الحافة . شارل بودلير : قصائد
الرئيسية  |  شعر  |  سرد  |  مقالات  |  حوارات  |  ترجمة  |  فنون  |  عن الحافة  |  للمراسلة
قصائد
19/05/2007
  
"شارل بودلير" الملقّب بـ"الشّاعر الرجيم"، ولد في باريس، سنة 1821، اشتهر بديوانه المعروف: "Les Fleurs du Mal" أو "أزهار الشرّ"، ولكنّه، قبل نشره هذا الديوان، (بتاريخ 25 حزيران، سنة 1857)، قام بالعديد من الأعمال الصحفيّة وأعمال النقد الأدبي، كما عرف عنه أنّه ترجم بعض أعمال الكاتب الأميركي: "ادجار آلن بو". وربّما كان قد استحقّ لقب "الشاعر الرجيم"، لغرابة أطواره وهندامه، وللحياة البوهيميّة التي كان يتّبعها، ولفلسفته الجديدة المتعلّقة بالطبيعة، مخالفاً بها شعراء وفلاسفة سبقوه، من أمثال "لامارتين"، و"جان جاك روسّو".‏
وكان على ما يبدو، من روّاد "المدرسة الرمزية"، الأوائل، ولذلك لم يفهمها آنذاك القرّاء ولا النقّاد، الذين اعتادوا على أنماط سابقة من الرومانسية التي كانت سائدة في عصره، لدرجة أنَّ الصحافة هاجمت ديوانه الذي أحدث فضيحة عند نشره، وأحيل هو والناشر إلى القضاء الذي حكمه بدفع غرامة مالية، قيمتها: (300 ف) خفّضت فيما بعد إلى (50ف) مع القرار بحذف بعض القصائد التي اعتبرت منافية للأخلاق في ذلك العصر.‏
وقد لقي بعد ذلك بعض التأييد والتشجيع مع الشّاعر الكبير "فيكتور هوغو"، ومن الكاتب المشهور: "غوستاف فلوبير"، الذي كان قد تعرّض لمحاكمة مماثلة عند نشره روايته المعروفة: "مدام بوفاري".‏
1 – L’Albatros.‏
2 – L’Ennemi.‏
3 – Correspondance.‏
4 – L’ Homme et la mer.‏

ـ "القوطرس"‏

أو الشّاعر والطائر‏

كثيراً ما يمسك بحّارة السّفن، وهم يلهون،‏
بعض طيور "القوطرس"، تلك الطيور البحرية الضخمة،‏
التي تتبع السفن ماخرة العباب، وترافقها محلّقة بخمول،‏
ولا يكاد البحّارة يضعونها على ظهر السفينة،‏
حتّى تترك هذه الطيور، التي كانت ملوك الأجواء،‏
أجنحتها الكبيرة تتدلى كالمجاذيف وتزحف على جانبيها،‏
هذه الطيور المهاجرة، كم تبدو عند ذلك، ضعيفة وفاقدة الحيلة،‏
هي التي كانت في الجوّ، ساحرة الجمال، لكم أصبحت مضحكة وقبيحة‏
يلهو بها البحّارة، هذا بمشربه، وذاك بتقليده الطائر العاجز عن الطيران.‏
وأنت، أيها الشّاعر، مثلك في ذلك مثل أمير الأجواء، هذا‏
الذي يتحدّى العاصفة في الجوّ ويهزأ بالصيّاد،‏
ولكنّه عندما يقع على الأرض، منفيّاً، تعيق ذلك العملاق أجنحته‏
الضخمة، وتمنعه من المشي.‏


ـ العدوّ‏

لم يكن شبابي سوى عاصفة مظلمة هوجاء،‏
تتخلّلها هنا وهناك بعض أشعّة الشمس السّاطعة،‏
وقد أحدثت فيه الرعود والأمطار تشويهات كبيرة،‏
بحيث لم يبق في بستاني سوى القليل من الثمار الناضجة،‏
وها أنا قد بلغت خريف العمر.‏
وعليّ أن أستعمل الرفش والمجرفة،‏
لكي أرمّم من جديد التراب الذي غمرته المياه،‏
وأحدثت فيه حفراً عميقة، كحفر القبور.‏
ومن يدري فيما إذا كانت الزهور الجديدة التي أحلم بها،‏
ستجد في تلك التربة التي جرفتها المياه وأصبحت كالحصى،‏
الغذاء الروحاني الذي يمنحها القوّة.‏
ياللألم! ياللألم! إنَّ الزمن يلتهم الحياة!...‏
وهذا العدوّ الغامض والمجهول، الذي يقضم قلوبنا،‏
من الدّم الذي نفقده نحن، ينمو، هو، ويقوى.‏


ـ تواصل‏

الطبيعة معبد يزخر بالأعمدة الحيّة،‏
التي تطلق أحياناً كلاماً مبهما،‏
والإنسان يمرّ عبر غابات من الرموز،‏
التي تراقبه بنظرات أليفة.‏
وكالأصداء البعيدة التي تختلط ببعضها،‏
عبر وحدة غامضة وعميقة،‏
واسعة الأرجاء كالليل وكالضياء،‏
تتجاوب العطور، الألوان والأصوات.‏
هنالك عطور ناعمة كبشرة الأطفال،‏
عذبة كألحان المزامير، خضراء كالبراري في الربيع،‏
وهنالك عطور أخرى، فاسدة، قويّة وغالبة،‏
تشبه بانتشارها ماهو لا نهائي.‏
كالمسك والعنبر، عطر الشّرق والبخّور،‏
التي تنشد تحليق الأرواح والحواسّ.‏


ـ الإنسان والبحر‏

أيها الإنسان الحرّ، سيظلّ البحر عزيزاً على قلبك،‏
البحر مرآتك، تتأمّل بإعجاب روحك في تموّجاته الأبدية.‏
ونفسك ليست أقلّ عمقاً من أغواره.‏
يحلو لك أن تغوص في أحضان صورتك،‏
وتعانقها بعينيك وبذراعيك، بينما يلهو قلبك أحيانا‏
عن أهوائه، بالاستماع إلى صخب وهدير أمواج البحر، العاتية،‏
أنتما الاثنين، غامضان ومتكتّمان.‏
أيها الإنسان، لم يستطع أحد سبر خفايا نفسك.‏
أيها البحر، لا يعرف أحد كنوزك الخفيّة،‏
لشدة حرصكما، على كتمان أسراركما.‏
ومع ذلك، فقد مرّت قرون لا تحصى،‏
وأنتما تتصارعان، دون ندم ولا شفقة،‏
لفرط ما تحبّان المجازر والموت.‏
فيالكما من متصارعين أبديين، أيها الأخوان المصرّان على الشراسة والعناد.‏



ت.علي باشا
الحافة : .. 2006