل التأسيس لمفارقة شعرية, اذا صح التعبير, هدفها الادهاش؟ وتقديم غير المتوقع؟ لاستخدامه كطاقة في «التكوينية النصية».. ماذا عن هذه التجربة؟
­ استخدامك لـ«التكوينية النصية­ او التوليدية» هنا يوفر الكثير. نصوص «الايقونات» باقات في باقة. مخلوقات تولدت بعذرية وتكونت بعناصر متحولة منا ومن الآخر فينا... لا خارجنا. كان الشعر واستمر, خصوصا الحداثوي محاكاة لنا وللآخر. موجودات من ردات الفعل والتأثيرات المعبر عنها بأفعال ومشاعر واحاسيس «غير حرة», تحاول ان تتكون بخصوصية ما او معينة لنا. بعضنا استزرع حبة اللوز واستثمرها بالاكبر والاحسن. وبعضنا كسرها واستجمعها وقدمها في السوبر ماركت و«البعض كسرها وأكلها في جهازه. انا من هذا البعض الذي اكل وابتلع محولا الحبة الى طاقة بنائية يتحرك بها ويُكوَّن, بما يحدث من عادي ومألوف وواقعي... ورمانسي وسوريالي ومعقول جدا ولا معقول, نصا شعريا, كتابة ذات هوية وبصمة. قصيدة مدموغة بايقاع نفسي مشعور او منثور €يطمح اليه في اثناء كل كتابة او قبلها او بعدها...€. مقطوعة فيلمية من فيلم الانسانية الطويل­ العظيم. سينما سهلة بكلمات قليلة مكثفة.... او مسرحا حافلا بالايجاز معبرا بوضوح €مَحْلوم€ عن اكبر كمية مسموح بها او مطموح اليها من المشاهد التاريخية او اليومية او المخيفة او الاليفة عبر احلام وكلام ومعرفيات ضرورية.
اذا كانت هذه ما تسميه المفارقة فليكن, ولكن, اذا سلمنا هنا بالقراءة البريئة لا المتواطئة انها «مفارقة المكتوب» بكتابته غير التدوينية وحسب, فهي مفارقة توليدية تصبح €مع «لا وعي» الكتابة المشروع­ لا وعينا للمفكر به الذي يتم التعامل معه كـمفكر به€ بلا هدف سوى تحقيق خلق النص€ القصيدة ­ الكتابة الولادة بالعناصر التكوينية €كما علمنا تشومسكي في قواعده التوليدية وكذلك غولدمان...€ المتحولة الى طاقة اللغة والنص, كالادهاش واللا متوقع والمفاجئ والسوريالي الما بعد حداثوي والفنتازي والتشكيلي اللوني والاصواتي والظلي... الخ, وكلها عناصر للتحويل الى طاقة النص€ القصيدة المشادة عمارة جمالية متحركة للمختلف في الحاضر والى المستقبل, بشكله اولاً كروح ولغته كجسد حي مناضل بسعادة ومحتواه الساعي عضويا الى اللامحتوى الواضح واللامعنى المعبر واللاشكل المحدد بأيقوناته على الصدور وفي المعاصم وعلى المفارق والمطلات على حد سواء. فالادهاش والواقعي واللامتوقع... الخ كلها عناصر توليدية بنائية وإلا فلا حاجة لاستعراضها... هنا تصبح الصعوبة «لا وعورة», شَقاً لطريق الشعر والقصيدة في الصحارى الموروثة كمقدس والجرود والقمم والفضاءات... وكلها امكنة وأزمنة للكتابة أي صالحة بتحويل طقوسها ومناخاتها الى الكتابة الشعرية الأجمل والأكمل وأعني الاكثر طزاجة وضرورة الآن.
€ في «أيقونات توت العليق»: أين تلتقي «الأيقونات» وأين تفترق عن مجموعاتك السابقة؟
­ لست معجبا ابدا بطريقة ان يقرأ الشاعر نفسه نقداً, بخاصة اذا كان عربيا. وفهمك كفاية. انا ناقد قبل القصيدة الى ابعد الممكن. في اثنائها انا «حالة مرضية بالشعر», خارجها انا اسمع صداها ولا ازعق معها او عليها, وفي ما يخصني كناقد قبل الكتابة وطقوسها انا «نظام» ثقافي, معرفي وجمالي... ومن دائرة هذا النظام اعمل بمفهوم المختلف: الشاعر واحد في كتابة كل ما يصدر عنه وله. ولكنه واحد متعدد التجربة واللغة €وهنا الحد الذابح والساخر€. انا مؤمن بأن التجريب يجب ان يبنى ويقوم على الاختلاف واللغة يجب ان تصبح «لغاتك في اللغة€ وإلا ما جدوى, ولا اقول ما معنى, ان تكرر وتعيد في الشعر خصوصا €ابرع الفنون تبدلاً واغتسالاً€ التجربة ذاتها واللغة ذاتها, في النص المقدس, «عظمة» الاشياء في «خلودها» دون اي انزياح وتحريف, والا انت في بدعة التجديف. والشعر نص مدنس عظمته في الانحراف €السوي€ والانزياح €المستقيم€ والتخريف والتجديف حتى على الذات لإذابة النافر القشري وكسر النتوءات والسطوح €كما كان يفعل دالي وقبله ابن العربي€ والتلذذ بقضم النرجسية والابيقورية والكلاسيكية... الشعر هنا مدنس بالحرية التي تحاول معنا الوصول بنا الى مطلقها... التهديف في الشعر حد ادنى بينما في الايديولوجيا €مثلا الدين, الحزب, العائلة الاجتماعية..€ حد اقصى بل اكثر اذا استطعنا. الشعر بدعة­ ابداع في المختلف الذي كان وتبدل. الشعر في الهامش والهامشي, والايديولوجيا في المتن...
كتبي تجارب مختلفة, في المختلف. مغامرات ممتعة للتدوين, لذيذة, في اسفار ومشاوير. كتبي تلتقي فقط على المفارق. على المطلات. هذا اسهل ما تمنحني اللغة المختلفة من تعبير. كيف يكون النص واحدا يبدأ مع باكورة كتابة وينتهي بموته, مهما اخترعنا في تبريرنا من كلمات مثل: يتطور, يغنى بالتجربة, يتلغْوَن, يتصفى, يتأصل او يتوسل أو يتأوَّل؟ القصيدة حالة, والقصائد مجموعة حالات. باقات في باقة. كل مجموعة بل كل باقة لها كينونتها وحَيّزها, كل مجموعة جديدة لنا هي اختلاف كامل الا في الاصل المرمم €الاصول المرممة€ والهوية الشخصية التي تُدمغ علينا اجتماعيا واخلاقيا لنبددها الى هوية ارقى واسمى واجمل مع كل بدعة­ ابتداع, او مصطلح لابداع. اذاً ما بقي هو الاصل اللغوي والفكري واللاشعوري المرمم بالمختلف كبنية مستقبلية وكمجال... ولولا التعقيد لتكلمنا على الميتارمز والميتالغة في الشعر كضرورة حادثة.
€ ايضا وعودة الى ما سبق: في بعض قصائدك تحاول الاستفادة من لغة القص ومحاورات المسرحة... ثمة الكثير من الحكايا والمرويات زَمن السينمائية»...
­ نحن حكايا, اي اكثر من حكاية لتذكرة النفوس وتذكرة الشعر وتذكرة البيت والجامعة... وباختين يؤكد: دور الكاتب أن يطلع من الشعبي اي من المروي الحكائي والروائي كفن صعب معقد يقدم تسهيله في المرويات, انا ابن المرويات والحكايا. حكاية صغيرة تكفي: العليقة غرسة مجانية ­ كما نقرأ­ داشرة للدفاع عن ارضها؟ نقصُّها, بل نستأصلها بالحرق او بالاجتثاث العدواني ولكنها تعود وتندلع بشوكها وعناقيدها. وحتى عندما همّ «ابونا» الديني بقتل ابنه اسحاق €وليس ابنته€ ارسل له الله التوراتي €وليس الإلهة€ كبشاً­ خروفا بقرنين معقوفين €وليس نعجة بأذنين ملساوين متدليتين€. وكادت العلقة تحترق بكل ما نزل لولا سرعة الله في ابينا المقدس وانتزاع «حَمل التضحية» رغم استحالة خروج اي غنمة من براثن العليقة حية او €حتى€ مقتولة. انها حكاية نمط الانتاج الرعياني العبري €بالغنم€ والعربي €بالنوق والجمال€. حكاية؟ وحسب؟ اكثر من تاريخ مقدس للإيديولوجيات. اكثر من أنتروبولوجيا €كما كتب موحيا كل من كليفورد غيرتس وجيلبير دوران...€. عشرون بل اكثر وانا اقرأ المرويات المتعددة لهذه الحكايا, لم اترك مرجعا غير متوافر الا وذللته, لاكثر من عشرين سنة في الوطن والامكنة المتاحة ولم استكمل قراءة هذه الحكاية الصغيرة. حكاية تعود بجذورها ومروياتها الى اكثر من خمسة آلاف سنة, حكاية «صارت» ومورست علينا تاريخا. بل التاريخ المقدس كله €كما اثبت فاتيمو€, بل اصبحت الاصول المرممة لكل انظمتنا ودولنا قبل الثورات وبعد الثورات €كما توصل دريدا في الاصل ولغة الآخر, قارئا رديفاً لكتاب جورج بوش الجد من مئتي سنة «محمد والاسلام»€...
نقول قصة صغيرة ولكن عمرها الوف المجلدات والمصنفات المقدسة €والمدنسة؟€ اكثر الحكايا المحلية والعالمية مشتقة منها او لاعبة عليها. اكثرية الروايات: الارض, الوطن, الحب, العشق, الخلاص, التضحية, الايمان, الالحاد, التنظيم والتفكيك, الترميم والتدشيم والمقاومات... الخ كلها قائمة على مروي بين الاسطور والدستور مشفّرا نعيده ونكرره ليكرننا بلا ندم بعد هذه «الحدّوثة».
هنا رأيت بعد كفاح شديد مرير عمل الشعر. ورشة حفريات معرفة في كل الاتجاهات بأقل كمية من التعقيد. اذاً ليست استفادة وحسب. انها «عملية» كانت لعصور كبيرة مؤجلة, ولن تسمح اللغة المختلفة والتكنولوجيا والعلوم والاحلام بتأجيلها بعد اليوم عن هاجس الشعر.. عن «ورشة» الشعر قبل سواه... حتى ولو تصفت القصيدة في لغة اخرى ونقيناها من الزوائد والمسننات الايديولوجية.
€ كأننا نصل بهذا العرض الشيق للحكاية الى السؤال التالي: في «الأيقونات» يبدو أنك تحررت من القصيدة الطويلة التي اعتدنا عليها في مجموعات سابقة لك €فكاهيات بلباس الميدان, ركاميات الصديق توما, الإناء والراهبة, مراثي بازوليني...€ ماذا عن هذا الاختزال وهذا التكثيف؟؟
­ كما قلت قبل قليل. انا مختلف عما كنت حيث كنت مختلفاً يومها عن ما كنته قبل ذلك. انا ابن الثقافة المشهدية التكنولوجية, العلمية والشعرية, العالمية الآن. وسأكون مختلفاً في ما يأتي... في الطرق القديمة المتعرجة, الطويلة, المتعبة, نسلك القادوميات. بل نبتكرها لنفتح بالخطوات فوق الخطوات معالم بل مسالك لسوانا. لست مسؤولا عما يحدث. الاشياء تسوي وسائل بلوغها وايصالها بالحاجات غير الواعية وانما الضرورية. بيير باولو بازوليني «يؤكد» في افلامه «ماما روما» و«اكاتون» وبعدهما «النسور والعصافير» و«الانجيل حسب متى».. الخ ان الحياة فيلم طويل­ عظيم ونحن فنياً €سينمائياً وشعرياً على الخصوص€ نقوم بالمونتاج السحري €أنا أدعوه السحري€ اي بالتقطيع والتوصيل دون ترك اي اثر لذلك, او اي ندبة او جرح حتى ولو كان ملتئماً بالتمام. هذا هو الفن كما تعلمته مجددا من بازوليني وكما رغبتي المرحلية ان افعله شعرا بالسينما الشعرية والكاميرا­ اللغة. يتم غالبا تلف العدد الكبير جدا من التصويرات والمشاهد المأخوذة على الاقل في الكتابة خصوصا الشعرية قبل التدوين اذا امكن, وبعده على رتوشات... بشرط على رتوشات...
اللغة بئار وبئار سحيقة, كلود ليفي شتروس يقول منشّفة وغير منشفة, فرويد يؤكد انها مسكونة بالعفاريت... خصوصا عفاريت الايديولوجيا. يونغ ولاكان يضيفان عفاريت الشعر بدءاً بأفلاطون مروراً بشكسبير حتى الآن. لا يمكننا ردم هذه البئار كلها بل يستحيل. كل ما يستطاع منذ رامبو وأبوللينير هو تقطيرها­ شعرياً­ وبرشنتها برموز وميتارموز واستخدامها لا كـ«أسطوريمات» وانما كمغذيات للحرية ضد التاريخ, كمقدس للإيديولوجيا والتكنولوجيا الآلية, كتابو للرأسمالية الايقونية. ولئلا يستهوينا البحث في غير مكان قصائدي «الايقونات», اجيب بأنني اعيش اثناء القصيدة. اثناء الكتابة. في الطقوس اللحظوية لهذه الكتابة, وكان الغالب في الايقونات الاستجابة والتأقلم في الايقاع الحرفي للكلمة €أيقونات€ والايقاع الحقيقي والرمزي معا للعنونة الميثية €ايقونات توت العليق€ وعكسها, ولكن بتسجيل ان العنوان «ايقونات توت العليق» لم يوضع ويُتبنى الا في المراحل الاخيرة, فهو لم يكن جاهزا أبداً وقطعاً. هكذا في الطقس او الطقوس ذاتها تم الاختزال والتكثيف في كل نص وفي النصوص مجتمعة €حيث اجلت او اهملت عددا منها بغير عاطفة€ بدون تقصد او اوامر او طلبيات أزيائية او بلاغية او حتى إخراجية... هل الصعوبة تأتي من التكثيف والاختزال والسهولة في الاتكاء على وجدانيات ورومنسيات وغنائيات شعبوية €عكس ما لدى بريخت وبيترفايس وبيكيت معاً€. ارى العكس احيانا ان الاختزال والتكثيف يجعلان القارئ المتلقي والمقروء معا في حالة «تأثر إبلاغي» اذا ما التقيا على مستوى ثقافي ومعرفي مطلوب بالضروة الآن, ولا بديل عنه. ماذا يقول لك هذا النص­ القصيدة من المجموعة وعنوانه «إنصات تام للمعري»: «رآني€ وأنا ابصره, يغمرها...€ ويداعبها€ وحين بدأت اقبلها€ أعماني...».
€ في «الأيقونات...», يبدو ان ثمة اصرارا مسبقا للابتعاد عن القضايا السياسية الكبرى والاقتراب اكثر من مفارقات الحياة وتجاربها... مع العلم اننا في خضات كبرى...
­ اولاً, القضايا لا يمكننا افتعالها بالشعر عن سابق نية كما لا يمكننا تناسيها او بترها من المونتاج كما يقول كل سيناريو, فالسيناريو لدي حر وعميق التبصيم منذ «مراثي بازوليني» و«سيناريو الأرجوان». السيناريو تكتبه الاحداث بالاشخاص واللغة الاخرى التي يندلع فيها الواقع وتنصهر المواقع بالمواقف. القضايا موجود اجتماعي­ سياسي­ انساني فينا, رغمنا. لذلك فتش عليها في ايقونات توت عليقي. فتش وابحث عنها في السهل البسيط من قراءتك بشرط قرائي واحد: التحرر القرائي من ذاكرة ميديا القضايا واجترارها لنا ولشعرنا منذ اكثر من ابراهيم اليازجي والسياب والبياتي والجواهري ودرويش... وأنا وأنت. وبعد ازالة الغبار, غبار افكارنا واعمارنا الوطنجية بدءاً بما قبل «أخي جاوز الظالمون المدى» وصولا الى عنتريات مراسلينا الفضائيين في القصائد قبل «المشاهد» سترى القضايا كلها والخضات اجملها واقبحها. ليس صحيحا ان النص الذي بطله برنار الصياد الماهر من حمّانا يعني برنارا وطرائده وأنا وخرطوشاتي وجمر افكاري واشياش عصافيري... رغم كرهي, كما سبق واستعرضت للنقد والتفسير, اقول: برنار هو كلنا. لبنان... الحرب... الدولة... والجوار... والحلفاء. وكذلك «قوافٍ لترضيح الاطفال» هي هذا الانسان, البطل, الكون, اللبنان المنتظر في «وحده». نعم ثمة اقتراب أكثر من الذات وجرحها النفسي­ الاجتماعي­ الوطني... الانساني, ثمة اقتراب من لحمنا كل بمفرده, كل بشعره, كل بحزنه وعليقه, وعناقيده المختبئة في الشوك €شوكه وشوك الجماعة الثرثارة والوطن€. نعم تذكّرات للأجمل ليس رومانسياً فحسب, وللأنقى ليس في الذاكرة المقنوصة, وللأكثر ثورية وحرية ليس في الشعارات والكليشيهات المدفوعة والتي على الحساب. نعم ايقونات علقت احداها حبيبتي الأولى في «حسنها», وحين اقتربنا من عليقة الطرقات الآتية والرائحة, لم نجد من عناقيد, أكل بعضها حصرما ليلكيا وبعضها حبرا احمر نبيذيا غامقا في البصمات على الاصابع والثياب, سوى بقايا «المختبئات» في الشوك والاستحالة عن عشاق سبقونا. وكان لا مفر من اختزالنا معا في يد واحدة «تناوطت» للقطف صارخة من شوكة اخترقت احدى ايقونتي الصدر بقساوة.
€ تبدو القصيدة العربية وكأنها تنمو في برية, اي انها متروكة للمصادفة من دون متابعة نقدية جديرة بها. الامر الذي اختلطت معه المعايير التي يتم على اساسها الاحتفاء بهذا الشاعر وعزل ذاك...
­ هذا صحيح على مستوى الصحافة المرئية والمقروءة غالباً. العشيرة لا يهمها سوى «ابنائها» اليوم كفضلات نماذج عتيقة. والقبيلة لا تعمل الا لنصرة اخيك ظالما او مظلوماً, ومظلوما تعني اليوم ظالما بالتمام. ماذا تريد يا صديقي حسين €تتذكر ما حدث لنا مرة؟€. ما يخيفني بعد هزائم شعوبنا قبل دولنا وحكامنا ان تستمر العشيرة­ القبيلة العربية في شكلها التكنولوجي والحداثوي الى إشعار مفتوح. ماذا نقول؟ الاحتفاء والعزل مرضان حتى إشعار آخر. من دون حساب او خجل. اين المساءلة؟ في صالون المنتظرين بالملايين «ربع المثقفة» ما لم اقل نصف الامية والاكثر رغم شهادات الليسانس والدكتوراه احياناً. عندنا عصابات «مسلحة» بالدونية؟ عندنا مافيات؟ هذا سؤال قديم جداً... اليوم, الاكثرية من الكتاب الجديرين العميقين تحارب النجومية التي ندفع عندنا في سبيلها احيانا الضمير و«العرض» والشرف المهني والمكرمات بدءاً بنبالة عشائرية مزعومة, كتّاب العالم اليوم في حالة عزل شخصي­ ذاتي عن شبهات الميديا, حيث يقاس احترامك بعدم ظهورك حتى في الحد الادنى وعدم نجوميتك وعندنا عموماً العكس: كتّاب «يستقتلون» للظهور وآخرون في السلطة الثقافية يُيسِّرون الطلب بـ«المداكشات» أو يحاربون من «ليس معهم» بالتجاهل. بعض المسؤولين يماسون نفسهم سلاطين ويكابرون...
وبالنسبة الى القصيدة العربية اليوم, اذا استثنينا نقد الترويج الاخواني المتروك للمصادفات, هناك نقدان: واحد ذو مستوى تفكيكي تشريحي, من تأويلي لغوي وما بعد لغوي قد يصل او يبدأ من الادبي الفلسفي والاناسي والسيميولوجي الدلالي. وآخر متحشر€ بين بين. الاول يبني نصا في النص والثاني يتفلسف منذ سنوات مستعرضا عضلاته النظرية مكررا الاسماء ذاتها والتعبيرات والنصوص نفسها دون خجل. الاول يتكاثر في المغرب وتونس والجزائر €وبعض الغرب€ واحيانا في لبنان والاردن, واحيانا اقل في سوريا والسعودية خصوصا منذ فترة, ومرضه في بعض المرات سطوة الذائقة القديمة والمصطلح الاكثر حداثة. والثاني يسير الى التهميش رغم الخشخشة والقرقعة بالمصطلحات والاصالة. الاول امل الشعر والقصيدة وعلى الجميع مساعدته... على كل انا «اشكو» ربما من كثرة الكتابة عن مجموعاتي وقصائدي رغم ان قسماً من هذه الكتابة هو من الـ«بَيْن بين». عندنا اسماء بارعة معرفياً قادرة, مثل الدكاترة والاساتذة: محمد بوعزة واحمد المديني وحمو بوشخار ومصطفى الكيلاني ومحمد ميلاد ومحمد خريف وجمال القصاص ونور الهدى باديس وعبد الله رضوان وفخري صالح وابراهيم محمود... ونبيل ايوب وديزيرة سقال وجورج طراد... معتذراً من اسماء لا يتسع المجال لذكرها.
€ في العالم العربي آلاف الشعراء. ورغم ذلك فإن قلة قليلة استطاعت ان تضيء سماء الشعر. هناك من يقول €جابر عصفور في آخر مقالة له€: في عالمنا العربي ثلاثة شعراء كبار فقط. درويش وقباني وادونيس...
­ لم اقرأ عصفور لافهم ماذا تعني «كبار» من دون ظلم وعشائرية عنده وهو الطليعي الذي يحتمل نصه قراءات متعددة. هل قالها باستخفاف من الرأي العام المسيس بالجاهز القطيعي والسخيف اكثر من الثقافة المكثفة؟ وهنا اسأل شعراء لا ينقصون بالحجم والحيز الابداعي عن هؤلاء... هل قالها تشفياً؟! ربما, رغم انه لا يتشفى كما تقول قراءاتي المتواضعة له؟ هل السياسي والحزب والطائفة­ العشيرة والصحافة يصنعون ويوسعون «كبر» الشاعر ورقعة قيمته ليصبح السخيف او العادي او الاقل عنده كبيراً. انا لا انظر هكذا, رغم انني بعيد متمرد على الناقد فيّ, لأنني أقيّم بالنصوص وتطورها لا بالشعارات الاعلانية. وهذا لا يعني ابداً ان الثلاثة المذكورين ليسوا من احسن وأبدع شعرائنا, أنتظر توضيحاً لصالح جابر عصفور. وبلغني بالتليفون أن أمجد ناصر رد على عصفور بهدوء. شكراً لهذا الرد. على كل, هل نتخيل بعض الأسباب مثلاً: مسؤول ثقافي في احدى دولنا أو محرر في صفحة ثقافية فضائية او صحفية يعتقد ويمارس نفسه سلطاناً ويعمل في «مؤسسة هذا او ذاك الشعرية» لعرفنا لماذا يُنفخ في هذا بالابواق ليكبر أكثر ويهمش من ذاك ليصغر أو يُعزل.
€ لو طلبنا من الياس لحود محاكمة القصيدة العربية وخصوصا قصيدة النثر فما هي التهم التي يوجهها لها؟
­ من انا لاحاكم القصيدة العربية يا صديقي حسين. فبينما في القضاء يكون الحاكم هو الاعلم قانونا والاعمق ممارسة والانزه اجتماعيا, في الشعر من يقبل تهمة الحاكم هو الفاشل حتى ولو تكرر اسمه كل يوم ومناسبة. حتى تهم الآخرين لا تهمني: كلها حرتقات كار ما لم تكن امراضاً فصامية او نرجسية ثاوية, ليكتب كل واحد ما يريد. المهم الا يأخذ مكان الاكثر ابداعا ويأكل رزقته الرمزية والمادية. كلها آثار دمغات العشائرية والذكورية في تاريخنا الشخصي.
كل قصيدة لا تفكك نفسها وتعيد انتاج معرفتنا وشعورنا وتجاربنا بعمق وتكثيف فيها, في بناها مجتمعة ككائنات في كائن نصي, تراكم ذاتها في كلاسيكية غير دينامية يجب كسرها كاللوزة وسحقها الى طاقة تتحول الى حركات وعلامات وايقاعات واشارات.. حتى قصيدة النثر, والقصيدة الحرة, والقصيدة المنطلقة مع اكثر التسميات ثورية تتحول الى قصيدة عمودية يكون كرهنا لها هو في مللنا المقرف من تكراريتها السمجة لا من هويتها واسمها حيث دائما الهوية جديدة والاسم جميل ولكن... مصير الكتابة الشعرية, بتفعيلة او بوزن او بتوزين او بالريتم النفسي او الفكري الشعوري, هو ان تنثرنا معها من اعلانا في اعمدتنا الى الارض, جائز انني اطور فكرة وولت ويتمان في قيثارة العشب كما تأثرت بها, ولكنني مؤمن بنثرنا اخيرا الى أفضية تلامس صدر الارض وليس فقط احدى ايقونتي هذا الصدر: الروح المعاصرة الدامغة والجسد المدموغ بحريته ايضا اولا واخيرا. وانا متأكد بأن قصيدتي بطموحها وجنوحها نحو الاجمل والارقى تسعى بتعطش ان تُكتب بعد سنة او مئة بالنثر.
 
 
 
الحافة : .. 2006